يحاول الكاتب والباحث المغربي سعيد ناشيد، في كتابه «التداوي بالفلسفة»، الصادر عن دار التنوير للطباعة والنشر، إعادة الفلسفة إلى موقعها الأول بوصفها ممارسة إنسانية تتصل بحياة الإنسان اليومية، وتساعده على فهم ذاته والعالم المحيط به.
ويقدم ناشيد، في كتابه تجربة فكرية مميزة، يشتبك خلالها مع عدد من المفاهيم والقضايا الفلسفية شديدة الأهمية، لكنه لا يكتفي بعرض الأفكار والنظريات، وإنما يسعى إلى نقلها من حيز التجريد إلى واقع الحياة اليومية، لتصبح المفاهيم التي قد تبدو معقدة وقاصرة على المتخصصين أكثر قربًا من القارئ العادي، وقابلة للتأمل والتطبيق.
ويتوقف الكتاب أمام مجموعة واسعة من الأسئلة الإنسانية والفلسفية، من بينها «الأمل واليأس، والحب والموت، والتفكير والعقل، والملل، والتصالح مع الذات»، وغيرها من القضايا التي تفرض نفسها على حياة الإنسان، وتجعله في حاجة دائمة إلى إعادة النظر في علاقته بنفسه وبالعالم.
الفلسفة بوصفها أسلوب حياة
ويأتي من أبرز الأفكار التي يطرحها الكتاب إمكانية التعامل مع الفلسفة باعتبارها أسلوبًا للحياة، لا مجرد معرفة نظرية أو مجموعة من المصطلحات والمذاهب الفكرية.
الفلسفة كما يقدمها ناشيد، ليست بعيدة عن أسئلتنا اليومية، بل يمكن أن تمنحنا أدوات مختلفة لفهم تجاربنا، والتعامل مع الأزمات التي نواجهها، والنظر إلى الأشياء من زوايا أكثر اتساعًا.
وتأتي من هنا أهمية محاولة تبسيط الأفكار الفلسفية دون التفريط في عمقها، وهي إحدى السمات اللافتة في الكتاب؛ إذ ينجح ناشيد في تقديم عدد من القضايا الفكرية بلغة سلسة، تجمع بين الوضوح والعمق، وتمنح القارئ فرصة للتفاعل مع الأفكار بدلًا من الاكتفاء بتلقيها.
كما يأتي من القضايا التي يتوقف عندها الكتاب فكرة الملل، وكيف يمكن للإنسان أن يتعامل معه بدلًا من الهروب المستمر منه، وفي هذا السياق، يستشهد ناشيد، بمقولة الفيلسوف البريطاني برتراند راسل: «علموا أبناءكم أن يحتملوا الملل»، وهي مقولة تفتح الباب أمام تأمل علاقة الإنسان المعاصر بالوقت، وقدرته على البقاء مع نفسه دون حاجة دائمة إلى الانشغال أو البحث عن محفزات خارجية.
وفي السياق، ليس مجرد حالة عابرة، بل تجربة تكشف جانبًا من علاقة الإنسان بذاته وبالعالم، وتطرح سؤالًا حول قدرته على إدارة حياته ورغباته، بدلًا من أن يظل أسيرًا لما تفرضه عليه الظروف والمشتتات المحيطة به.
كما يطرح الكتاب فكرة العيش ببساطة، والتخفف من التعقيدات التي تجعل الحياة أكثر صعوبة، من خلال التصالح مع الذات والواقع، وإعادة النظر في الطريقة التي نتعامل بها مع مشكلاتنا ومخاوفنا.
ويمنح «التداوي بالفلسفة» خصوصيته أنه لا يتعامل مع الفلسفة باعتبارها ترفًا فكريًا أو معرفة منفصلة عن الواقع، وإنما يقدمها باعتبارها محاولة مستمرة لفهم الإنسان ومساعدته على مواجهة أسئلته الوجودية واليومية.
ويستمد الكتاب جزءًا كبيرًا من جاذبيته من لغته التي تجمع بين الطابع الفلسفي والنفس الأدبي، دون أن تفقد بساطتها أو تتحول إلى سطحية، فضلًا عن قدرته على تحريض القارئ على التفكير وإعادة اكتشاف أفكار ربما اعتاد التعامل معها باعتبارها من المسلمات.
ويشار إلى أنه كتاب يفتح نافذة على الفلسفة من زاوية مختلفة؛ زاوية لا تسأل فقط عما قاله الفلاسفة، وإنما عما يمكن أن تقدمه أفكارهم لحياتنا اليوم، وكيف يمكن للحكمة أن تصبح وسيلة للتعامل مع القلق والملل والحيرة، وربما لاستعادة شيء من التوازن في عالم تزداد تعقيداته يومًا بعد يوم.