- فن الجرافيتي في مواجهة الحروب: أعمال بانكسي الجدارية في الأراضي الفلسطينية والقرى الأوكرانية المدمرة
- تحقيق صحفي قد يكشف عن هوية فنان الشارع البريطاني بانكسي للجمهور
اشتهر الفنان البريطاني "بانكسي" بوصفه أحد أبرز رموز فن الشارع المعاصر، إذ قدّم أعمالًا فنية ذات طابع نقدي ساخر تعالج قضايا سياسية وإنسانية واجتماعية حول العالم، واعتمد في تنفيذ جدارياته على تقنية القوالب التفريغية، ما أتاح له إنجاز أعماله بسرعة ودقة في الأماكن العامة.
وتميّزت أعماله برسائلها المباشرة وقدرتها على إثارة الجدل وتسليط الضوء على موضوعات مثل الحروب والسلطة والرأسمالية وحقوق الإنسان، فضلًا عن حفاظه على هويته المجهولة، الأمر الذي زاد من الغموض المحيط بشخصيته وأسهم في تضاعف الاهتمام العالمي بفنه.
شركة مسجلة بالمملكة المتحدة قد ترتبط باسم بانكسي
وكشفت صحيفة "التليجراف" البريطانية هذا الأسبوع، أن إحدى الشركات المسجلة في المملكة المتحدة تحت اسم يبدو عاديًا للغاية، وهو "خدمات إن تي إس"، والتي تأسست لتقديم خدمات إدارية في عام 2020، قد تكون مرتبطة باسم فنان أعمال الجرافيتي العالمي مجهول الهوية "بانكسي".
وأظهرت التحقيقات الأولية، أن هذه الشركة حققت أرباحًا عالية في الأشهر الأولى من عملها، وأن المدير الحالي للشركة، المعروف باسم ديفيد جونز، قد يكون مرتبطًا مباشرة بهوية الفنان الحقيقية، ما يثير التساؤلات حول ملكية الشركة وثروة الفنان الغامض وأعماله الفنية الشهيرة.
وتبين أن الاسم الأصلي للشركة كان اسمًا أكثر إثارة للاهتمام؛ ألا وهو: "لا شيء لتراه المحدودة"، وربما كان الاسم صريحًا جدًا، إذ استخدم الفنان سابقًا عبارة "لا شيء لتراه هنا" في مشروعه الفني "ديزمالاند" عام 2015، وقد تم تغيير اسم الشركة بعد عام من تأسيسها.
حصد ثروة فنان الشارع البريطاني بانكسي
وأظهرت البيانات المالية، أن الشركة تمتلك أصولًا كبيرة، ويُعتقد أن ثروة الفنان تصل إلى نحو 19 مليون جنيه إسترليني وفق أحدث تقرير سنوي للشركة.
وأشارت السجلات، إلى أن الشخص المسمى ديفيد جونز، الذي كان المدير الوحيد للشركة خلال السنوات الست الماضية، قد استقال الشهر الماضي، وتم استبداله بشخص آخر يُدعى أيضًا ديفيد جونز، ومسجل على نفس العنوان في لندن، مع فارق جوهري واحد، وهو أن تاريخ ميلاده مسجل في يوليو 1973 بدلًا من يوليو 1972 كما كان لدى المدير الأصلي.
وأظهرت التحقيقات، أن ديفيد جونز الجديد مرتبط بشركة أخرى تسمى "تصميم وخدمات المحدودة"، وكان مديرها محاسب يُدعى سيمون دوربان، المعروف بكونه مساعد الفنان المقرب لمدة خمسة عشر عامًا، وهو ما يعزز الفرضية بأن المدير الحالي للشركة مرتبط مباشرة بالفنان الغامضَ.
ولفتت إلى اسم ديفيد جونز – الذي يعتبر الاسم الثاني الأكثر شيوعًا بين الرجال في المملكة المتحدة – قد يكون في الحقيقة اسمًا مستعارًا للشخص المعروف سابقًا باسم روبن جانينجهام، وهو الاسم الحقيقي للفنان الذي يُشتبه منذ نحو عشرين عامًا بأنه الفنان الغامض.
وأوضحت تحقيقات وكالة "رويترز"، أن "جانينجهام" غيّر اسمه رسميًا إلى ديفيد جونز بعد أن انكشف أمره سابقًا.
وأفادت تحقيقات "التليجراف"، خلال هذا الأسبوع حول الروابط المتعلقة باسميه (جانينجهام وديفيد جونز)، بأن الفرضية التي ذكرتها وكالة "رويترز" صحيحة، وأن أقارب الفنان يتعمدون السرية عند الحديث عن أي صلة بهم أو بالفنان.
وتحدّث شخص يُرجّح أنه من أقارب الفنان إلى الصحيفة، من منزل يقع في غرب لندن، قائلًا إن الفنان يفضّل الحفاظ على خصوصيته ولا يريد الكشف عن هويته الحقيقية، مضيفًا أنه من الأفضل احترام رغبته في ذلك، كما أشار إلى تقديره لأعماله الفنية، معبّرًا عن أمله في عودة أحد الأعمال التي كانت قائمة على الضفة المقابلة للنهر.
وأوضح أن عملًا فنيًا كان موجودًا بالقرب من جسر كيو لم يعد في مكانه، بعدما نفّذ مالكو المبنى أعمال ترميم شملت الموقع.
وفي منزل آخر خارج منطقة بريستول، يُعتقد أنه ملك والدة الفنان، رفضت سيدة مسنّة التعليق على أي صلة لها بالفنان، وقالت: "لا تعليق لي على أي شيء".
وأكد السكان المحليون بالقرب من عنوان آخر مرتبط بديفيد جونز أن الفنان كان يعيش في كوخ جميل مع شريكته حتى حوالي ثماني سنوات مضت.
وقال أحدهم: "لقد كانا لطيفين جدًا ولم نكن نتعرض لحياته الخاصة"، وأضاف ممازحًا: "أنا فقط ممتن أنه لم يقم بالرسم على منزلي".
فيما أضافت سيدة أخرى تُدعى ماري: "كنت أتحدث باستمرار مع شريكته، لكن لا أذكر اسمها أو عملها الآن، كان ذلك منذ سنوات مضت"، مضيفة أنهما باعا المنزل وانتقلا إلى مكان آخر عندما اكتشفت الصحافة مكانهما، لكنها لا تعرف إلى أين ذهبا، وأظهرت ملفات الشركة أيضًا أن ديفيد جونز من شركة "خدمات إن تي إس" يُدرج دولته الحالية كمقيم في الولايات المتحدة.
كشف هوية فنان الشارع البريطاني مصدر إثارة لـ 30 عاما
وتعد مسألة الهوية الحقيقية للفنان مصدر تكهن واهتمام وإثارة لأكثر من ثلاثين عامًا؛ حيث دخل الفنان المجهول الساحة الفنية بطريقة لم يفعلها أي من أقرانه، وجذب خيال الجمهور بأعماله مثل "الفتاة بالبالون"، و"الحب في سلة المهملات"، و"بائع الزهور" وغيرها.
وفي السنوات الأخيرة، رسم الفنان جداريات في قرى أوكرانية مدمرة خلال الحرب مع روسيا، وظهر وكأنه ينتقد الحكومة عبر رسم صورة قاضٍ يضرب متظاهرًا على جدار المحكمة الملكية للعدالة.
جداريات وأعمال فنية تكشف حضور بانكسي في فلسطين
وبرز حضور "بانكسي" في الأراضي الفلسطينية من خلال سلسلة جداريات وأعمال فنية حمَلت رسائل سياسية وإنسانية لافتة؛ ففي عام 2005 رسم على الجدار الفاصل في الضفة الغربية جدارية لحمامة سلام ترتدي سترة واقية من الرصاص ومُصوَّب نحوها مؤشر ليزر، في إشارة رمزية إلى أن السلام بات هدفًا تحت التهديد، وفي عام 2007 نفّذ في بيت لحم عملًا جداريًا يُظهر فتاة صغيرة تُفتّش جنديًا مسلحًا رافعًا يديه إلى الحائط، في قلب ساخر لموازين القوة.
كما قدّم أعمالًا بصرية توحي بوجود نوافذ مفتوحة على مناظر طبيعية خلابة وسط الجدار الإسمنتي، في محاولة لخلق متنفس رمزي من واقع الحصار.
وتوّج هذا الحضور بإطلاق مشروع فني متكامل عام 2017 تمثل في فندق "وول أوف"، الذي يطل مباشرة على الجدار ويضم جداريات ومنحوتات تسلّط الضوء على الحياة اليومية تحت القيود، مقدّمًا تجربة فنية تُزاوج بين السخرية السياسية والتوثيق البصري للواقع.
جدير بالذكر أن ذلك الكشف الجديد عن هوية الفنان له صدى في الماضي القريب؛ إذ ذكرت صحيفة محلية عام 2008، أن "جانينجهام"، الذي درس في مدرسة كاتدرائية بريستول الخاصة، هو المرشح الأول ليكون الفنان، رغم إنكار فريقه الإداري، ولم يتم تأكيد أي شيء رسميًا، لكنه كان الجواب الأكثر تداولًا.
وأفادت وكالة "رويترز" بعد تحقيق طويل استمر عدة أشهر، بأنها تمكنت من تتبع الفنان من جداريات وسط مانهاتن إلى ستينسلات رسمها في أوكرانيا، مرورًا ببريستول ولندن.
وأشارت إلى أن الفنان غيّر اسمه رسميًا إلى ديفيد جونز بمساعدة مديره السابق، بهدف التمتع بحرية أكبر في ممارسة فنه دون تدخل السلطات أثناء عمله أو سفره.
ورفض فريق الفنان هذه المزاعم رسميًا، فيما أكد محاميه أن العديد من تفاصيل التحقيق غير صحيحة، مشيرا إلى أن الكشف عن هويته ينتهك خصوصيته ويعرضه للخطر.
وأكدت "رويترز" أن التحقيق يخدم الصالح العام لفهم هوية ومسيرة شخصية لها تأثير عميق ومستمر على الثقافة وصناعة الفن والخطاب السياسي الدولي.
وأوضحت التحقيقات، أن الفنان كان يحاط بحراسة خاصة تحمي هويته المجهولة، وشمل فريقه فنانين آخرين ومتعاونين ومساعدين وحراسًا.
وحاولت الصحيفة التواصل مع العديد ممن التقوا بالفنان أو تعاملوا معه عبر وسطاء، إلا أن غالبية هؤلاء رفضوا الحديث أو تأكيد هويته، وأظهرت التحقيقات أن من حول الفنان يتعمدون الغموض ويجيبون بألغاز أو تلميحات دون كشف الحقيقة.
وأكد خبراء وفنانون مقربون من الفنان أن الحفاظ على هذه السرية طوال هذه السنوات كان أمرًا استثنائيًا، مشيرا إلى أن استمرار هذا الغموض في المستقبل قد يصبح مستحيلًا في ظل وسائل التواصل الحديثة وقلة الخصوصية العامة.
وأشار فنان بارز وصديق للفنان، إلى أن قدرة الحفاظ على الهوية المجهولة طوال هذه الفترة أمر مذهل، وأن مثل هذا الغموض قد يكون من الصعب تحقيقه لأي فنان في المستقبل، نظرًا لتغير بيئة الخصوصية وانتشار وسائل الإعلام.
وأضاف أن الغموض والسرية مرتبطان ارتباطًا وثيقًا بطبيعة أعماله الفنية، مما أعطاها قيمة استثنائية وجعلها محط اهتمام عالمي.