كشفت الحرب التى شنتها الولايات المتحدة على إيران قدر ما نعانيه من نقصٍ فادحٍ فى الخبراء المختصين بهذا الملف، وهى قضية تستحق الانتباه؛ لأن معظم من نراهم على شاشات الفضائيات أو من نقرأ لهم فى الصحف والمواقع الإخبارية مختصين بملفات أخرى، وقد أثبتت تطورات الأحداث أن ما نسمعه هو حديث أقرب إلى الاجتهاد منه إلى التحليل السياسى الذى نحتاج إليه.
قبل سنوات كنا نملك لائحة غنية بأسماء عدد كبير من الخبراء، وكثيرٌ منهم قدمتهم مجلة السياسة الدولية أو مطبوعات مركز الأهرام للدراسات السياسية، خصوصًا «مختارات إيرانية» التى نجحت، إلى جانب شقيقتها «مختارات إسرائيلية»، فى تنمية معارفنا السياسية وتقديم أسماء جادة جديرة بالاهتمام فى متابعتها لترتيبات الأمن الإقليمى فى المنطقة.
من المؤسف فعلًا أن الزيادة فى أعداد مراكز الأبحاث خلال السنوات التى أعقبت ثورة يناير 2011 تلازمت مع ظاهرة أخرى تمثلت فى وجود نقص فادح فى الكوادر البحثية التى يمكن الاطمئنان إلى ما تملكه من معرفة بالشأن الإيرانى خصوصًا.
وباستثناء الدكتورة نيفين مسعد وبعض خبراء مركز الأهرام للدراسات السياسية، فإنه من الصعب العثور على اسم لديه ما كان لدى الصديقين الراحلين مجدى صبحى ومصطفى اللباد من معرفة ببنية النظام الإيرانى أو قدراته الاقتصادية، ومن ثم خياراته التفاوضية.
وفى ظل هذا النقص الفادح، فإن العودة إلى ما تركه هؤلاء تعين على فهم تعقيدات المشهد الحالى.
من المفارقات أن الشهر الماضى، الذى شهد التطورات التى أدت إلى الحرب، هو ذاته الذى شهد ظهور كتاب جديد للدكتور مصطفى اللباد، فى وقت يتحدث الكثيرون عن افتقادهم لتحليلاته التى اتسمت دائمًا بالعمق والتجرد والقدرة على إدراك الفارق بين المعلومة والأمنية والرأى.
صدر الكتاب تحت عنوان «شجرة الفستق: إيران والعرب فى قرن (1914 ــ 2013)» عن دار هاشيت أنطوان فى بيروت، وقامت بتحريره الزميلة زينب غصن، أرملة الراحل، التى توقفت فى مقدمتها الضافية أمام استعارة استعملها اللباد فى وصف إيران، إذ شبهها بشجرة الفستق فى عنادها وصراعها من أجل الماء.
لا تنمو تلك الشجرة فى إيران فحسب، بل تزدهر، ويكمن سر حياتها فى جذورها العميقة والمتشعبة التى يمكن أن تغوص وتمتد أمتارًا فى التربة الجافة والمالحة حتى تثبت الشجرة وتنمو أوراقها من جديد.
فى الكتاب مجموعة من اللمحات اللامعة بالغة الذكاء، وفيه أيضًا ما تم تجاوزه بحكم التطورات التى شهدها الملف، لكن ما يؤكده اللباد أن المساواة بين إيران وإسرائيل خطيئة لا تُغتفر بحق التاريخ والجغرافيا؛ فإيران لم تنشأ بقرار دولى فرضته أجندة دولية بقوة السلاح واستمرت تغذيته بالمال والسلاح والفيتو بما يضُمن لها التفوق العسكرى الكاسح على قدرات العرب مجتمعين.
يحلل الكتاب مراحل وموضوعات وثيقة الصلة بالمسارات التى استخدمتها إيران لتأكيد حضورها الإقليمى، سواء ما قبل ثورات التحرر الوطنى خلال الخمسينيات، أو خلال السنوات التى أعقبت ثورة الخمينى وثورة يناير 2011، فى سياق السعى لبناء تحالفات مع حركات الإسلام السياسى، كما يعود إلى مواقفها من عمليات السلام وصراعاتها مع العراق، أو مواقفها إزاء القوى العالمية.
آمن اللباد كثيرًا بالتشابه بين جذور تلك الشجرة والسلوك السياسى الإيرانى الذى يستمد مرجعيته من تصور عام عن الهوية الثقافية المصوغة فى العصور الزرادشتية القديمة، والمصقولة بالشعر والفلسفة الفارسية، والمندمجة مع الإسلام الشيعى. كما لاحظ أن هذا التجذر التاريخى سمح للدولة الإيرانية دائمًا باستيعاب الصدمات الخارجية؛ لأنها أمة أتقنت فن البقاء بحسابات دقيقة جعلتها تعرف اللحظات التى ينبغى فيها أن تنحنى أمام العواصف.
يرى اللباد أن شجرة الفستق تحتاج إلى دورة حياة صبورة تلائم الحاجة إلى التكيف مع أرض قاسية، وبالتالى فإن زراعتها ليست استثمارًا لعديمى الصبر، بل هى لعبة طويلة الأمد تستجيب للمفهوم الفارسى حول الزمن والتاريخ، ولعل هذا الفهم يفسر تباطؤ جولات التفاوض التى استعملها الإيرانيون لكسب الوقت قبل أن تبدأ الحرب الأخيرة.
لا يخفى الكتاب إيمان مؤلفه بضرورة الوصول لصيغة تضمن علاقات جوار طيبة بين العرب وإيران، ولا يغفل فى نفس الوقت طموحات إيران فى مد نفوذها السياسى لتجاوز حدودها كما فى الحالة اللبنانية.
ينظر الكتاب إلى مراحل التاريخ الإيرانى كما يُنظر إلى دورة حياة شجرة الفستق؛ فهى تستجمع طاقتها حتى فى فترات السكون التى لا تُعد فترة موت، بل فترات استعداد أو أوقاتًا للحفظ الثقافى وللصمود الذى يسمح بالتخطيط وإعادة بناء القوة.
تصل مقدمة الكتاب إلى خلاصة تحتاج إلى كثير من التأمل فى ظل ما نشهده من اتساع لدائرة الحرب التى نتابعها حاليًا؛ فعلى مدى التاريخ كان للقوى الخارجية دور فى تشكيل التاريخ الإيرانى، إذ سعت النخب الإيرانية إلى فهم حركة الرياح الخارجية والتعامل معها، متبنية تكتيك شجرة الفستق أيضًا فى اعتمادها على الرياح فى التلقيح، وفهمت اتجاه الريح كقوة خارجية لا يمكن السيطرة عليها. وبالتالى ظل السلوك الإيرانى أقرب إلى الرقص على أنغام الرياح، ومحاولة للتكيف مع مصالحه فى الإقليم.
أى إن المعادلة التى قادت إيران طوال سنوات كانت هى الرقص على التباينات والدخول فى صفقات تتناقض مع ما كانت تنادى به فى العلن، كوسيلة لحماية نظامها من السقوط أمام العدوان الخارجى؛ لذلك سعت ليس إلى الرقص فقط، وإنما إلى بناء تحالفات وأذرع فى الإقليم، مع جيرانها كما مع أعدائها.
لا أحد يعرف حتى الآن هل اختلت تلك المعادلة بطريقة أدت إلى سقوط إيران فى الفخ الأمريكى المنصوب داخل محيط إقليمى ملىء بالتحديات أم أنها دورة حياة جديدة تنتظر تلك الشجرة!؟