حقائق عندهم وأحلام عندنا - فهمي هويدي - بوابة الشروق
الخميس 9 ديسمبر 2021 3:26 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

برأيك.. إلى أي مرحلة سيصل المنتخب المصري في كأس العرب؟


حقائق عندهم وأحلام عندنا

نشر فى : الأحد 6 سبتمبر 2009 - 9:23 ص | آخر تحديث : الأحد 6 سبتمبر 2009 - 9:23 ص

 خلال الأيام الثلاثة التى أمضاها وزير الخارجية التركى فى القاهرة، نجح الرجل فى إبهارنا بقدر ما أصابنا بالحسرة والحزن. سمعته يقول إنه خلال السنوات الست الأخيرة زار «الجارة» سوريا 36 مرة، فكدت أدارى وجهى من الخجل، لأننى كنت أعلم أن وزير الخارجية المصرى زار السودان ــ الجارة الأكثر أهمية لمصر ــ مرتين فقط خلال الفترة ذاتها (فى مرتين أخريين ذهب مشاركا فى القمتين العربية والأفريقية ولم يكن قاصدا السودان).

رغم أنها لم تكن زيارته الأولى للقاهرة، التى عاش فيها ثلاثة أشهر أثناء تحضير أطروحته للدكتوراه، إلا أن الدكتور أحمد داود أوغلو «50 سنة» سعى لأن يتواصل مع أوسع شريحة من المصريين، تراوحت بين كبار المسئولين والصحفيين والمثقفين وشباب الدبلوماسيين. وفى كل لقاءاته كان حريصا على أن يحقق هدفين، أولهما أن يشرح لسامعيه كيف تفكر تركيا فى محيطها، والثانى أن يتعرف على انطباعات النخبة المصرية وآرائها إزاء التحركات التركية.

كان الدكتور أوغلو قادما من زيارة وساطة بين بغداد ودمشق، بعد أزمة التفجيرات الأخيرة بالعاصمة العراقية التى اتهم بعض البعثيين فى سوريا بالضلوع فيها. وكانت تلك الوساطة والرحلات المكوكية ما برح الرجل يقوم بها طول الوقت، متنقلا بين مختلف العواصم مدخله للحديث عن دور «الإطفائى» الذى أصبحت تقوم بها تركيا على مختلف الجبهات. إذ خلال السنوات الست التى عمل فيها كبيرا لمستشارى رئيس الوزراء ثم وزيرا للخارجية أخيرا، لم تثر مشكلة فى الجوار التركى الممتد من القوقاز إلى حدود الصين، أو فى منطقة الشرق الأوسط إلا وكان حاضرا فيها بشخصه.

فى رأيه أن تركيا، تماما مثل مصر، بلد لا يستطيع أن ينكفئ على نفسه، وإنما لكل منهما دوره الذى رسمته له الأقدار. بحكم التاريخ وأمر الجغرافيا. وإن أى بلد يستطيع أن يغير أشياء كثيرة فى سياساته ومسيرته، لكنه لن يستطيع أن يغير من التاريخ أو الجغرافيا، وإن ظل بمقدوره أن يغير من مفهومه للاثنين وكيفية تعاطيه معهما.

مهمته التى يقوم بها كانت فرصة لكى يطبق خلاصة خبرته الأكاديمية كأستاذ للعلوم السياسية فى جامعة «بالكنت» باستانبول. وقد بسط رؤيته فى عدة كتب وأبحاث، أهمها كتاب «العمق الاستراتيجى ومكانة تركيا الدولية» الذى طبع عام 2001 وتجرى ترجمته الآن إلى العربية. وقد سبق للدكتور إبراهيم البيومى غانم أستاذ العلوم السياسية أن ترجم له كتابين صدرا فى القاهرة، أحدهما عن العالم الإسلامى والتحولات الحضارية. والثانى عن الفلسفة السياسية فى النظر الإسلامى والغربى.

كتابه عن مكانة تركيا الدولية أصبح المرجع الملهم للسياسة الخارجية لبلاده، منذ تولى حزب العدالة والتنمية السلطة فى عام 2002. إذ زود الحراك السياسى التركى بطاقة انطلاق هائلة لم تعرفها فى تاريخها المعاصر. فى ظلها تحولت تركيا من جسر بين الشرق والغرب إلى مركز مؤثر فى التفاعلات السياسية على الجانبين.

فى تنظيره للدور التركى ذهب إلى أن نقطة الارتكاز الأساسية فيه هى ثبات الجبهة الداخلية وتماسكها، وتمتعها بدرجة عالية من الحرية والديمقراطية والقوة الاقتصادية.

واستقرار الوضع الداخلى والاطمئنان إليه تتلوه خطوة أخرى تقوم على ما يسميه «تصفير» المشكلات فى المحيط الاستراتيجى، بمعنى التصالح مع كل الجيران وجعل المسائل المعلقة معهم عند درجة الصفر. وهو ما نجحت تركيا فى تحقيقه سواء فيما خص سوريا. التى هددت أنقرة بتوجيه ضربة عسكرية إليها يوما ما «عام 1998».

وفيما تعلق باليونان وأرمينيا ودول البلقان. وسجل المرارات التاريخية مع كل منهما حافل بالألغام. وإنجاز هذا الهدف مكَّن تركيا من التقدم باطمئنان لإثبات حضورها فى الفاعل المنظمات والمحافل الدولية. وهى الساحة التى تتحرك الآن عليها بثبات وهدوء، سواء على صعيد منظمات الأمم المتحدة، أو مجلس التعاون الخليجى، مرورا بمنظمة آسيان ومنظمة الوحدة الأفريقية والعالم العربى. حيث عقدت تركيا اتفاقات للتعاون مع كل هذه الجهات.

يتباهى الدكتور أحمد داود أوغلو فى ختام كل مناقشة بأن بلاده ما كان لها أن تحقق ما حققته إلا حين ثبتت ديمقراطيتها واستقلت إرادتها، وامتلكت رؤية استراتيجية واضحة. اهتدت بها فى مسيرتها. وهو كلام حين سمعته انتابنى شعور بالحزن والانكسار، لأن ما أصبح سياسة تمشى على الأرض عندهم، لايزال عندنا أملا نصبو إليه وحلما يبدو بعيد المنال.

فهمي هويدي فهمى هويدى كاتب صحفى متخصص فى شؤون وقضايا العالم العربى، يكتب عمودًا يوميًا ومقالاً اسبوعياً ينشر بالتزامن فى مصر وصحف سبع دول عربية اخرى. صدر له 17 كتابا عن مصر وقضايا العالم الاسلامى. تخرج من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1961 ويعمل بالصحافة منذ عام 1958.