الخطر لغة هو الإشراف على الهلاك، وقد يقصد به الرهان، كما يراد به العوض والنصيب أما فى لغة التأمين فهو كل حادث محتمل يتسبب عن وقوعه حاجة الإنسان إلى تعويض آثاره، فالخطر مولد لحاجة احتمالية لدى الإنسان تقتضى منه التفكير فى وسيلة لتوقيه وإبعاد أثره عنه. وبالطبع تختلف الأخطار التى يتعرض لها البشر تبعا لبيئتهم المحيطة أو أعمارهم أو نشاطاتهم أو أعمالهم، ومنها ما قد يؤدى إلى العجز الجزئى أو العجز الكلى أو الوفاة لذا نشأت الحاجة إلى وجود أنظمة للتأمينات تحمى الأفراد من هذه المخاطر ومن الآثار الناجمة عنها، ويعد نظام التأمين الاجتماعى المصرى واحد من أقدم تلك الأنظمة فى العالم، واستطاع تكوين احتياطات نقدية هائلة حيث إن الاشتراك التأمينى يعادل 40% من أجر العامل. وبدلا من حصول العامل وصاحب العمل على معاش يوازى حجم الاشتراكات المتحصلة منهم نجد أن أغلب المعاشات لا تضمن لأصحابها حياة كريمة فضلا على أنها لا تتحرك بنفس معدلات تحرك أسعار السلع والخدمات، وهو ما دفع حركات ونقابات أصحاب المعاشات للمطالبة فى أكثر من مرة بوضع حد أدنى للمعاشات يضمن لهم حياة كريمة، ودائما ما يتم التهرب من تنفيذ هذا الاستحقاق بزعم عجز الاحتياطيات المتحصلة عن كفالة زيادة المعاشات، فضلا عن الادعاء بأن الخزانة العامة تتحمل ما هو أعلى من قدرتها فى دعم زيادة المعاشات... فهل هذه الادعاءات حقيقية؟
فى البداية يجب التأكيد على وجود عدة مخاطر تحيق بالنظام التأمينى المصرى، وجميعها أسباب لا دخل للعمال أو أصحاب المعاشات بها، لكنها نتيجة سوء إدارة من الأنظمة الحاكمة المتعاقبة فضلا عن سوء استغلال منها لأموال التأمينات.
ومن ذلك، أولا: التهرب التأمينى بجميع أشكاله شأن عدم التأمين على العامل كليا أو التأمين عليه مدة معينة ثم إنهاء التأمين رغم استمرار علاقة العمل أو التأمين عليه بأقل من الأجر الحقيقى أو التأمين على العامل وخصم نسبته فى الاشتراك التأمينى والامتناع عن إرسال الاشتراكات للتأمينات، ثانيا: التوسع فى أنظمة المعاش المبكر دون النظر لتأثيرها على أنظمة التأمين والدراسات الاكتوارية الخاصة بها حيث تحول آلاف العمال من دافعى اشتراكات تأمينية إلى أصحاب ومستحقى معاشات مما أخل بالاحتياطات حيث إن الدراسة الاكتوارية كانت تتوقع إيرادات خلال مدة محددة والتزامات لن يحل موعد الوفاء بها إلا بعد مدة محددة ثم فوجئت بعكس ذلك فى الحالتين بسبب السياسات التى اتبعتها الدولة فى الخصخصة دون مراعاة حقوق التأمينات والتزاماتها، ثالثا: تحميل صناديق التأمينات بسداد المعاشات الخاصة ومعاشات القوات المسلحة دون قيام الخزانة العامة بتوريد هذه المستحقات كاملة للصناديق رغم أن الخزانة وحدها هى المسئولة عن سداد هذه المعاشات، رابعا: تحميل المعاشات بسداد الزيادات التى تقررها الدولة على المعاشات رغم أن الخزانة العامة هى المسئولة عن تحمل كل زيادة تقرر من الدولة سواء كان ذلك بقرار إدارى أو بقانون، خامسا: سيطرة وزارة المالية وبنك الاسثمار القومى على ما يتجاوز 95% من أموال التأمينات واحتياطياتها وهو ما يحول دون استثمار التأمينات لهذه الأموال استثمارا حقيقيا يعظم منها ويزيد احتياطياتها، سادسا: مماطلة وزارة المالية فى الاعتراف بكامل المبلغ الذى قامت باقتراضه من أموال التأمينات، سابعا: امتناع وزارة المالية عن اعتماد معيار عادل لحساب سعر الفائدة على الأموال التى تم اقتراضها من التأمينات، تاسعا: تهرب المالية من إعلان جدول زمنى تلتزم خلاله برد وسداد أموال التأمينات وفوائدها العادلة والمستحقة.
وجميع هذه المخاطر هى مخاطر حقيقية لكنها لا تستعصى على الحل، وعلى العكس من ذلك فقد ساهمت ثورة 25 يناير فى إنقاذ النظام التأمينى المصرى وحماية أصحاب المعاشات، حيث شرعت حكومات الثورة فى فصل التأمينات عن وزارة المالية بعد أن تم دمجهما فى وزارة واحدة فى عهد مبارك، كما تم التوقف عن إرسال احتياطات التأمينات لبنك الاستثمار القومى لتعود سيطرة مجلس إدارة الهيئة القومية للتأمين الاجتماعى على الاموال المتبقية، وتم وقف العمل بقانون بطرس غالى للتأمين الاجتماعى والذى كان سيغتال الطابع الاجتماعى للتأمينات وسيحلها للطابع التجارى، وتبقى عدد من الاشكاليات ولعل أبرزها هو إعلان الحجم الحقيقى للأموال التى اقترضتها الحكومة من التأمينات وتاريخ ردها. والحقيقة التى يجب أن يعلمها الجميع أن الدكتور أحمد حسن البرعى إبان توليه حقيبة التأمينات الاجتماعية فى وزارة الببلاوى لعب دورا محوريا لحصر الأموال المستحقة للتأمينات لدى الخزانة العامة وبنك الاستثمار سواء تلك المثبتة بموجب صكوك أو سندات إبان سيطرة وزارة المالية على ملف التأمينات فى عهد مبارك / بطرس غالى، أو غير المثبتة بصكوك أو سندات والتى تنازع وزارة المالية فى قيمتها الإجمالية، كما تنازع فى سعر الفائدة المستحق عليها، ونجح الدكتور أحمد حسن البرعى فى الضغط على مجلس الوزراء لتشكيل لجنة بين الوزارتين بهدف حصر المديونية ووضع جدول زمنى بمدد وطرق السداد، كما قام بتشكيل لجنة داخلية من أعضاء مجلس إدارة الهيئة القومية للتأمين الاجتماعى وكان كاتب المقال من أعضائها تختص بإعداد الملف الذى ستقوم على أساسه وزارة التأمينات بالتفاوض مع المالية فى شأن تلك الأموال، وكانت هذه اللجنة تختص بتدقيق وتسوية واقتراح كيفية سداد المديونية المستحقة لصندوقى التأمينات لدى وزارة المالية مع مراعاة تحديد النقاط التالية (أصل المديونية، عوائد الاستثمار المستحقة على أموال التأمينات منذ إيداعها ببنك الاستثمار القومى حتى الآن، وكذلك المديونية غير المثبتة والتى لم يصدر بها صكوك أو سندات حكومية، وضع آلية لتحديد عوائد الاستثمار على المديونية لدى بنك الاستثمار ووزارة المالية والفروق المستحقة للصندوقين بافتراض استثمارها بالأسعار المعلنة بالبنك المركزى).
وقد تبين لنا فى اللجنة أن أموال الهيئة القومية للتأمين الاجتماعى لدى الجهات المختلفة ووفقا لميزانية 30/6/2013 هى (خمسمائة وتسعة وثلاثون مليارا وخمسمائة وواحد وثلاثون مليون جنيه)، مقسمة على النحو التالى:
جدول (1)

وذلك وفقا لمعيار فائدة محدد من الخزانة العامة بلغ 8% على الأموال التى اقترضتها من التأمينات، ومعيار فائدة محدد من بنك الاستثمار القومى كان 10% وتم إنزاله إلى 9% على الأموال التى اقترضها من التأمينات. وعندما ناقشنا معيار الفائدة الذى تم على أساسه حساب العائد كان السؤال لماذا لم يتم حساب تلك الفائدة على أساس سعر الخصم أو سعر الإيداع من البنك المركزى المصرى، أو حسابها على أساس سعر السوق المصرفية أو سعر أذون الخزانة بعد استبعاد الضرائب. فهذه الأموال ليست بلا صاحب حتى لو كانت جهات إدارية فى الدولة هى التى قامت باقتراضها فيجب حساب سعر الفائدة بما يعظم من احتياطيات تلك الأموال لتتمكن التأمينات من الوفاء بالمعاشات وتطويرها بما يتناسب مع الأسعار.
وعندما قمنا بمطالعة مستحقات التأمينات حال تغيير معيار سعر الفائدة تبين حجم الأموال المهدرة التى تستحقها الصناديق كعوائد على اقتراض تلك الأموال حيث تبين لنا ما يأتى:
إذا تم حساب أموال التأمينات بفرض استثمارها بسعر الخصم أو سعر الإيداع من البنك المركزى المصرى فإنها ستصل إلى (ستمائة واثنين وثمانين مليارا ومائة وخمسة وسبعين مليون جنيه) مقسمة على النحو التالى:
جدول (2)

ومن مقارنة هذا الجدول بما سبقه يتضح أن تغيير معيار عائد استثمار تلك الأموال أدى لزيادة مستحقات التأمينات بمقدار من 142.644 مليار جنيه حيث ارتفعت من 539.531 مليار جنيه إلى 682.175 مليار جنيه.
وعند حساب أموال التأمينات بفرض استثمارها بسعر السوق المصرفية أو سعر أذون الخزانة بعد استبعاد الضرائب فإن أموال التأمينات ستصل إلى (سبعمائة وستة وسبعين مليارا وخمسة وعشرين مليون جنيه).
جدول (3)

ومن مقارنة هذا الجدول بالجدول الأول نجد أن الفارق بلغ 236.494 مليار جنيه حيث ارتفعت من 539.531 مليار جنيه إلى 776.025 مليار جنيه.
وإذا تم حساب أموال التأمينات بفرض استثمارها بسعر الاقراض الذى تقوم فيه البنوك بإقراض المواطنين والشركات بالطبع ستتجاوز أموال التأمينات الـ950 مليار جنيه.
إن استعراض وتحليل الجداول السالف بيانها يتضح منها مجموعة من الحقائق، أولا: أن النظام التأمينى المصرى واحد من أفضل الأنظمة التأمينية فى العالم حيث استطاع أن يحقق كل هذه الاحتياطيات والفوائض، ثانيا: أن الدولة عن طريق وزارة الخزانة وبنك الاستثمار القومى تسيطر على ما يزيد على 95% من أموال التأمينات الاجتماعية وهو ما يحول دون استثمارها على نحو حقيقى، ثالثا: أن حساب معيار الفائدة العادل سيقوى من المركز المالى للصناديق وسيسهل على الصناديق إقرار الحد الأدنى للمعاش دون أن تتحمل الخزانة العامة شيئا من ذلك، رابعا: إن عودة أموال التأمينات لصناديقها وإبعادها عن سيطرة الدولة والتوقف عن محاولات خلطها بأموال الخزانة العامة ضرورة قومية، خامسا: أن عودة أموال التأمينات لصناديقها سيساعد مجلس إدارة الهيئة القومية للتأمين الاجتماعى على وضع وتنفيذ خطط استثمار آمنة تعظم من تلك الاحتياطيات وتساعد على تطوير الخدمات التأمينة، سادسا: على الدولة السعى جديا لمواجهة ظاهرة التهرب التأمينى بكل صوره، سابعا:أن تتولى الخزانة العامة والمعاشات العسكرية سداد المعاشات الخاصة والعسكرية لمستحقيها مباشرة دون وضع الهيئة القومية للتأمين الاجتماعى كوسيط فى هذه العملية.