إحلال محل الواردات - عمرو عادلى - بوابة الشروق
الإثنين 20 يناير 2020 11:51 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ستحرص على زيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام؟

إحلال محل الواردات

نشر فى : الإثنين 5 سبتمبر 2016 - 9:30 م | آخر تحديث : الإثنين 5 سبتمبر 2016 - 9:30 م

يذكر العنوان أعلاه بالاستراتيجيات التنموية القديمة التى سبق وأن تبنتها مصر ـ مع العديد من بلدان العالم النامى ـ فى الخمسينيات والستينيات، والتى قامت على التصنيع الموجه للسوق المحلية فى حضور حماية جمركية وغير جمركية مرتفعة للصناعات المحلية، والذى كان هدفه كما يشير اسمه هو إحلال محل ما يتم استيراده من سلع صناعية من الخارج، وقد ميزت هذه الاستراتيجية محاولات التصنيع فى العالم الثالث طيلة عقود منذ الحرب العالمية الأولى وربما حتى الثمانينيات، ويسود الاعتقاد اليوم أن التصنيع الموجه محليا قد أثبت قصوره من زوايا عدة، لعل أهمها هو أن الحماية المرتفعة والمستمرة للمنتجات المحلية تؤدى إلى ضعف أو تدهور الجودة والكفاءة، وبالتالى غياب القدرة على المنافسة فى أى سياق اقتصادى حر، علاوة على إجبار المستهلك على شراء سلع منخفضة الجودة تحت زعم أنها محلية، ولعل أشد مواطن الضعف وضوحا فى تلك الاستراتيجيات كانت هى عجزها عن توليد ما يكفى من العملة الصعبة اللازمة لاستيراد السلع الرأسمالية مثل الآلات والأجهزة والماكينات وغيرها من المنتجات عالية المحتوى التكنولوجى، والتى تظل غالبية البلدان النامية فى حاجة لاستيرادها من الخارج لعدم قدرتها على إنتاجها محليا، وقد كان هذا هو «عقب أخيل» الذى أدى لانهيار معظم تجارب التصنيع الموجه لإحلال محل الواردات بحلول السبعينيات والثمانينيات سواء فى مصر نفسها أو فى البلدان التى قطعت شوطا أطول فيه مثل المكسيك والبرازيل والأرجنتين وتركيا والهند.
مع غلبة التصور النيوليبرالى على الاقتصاد العالمى وانخراط بلدان العالم النامى بشكل متزايد فى الأسواق العالمية، فى إطار التزاماتها تبع منظمة التجارة العالمية أو تحت وقع مشروطية صندوق النقد والبنك الدوليين لم تعد استراتيجيات التصنيع المحلى محبذة ولا ممكنة، وحل محلها من الوجهة الفعلية والنظرية استراتيجية بديلة قائمة على تحفيز التصدير وجذب رءوس الأموال الأجنبية فى صورة استثمارات مباشرة، وهى الاستراتيجية التى تبنتها الدولة فى مصر بشكل رسمى مع بدء التكيف الهيكلى فى ١٩٩١، وبعد مرور ربع قرن على تبنى هذه الاستراتيجية يمكن القطع وبالأرقام أنها لم تؤتِ أكلها لأن الاقتصاد المصرى ـ كغيره من العديد من اقتصادات الدول النامية بالمناسبة ـ يجد صعوبات كبيرة فى إنتاج سلع وخدمات مرتفعة القيمة المضافة يمكن المنافسة بها فى إطار اقتصاد عالمى متزايد التحرير «على الأقل حتى الأزمة المالية فى ٢٠٠٨ عندما بدأ الاقتصاد العالمى النيوليبرالى فى التهدد بشكل مباشر». ويظل الأداء الاقتصادى المصرى سواء فى شق التوسع فى الصادرات أو جذب رءوس الأموال فى الفترة بين ٢٠٠٥ و٢٠٠٨ هو الاستثناء الذى يثبت القاعدة فى عشرين سنة طويلة لم يتجاوز متوسط الاستثمار الأجنبى المباشر ١٪ من الناتج المحلى الإجمالى فيها، ولم تشهد الصادرات تنويعا كبيرا بعيدا عن الاعتماد التقليدى والسقيم على الطاقة الرخيصة من صادرات بترولية وغاز طبيعى، لم تعد لا رخيصة ولا موجودة بوفرة بعد تحول مصر لمستورد صافى للطاقة فى ٢٠١٢.
***
ومع التباطؤ الاقتصادى فى النمو الناتج عن الاضطراب السياسى بعد ٢٠١١، تحولت أوجه القصور الهيكلية هذه إلى قضايا ملحة وضاغطة على الاقتصاد المصرى وعلى مالية الدولة، وخاصة فاتورة الواردات التى استمرت فى تضخمها بينما تراجعت الصادرات السلعية والخدمية أو تجمدت محلها، ومع ثبوت أن مصادر النقد الأجنبى كتحويلات العاملين بالخارج لا تكفى رغم أهميتها وتزايدها لسد العجز ميزان المدفوعات، وأثبت مصدر خدمى هام كالسياحة أنه بالغ الحساسية والتأثر بالظروف الأمنية والسياسية المضطربة، وكانت النتيجة النهائية أن الواردات تضغط بشدة على الاحتياطى النقدى الأجنبى، وخلافا لما يتصوره كثيرون فإن القسم الأعظم من الواردات هو من مدخلات إنتاج وليس سلعا نهائية استهلاكية ـ سواء كانت ترفيه أو سلعا أساسية ـ بل إن القسم الأكبر هو من سلع وسيطة ورأسمالية وخامات لأزمة لقطاعات حيوية كالصناعة التحويلية والزراعة والخدمات، وبما إنه لا مفر من استيراد الخامات، وهى فى جميع الأحوال لا تمثل التكلفة الكبرى، فإن مساحة الحركة لعلاج الاختلالات يكون فى السلع الوسيطة والرأسمالية، خاصة فى الأولى لأن السلع الرأسمالية ذات محتوى تكنولوجى مرتفع، قد لا يكون من الممكن التخلى عنها، ولكن السلع الوسيطة وهى سلع نصف مصنعة يتم استيرادها بكثافة لدرجة أنها تمثل نحو ٤١٪ من إجمالى فاتورة الواردات طبقا لأرقام الجهاز المركزى فى ٢٠١٤. وهذا إن نم عن شىء فإنما ينم عن تخلف هيكل التصنيع فى مصر، والذى يظل عاجزا عن إنتاج مستلزمات ومدخلات إنتاج غير مرتفعة المحتوى التكنولوجى، ولعل هذه من المساحات القليلة التى يمكن ـ على الأقل نظريا ـ للدولة التحرك فيها بالتعاون مع القطاع الخاص فى إطار استراتيجية تجمع بين التصنيع (وبالتالى التشغيل) وبين تخفيض الاحتياج للاستيراد دون التسبب فى ركود للاقتصاد.
**
هل هذا يعنى العودة لاستراتيجيات إحلال محل الواردات التى عفا عنها الزمن وعنها الذباب؟ الإجابة البسيطة هى لا، لأن المستهدف هنا ليس إنتاج سلع نهائية تحت وقع حماية جمركية أو غير جمركية ـ لم تعد ممكنة حقا فى ظل التزامات مصر الدولية فى مجال تحرير التجارة ـ إنما الغرض هو تعميق القطاع الصناعى فى مصر بتمكين الصناعات القائمة من مد روابط خلفية تحصل من خلالها على مدخلات غير مستوردة خاصة تلك التى لا تتطلب محتوى تكنولوجيا مرتفعا وتقع فى مجال الصناعات كثيفة العمالة، وسيكون لدى كبار المنتجين فى مجالات الصناعة والزراعة والخدمات مصلحة فى تجنيب أنفسهم الاعتماد على الاستيراد فى ظل تذبذب سعر الصرف وإجراءات الحكومة للحد من الواردات، ولن يكون هذا فى إطار حمائى أو احتكارى بل فى إطار تجارى متحرر ولو جزئيا، فهل هذا ممكن؟.

خبير وباحث فى الاقتصاد السياسى

الاقتباس
الواردات تضغط بشدة على الاحتياطى النقدى الأجنبى، وخلافا لما يتصوره كثيرون فإن القسم الأعظم من الواردات هو من مدخلات إنتاج وليس سلعا نهائية استهلاكية.

التعليقات