التكنولوجيا العسكرية بيد حرس الحدود الأوروبية - قضايا تكنولوجية - بوابة الشروق
الثلاثاء 9 يونيو 2026 8:49 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟

التكنولوجيا العسكرية بيد حرس الحدود الأوروبية

نشر فى : الثلاثاء 9 يونيو 2026 - 7:35 م | آخر تحديث : الثلاثاء 9 يونيو 2026 - 7:35 م

شهدت السنوات الأخيرة تصاعدًا واضحًا فى سياسات تأمين الحدود، إذ تسعى الدول إلى تعزيز سيطرتها على الهجرة عبر أدوات وتقنيات متطورة. فى هذا السياق، تحوّلت إدارة الحدود الأوروبية الخارجية فى ضبط الهجرة غير النظامية من سياسة مراقبة تقليدية تعتمد الكوادر البشرية واللوجستيات الثقيلة إلى منظومة تكنولوجيا رقمية تميل بجوهرها الى أن تكون أمنية تعتمد على الطائرات المسيّرة، والبيانات البيومترية، وأنظمة الرصد والتحليل الذكى. 

على مدار العقد الأخير، تزايد استغلال المهاجرين كأداة ضغط جيوسياسى من الدول المتاخمة للاتحاد الأوروبى؛ ويتجلى ذلك فى غض الطرف عن تحركات المهاجرين أو تسهيل عبورهم نحو الدول المستهدفة. فى المقابل، تسعى تلك الأخيرة إلى توظيف النظرة السائدة للهجرة باعتبارها خطرًا يهدد أمنها، واستخدام ذلك فى الحملات الانتخابية وتبرير الإجراءات والاتفاقيات الأحادية.

عززت من توظيف تلك النظرة الحروب والأزمات فى دول الجنوب ونشوء تنظيمات متطرفة استغلّت مسارات الهجرة غير النظامية لتنفيذ هجمات إرهابيّة فى دول الاتحاد الأوروبى كهجمات تنظيم داعش فى نوفمبر 2015 فى باريس. وعلى رغم أن هذا التوظيف يقوم على أسس مغلوطة، إذ تشير تقارير إلى أن جزءا كبيرا من الهجمات نفذها مواطنون أوروبيين من الجيلين الثانى أو الثالث من المهاجرين، إلا أن هذه العوامل دفعت دول الاتحاد الأوروبى إلى تشديد إدارة الحدود، وعسكرتها لمواجهة ما يسمى «تدفق» المهاجرين.

وهنا يُشير مفهوم «عسكرة الحدود» إلى اعتماد الدول بشكل متزايد على أدوات واستراتيجيات عسكرية فى إدارة الهجرة وضبط الحدود. إذ لم يعد الأمر مقتصرًا على التكنولوجيا البدائية، الحواجز والأسلاك الشائكة، بل توسع ليشمل أنظمة مراقبة متقدمة مثل الكاميرات الحرارية، وأجهزة الاستشعار، والطائرات المسيّرة، وفى بعض الحالات نقل هذه المسئولية إلى القوات المسلحة.

تُعدُّ أجهزة الكشف عن نبضات القلب جزءا من منظومة المراقبة التقنية الممولة من الاتحاد الأوروبى، وذلك ضمن استراتيجية رقابة رقمية أوسع نطاقا تُعرف بـ«الحصن الرقمى»؛ إذ تستخدمها السلطات الحدودية الصربية ووكالة «فرونتكس» (وكالة حرس الحدود والسواحل الأوروبية) على طريق البلقان؛ لرصد المهاجرين غير النظاميين المختبئين فى الشاحنات ومركبات النقل.

• • •

على الرغم من الأدلة المتكررة على مدار السنوات السابقة على تعذيب المهاجرين واللاجئين فى ليبيا واستغلالهم –هى جرائم ضد الإنسانية، وفقاً للأمم المتحدة– لا يزال الاتحاد الأوروبى يدعم ليبيا لاعتراض قوارب المهاجرين غير النظاميين. 

وفى إطار استراتيجية تفعيل قدرات الجيل الجديد من أنظمة مراقبة الحدود الأوروبية، أطلقت وكالة «فرونتكس» وشرطة الحدود البلغارية، فى 26 مايو 2025، مشروعًا تجريبيًا لاختبار استخدام طائرات بدون طيار تكتيكية طويلة المدى فى المراقبة الجوية للحدود الخارجية. وقد جُهِّزت هذه الطائرات بأجهزة استشعار وأنظمة اتصالات متطورة، ما يتيح مراقبة ميدانية مباشرة.

فى كواليس هذا التحوّل إلى عسكرة الحدود، تستفيد شركات الدفاع العملاقة وشركات الأمن ومختبرات الجامعات ومؤسسات البحث، بدعم من جماعة ضغط مؤثرة فى بروكسل. ومن بين المقاولين ثلاث شركات متعاقدة — Global SAT ،DAT CON و «شيلد إيه آى» (Shield AI)، والتى تتّخذ من كاليفورنيا مقرا لها ويديرها براندون تسنج، وهو ضابط سابق فى قوات البحرية الأمريكية.

كما تشارك شركات الدفاع الإسرائيلية كشركة الصناعات الجوية الإسرائيلية (IAI) و«إلبيت سيستمز» Elbit Systems – أكبر شركة دفاع فى إسرائيل – فى تزويد وكالة «فرونتكس» واليونان بطائرات «هيرون» و«هيرميس» بدون طيار. وقد استُخدمت هذه الطائرات خلال حرب غزة (2008–2009)، كما سُجلت 15 ألف ساعة طيران فى أفغانستان لأغراض عسكرية.

• • •

بالنظر إلى الخطاب السائد حيال التحول السريع باتجاه «العسكرة»، وبخاصة فى السنوات الخمس الأخيرة، نجد أنه يروّج لخطاب «إنقاذ الأرواح»، وذلك يعد سببا رئيسيا لاستخدام الطائرات المسيرة، إذ إن الهدف هو الكشف السريع والمبكر عن حالات الغرق ضمن قوارب المهاجرين غير النظاميين، كما توسيع نطاق البحث والوصول إلى الأفراد الذين جرفتهم الأمواج.

لا يمكن أيضا إنكار مدى التقدم والإضافات التى قدّمتها الطائرات المسيّرة فى تحسين كفاءة عمليات البحث والإنقاذ البحرى، ويظهر ذلك جليا فى عمل المنظمات غير الحكومية فى المتوسط. فى حين أن ممارسات الجهات الفاعلة الأخرى فى البحر، كوكالة «فرونتكس» وحرس الحدود، الذين بطبيعة الحال أنقذوا الكثير من الأرواح وجاءوا بهم إلى الموانئ الأوروبية، تختلف فى مفهومها للكشف المبكر والإنقاذ. 

ففى المثال المذكور أعلاه، نجد أن مفهوم الإنقاذ والكشف المبكر لدى «فرونتكس» قد لا يتعارض مع إحتمالية الإعادة القسرية إلى دول كليبيا، حيث يتعرض المهاجرون غير النظاميين للاستغلال، التعذيب، الإخفاء والقتل. فى حين يضع حرس الحدود الأوروبى فى أولوياته التقاط الصور للقوارب وتحديد هوية من يقود القارب كمحاولة لكشف شبكات التهريب، ليتبع ذلك اعتقال أفراد كانوا على متن القوارب وتجريمهم بتهمة تهريب البشر.

• • •

من ناحية أخرى، فإن ازدواجية الخطاب والممارسة المرتبطة بتكنولوجيا عسكرية استُخدمت فى الحروب وأعمال العنف، تُنتج تناقضاً يعيد تشكيل صورة المهاجر غير النظامى. إذ يتحول من شخص يسعى إلى النجاة إلى «هدف» للرصد والملاحقة. كما يُدمج ضمن خطاب أمنى يربطه بالمخاطر والتهديدات، بدلًا من التركيز على ظروفه الإنسانية. وبذلك، لا تقتصر وظيفة هذه التكنولوجيا على المراقبة، بل تمتد إلى إعادة إنتاج تصورات سياسية واجتماعية حول الهجرة غير النظامية، تُساهم فى تجريمها وتعزيز صورتها السلبية بشكل غير مباشر. 

كما تُعاد صياغة مفهوم العمل الإنسانى ومخاطره وأهدافه فى سياق الإنقاذ البحرى؛ إذ يتناول هذا المقال المخاطر بمعزل عن المخاطر القانونية والصدمات النفسية وآثارها، على المديين القصير والطويل، على الأفراد، ويركز حصرا على مهمة الإنقاذ بوصفها فعلا مجردا. وبناء على ذلك، فقد انطوت المخاطر سابقاً على عوامل طبيعية كالعواصف، أو تقنية تتعلق بالقوارب وآلية عملها؛ وهو ما جعل مهمات الإنقاذ البحرى معرضةً لتسجيل وفيات ناجمة عن قسوة الطبيعة أو خطأ بشرى-تقنى غير متعمد.

لكن مع دخول التكنولوجيا العسكرية إلى هذا الميدان، وإعادة توصيف المهاجر بوصفه «خطرا أمنيا» و«هدفا» للاعتراض، بدأ العنف البشرى المباشر فى الظهور والتواتر تجاه المهاجرين غير النظامين وبعثات الإنقاذ غير الحكومية. فأصبحت مهمات الإنقاذ كما رحلات الهجرة، معرضةً لتسجيل وفيات ناجمة عن عنف بشرى مباشر.  

على سبيل المثال، تعددت التقارير التى تتحدث عن احتمالية تورط حرس الحدود الأوروبى فى تجنيد مرتزقة لدفع المهاجرين على الحدود والتسبب فى وفيات إثر ممارسات أخرى كالتصادم مع قوارب المهاجرين غير النظاميين، ما يتسبب بغرقها. 

• • •

فى ظل هذا التحول وانتشار التكنولوجيا العسكرية على الحدود، نجد أن إعادة الصياغة شملت أيضا الغاية الأساسية الكامنة وراء هذا التطور؛ فقد أضحت إدارة الهجرة وضبط الحدود ترتكز على مبدأ الردع. ولا تقتصر أهداف التقنيات الحديثة المنشورة على الحدود على منع المهاجرين غير النظاميين من دخول دول الاتحاد الأوروبى فحسب، بل تمتد لتشمل التنبؤ بالمسارات التى سيسلكونها والمخاطر التى قد يواجهونها، بدءا من لحظة اتخاذ القرار وحتى بلوغ نهاية رحلتهم.

 كما أن تعقيد المسارات أمام هذه الرحلات – التى يفرض الواقع استمرارها – ولّد تكيفا وتفاعلا من شبكات التهريب مع أنظمة المراقبة، ما أدى إلى ظهور علاقة غير مباشرة بين توظيف التكنولوجيا العسكرية واعتماد مسارات هجرة أكثر خطورة، يقع عبئها على المهاجر وحده.

وتتجلى المفارقة الأكثر حدّة فى استخدام الطائرات المسيّرة، التى شاع استخدامها فى النزاعات المسلحة، فى مراقبة الحدود، بما يخلق تناقضا عميقا فى خطاب «إنقاذ الأرواح». فبينما تُقدَّم هذه التكنولوجيا كأداة لحماية الأرواح، تُساهم فى الوقت نفسه فى تعزيز منطق المراقبة والتجريم.

وفى ظل هذا الواقع، يبقى السؤال قائما: هل يمكن إعادة توظيف هذه الأدوات بمعزل عن إرثها التاريخى؟ وهل يمكن الموازنة فيها بين المتطلبات الأمنية والاعتبارات الإنسانية؟ أم أن طبيعتها المرتبطة بالحروب والسيطرة تجعل من المستحيل فصلها عن منطق الردع وإدارة البشر بوصفهم تهديدا يجب احتواؤه؟


هادى عبد الحى

موقع درج

النص الأصلى: 

 

قضايا تكنولوجية قضايا تكنولوجية
التعليقات