الثورات الصناعية من منظور اجتماعي واقتصادي - محمد زهران - بوابة الشروق
الثلاثاء 26 أكتوبر 2021 7:57 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لانطلاقة الأندية المصرية في بطولتي دوري أبطال إفريقيا والكونفدرالية؟


الثورات الصناعية من منظور اجتماعي واقتصادي

نشر فى : السبت 2 مايو 2020 - 10:00 ص | آخر تحديث : الأحد 3 مايو 2020 - 1:01 م


تحدثنا في مقال الأسبوع الماضي عن الثورات الصناعية الأربع وعن تأثيرها الكبير على حياة الإنسان الذي استحقت كل منها به وصف "ثورة صناعية". واليوم نتحدث عن تأثير تلك الثورات على الحياة الاجتماعية ونسأل: بجانب تحسين وتسهيل الناس، هل يمكن أن يكون لها مردود سلبي؟
للصناعة تأثير كبير على الاقتصاد، والاقتصاد بدوره يؤثر على الحياة السياسية والاجتماعية.

عندما بدأت الثورات الصناعية وبدأ الإنتاج عالي الكثافة، هاجر الكثيرون من الريف إلى المدن للالتحاق بالعمل في المصانع بدلاً من الزراعة. فزادت الكثافة السكانية بشدة في المدن ونتج عنه ما نسميه الآن بـ"ثقافة الزحام". كما أدت تلك الهجرة أيضا إلى تركز أغلب الخدمات في المدن على حساب القرى. أثرت الثورة الصناعية أيضا على البيئة بزيادة الانبعاثات والتلوث مما أثر على صحة الناس وبالتالي على قدرتهم على العمل وعلى صحتهم النفسية.


أدى الإنتاج عالي الكثافة إلى زيادة كبيرة في الأرباح، ولكنها ذهبت كلها لأصحاب المصانع وليس للعمال الذين عانوا كثيراً خاصة أثناء الثورتين الصناعتين الأولى والثانية لعدم وجود قوانين تنظم العمل في المصانع وتجرم تشغيل الأطفال وتحمي العمال من ظروف العمل غير الآدمية.
بدأت تلك القوانين في الظهور بعد ذلك وتحسنت الأحوال قليلاً حتى ظهرت الشركات عابرة القارات التي ساعد على ظهورها تقدم وسائل الاتصالات وسهولة السفر، وهي من بين فوائد الثورتين الثانية والثالثة. ظهور تلك الشركات، التي أصبح بعضها أقوى من بعض الدول، أعاد ظروف العمل القاسية نظراً للتنافس الشرس بين تلك الشركات. بل أن بعض النظريات اقترحت أن تلك الشركات لا تريد القضاء على الفقر أو البطالة لأن وجودهما يعتبر وسيلة لتلك الشركات للسيطرة على العاملين فيها وتذكير مستمر للعواقب الصعبة التي تنتظر أي منهم لو لم ينفذ ما تطلبه منه الشركة.


أحدثت الثورات الصناعية تغيرا في منظور القوة السياسية. فبعد أن كانت القوة في يد ملاك الأراضي الزراعية، أصبحت في يد الرأسماليين من أصحاب المصانع والشركات.

كان نتيجة كل ذلك ظهور قوة مضادة للرأسمالية وأصبح الصراع بين القوتين أحد أسباب الحرب الباردة التي سيطرت على السياسة العالمية في معظم القرن العشرين.

نتيجة أخرى لذلك كانت تركز الثروات لدى القلة وانتشار الفقر لدى الكثرة. أدى ذلك إلى اندلاع ثورات كثيرة (غير صناعية هذه المرة) في الكثير من بقاع الأرض للمطالبة بحياة أفضل وبظروف عمل أكثر آدمية، خاصة وأن الآلات حلت محل البشر في أعمال كثيرة مما زاد من البطالة. يخلق التقدم التكنولوجي وظائف جديدة ولكن ذلك يأتي متأخراً عن اختفاء وظائف أخرى مما يسبب فترات من البطالة الكثيفة، بالإضافة إلى أن الوظائف الجديدة تحتاج إلى تعليم أرقى وأعلى من التي كانت تحتاجها الأعمال القديمة المختفية.

كل ما سبق قد يعطي صورة قاتمة عن تأثير الثورات الصناعية ولكن لكل شيء وجهان، الجميل والقبيح. وما استعرضناه هو الوجه القبيح، فما هو الوجه الجميل؟

أعتقد أننا نشهد بأنفسنا الوجه الجميل للثورات الصناعية فأنت تستطيع الوصول إلى أية معلومة في ثوان باستخدام تليفونك الذكي. وسائل الإتصال الحديثة جعلت التواصل بالصوت والصورة سهلاً ميسراً. أصبح لديك سائقك الخاص بضغطة زر عندما تطلب سيارة من تطبيق أوبر أو كريم.
أصبحت تمتلك خدمات لم يكن يمتلكها إلا الملوك في العصور القديمة، فالملوك وحدهم قديماً كان بإمكانهم إرسال الرسائل لدول أخرعن طريق الرسل وكان ذلك يستغرق شهوراً في بعض الأحيان أما الآن فأنت ترسل رسالة عن طريق الكمبيوتر أو التليفون المحمول تصل إلى أقصى الكرة الأرضية في ثوان. الملوك قديماً كان بإمكانهم السفر وقتما شائوا أما الآخرون فكان ينتظرون السفر مع القوافل، أنت الآن تستطيع السفر والتنقل وقتما شئت وباستخدام وسائل مواصلات مختلفة تطلبها عن طريف تطبيقات على تليفونك، وتستطيع إحضار الطعام الذي تريده أيضاً عن طريق تطبيقات أخرى ...إلخ
لكن أيضاً كل ذلك يأتي على حساب الخصوصية فشركات مثل جوجل وفيسبوك تعلم عنك الكثير.

الثورات الصناعية وتأثيرها في بروز الشركات عابرة القارات كانت أحد أهم الأسباب في تطور علوم الإدارة وعلوم التسويق وعلوم إدارة الموارد البشرية وهي كلها تأثيرات إيجابية.

هذه الرحلة السريعة عن التأثير الاجتماعي والاقتصادي للثورات الصناعية تقول لنا إننا يجب أن نستعد لما هو قادم. يجب أن نتعرف على الثورة الصناعية عندما تحدث لا عندما نقرأ عنها في التقارير والصحف.
يجب أن ندرس التأثيرات الإيجابية والسلبية لتلك الثورة وهذا يستلزم فريق عمل من خبراء التكنولوجيا وعلم الاجتماع وعلم النفس والإقتصاد والسياسة بل والتاريخ والجغرافيا حتى نضع استراتيجية للاستفادة من تلك الثورة الصناعية مع التقليل من تأثيراتها السلبية بقدر الإمكان.
يوجد علم يسمى علم المستقبليات وهو يستطيع أن يضع إحتماليات وسيناريوهات للثورات الصناعية القادمة حتى نستعد من الآن وياحبذا لو صنعنا نحن تلك الثورة أو كانت لنا يد فيها.

محمد زهران عضو هيئة التدريس بجامعة نيويورك فى تخصص هندسة وعلوم الحاسبات، حاصل على الدكتوراه فى نفس التخصص من جامعة ميريلاند الأمريكية، له العديد من الأبحاث العلمية المنشورة فى الدوريات والمؤتمرات الدولية، بالإضافة إلى الأبحاث والتدريس.. له اهتمامات عديدة بتاريخ وفلسفة العلوم ويرى أنها من دعائم البحث العلمى، يستمتع جداً بوجوده وسط طلابه فى قاعات المحاضرات ومعامل الأبحاث والمؤتمرات، أمله أن يرى الثقافة والمعرفة من أساسيات الحياة فى مصر.
التعليقات