الإثنين 24 سبتمبر 2018 12:56 ص القاهرة القاهرة 25.6°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

بل صحافة الناس.. لا صحافة الصحفيين

نشر فى : الأحد 8 مايو 2016 - 12:10 ص | آخر تحديث : الأحد 8 مايو 2016 - 1:57 م

أيا ما كانت تفاصيل الواقعة وملابساتها، فنحن نخطئ بداية حين نختزل أزمة نقابة الصحفيين فيما هو مجرد «واقعة» اقتحام نقابة الصحفيين عشية اليوم العالمى لحرية الصحافة. ثم نغوص في جدل حول الجوانب القانونية للموضوع. ونخطئ ثانية حين نستدرج إلى مناقشة ما يعدو أن يكون من باب التفاصيل، ونغفل عن القضية الأساسية: هل نريد «لهذا البلد» صحافة حرة، أم تكرارا لتجارب «جوبلزية / هتلرية» تعددت، ويعرف التاريخ مآلها، ومصير دولها، وما عانته شعوبها «المغيبة».

 

تصوير: حسين طلال

باختصار: حرية الصحافة والتعبير هي «حق للمواطن» في أن يعرف. وليست «ريشة على رأس الصحفيين»، بل هي ريشة على رأس المجتمع كله

قبل خمسة أيام فقط من الواقعة، تعرض الصحفيون، وبالأخص الذين يحملون الكاميرا لكل أنواع الانتهاك لحريتهم فى ممارسة مهنتهم (واجبهم) فى تغطية وقائع تظاهرات الخامس والعشرين من أبريل. فحسب أرقام التقارير ذات الصلة جرى احتجاز / القبض على ٥٣ صحفيا، وأُجبر مصورون صحفيون على إتلاف ما كانت قد التقطته كاميراتهم، التى لم يسلم بعضها من الإيذاء أو محاولة الاختطاف. ومنع صحفيون من الوصول إلى نقابتهم. ثم كان أن ترافق كل ذلك مع كل ما يمكن تصوره من محاولات إذلال وإهانة للمهنة وللعاملين بها. وهو الأمر الذى دفع بالصحفيين إلى الخروج من نقابتهم فى مسيرة ترفع الأقلام والكاميرات (لا الأسلحة) إلى دار القضاء العالى؛ حيث يُفترض أن يكون العدل. فردت عليهم الدولة للأسف بعدها بساعات بما جرى، وما زلنا نعيش أزمته.

وقائع ليلة الأول من مايو، وقبلها نهار الخامس والعشرين من أبريل لم تكتب أكثر من سطرين جديدين فى سجل طويل جدا من انتهاكات لحرية الصحافة (التى هى الضمان الوحيد لحق «الناس» فى المعرفة). والواقع، الذى نعرفه جميعا أن «المنتهكين»؛ الذى يتحدثون اليوم عن «تطبيق القانون» لم يتركوا انتهاكا للقانون أو الدستور لم يرتكبوه بداية من تعطيل طباعة صحف تجرأت فنشرت تقارير «موثقة» لم تعجب هذا أو ذاك، وليس نهاية بحبس صحفيين فى قضايا تتعلق بممارسة مهنتهم. وكل ذلك بالمناسبة كان انتهاكا سافرا للدستور والقانون. بل وفى حالات تعطيل طباعة الصحف، لم يهتم «أصحاب السطوة» حتى بإعطاء تصرفاتهم ــ ولو شكليا ــ الطابع القانونى. ولعل من جيلنا من مازال يذكر كيف كان الرئيس السادات فى سبعينيات القرن الماضى يراعى اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة فيضطر المستشار أنور أبو سحلى (رحمه الله) أن يستيقظ مبكرا كل أسبوع لتصدر محكمته القرار المطلوب بإيقاف طباعة، أو منع توزيع جريدة «الأهالى».. أيام كانت معارضة.

والحاصل أن انتهاكات حرية الصحافة والرأى والتعبير فى «مصر الآن»، صارت ضمن العلامات المميزة للنظام. كما صارت هما دائما وعبئا ثقيلا مستمرا على عاتق الدبلوماسية المصرية، كما قال أحد كبار الدبلوماسيين المصريين قبل أيام. بعد أن لم يعد هناك ما يمكن إخفاؤه أو تجميله. وبعد أن صارت الردود الجوفاء «المحفوظة» محل تندر كل من يسمعها. يذكر فى هذا السياق أن ترتيب «مصر الآن» على المؤشر الدولى لحرية الصحافة قد تدنى إلى أدنى مرتبة فى تاريخه.

قضية نقابة الصحفيين العادلة إذن ليست كما حاول البعض اختزالها فى واقعة اقتحام أو إلقاء القبض على هذا وذاك، وإنما هى، فى حقيقتها قضية «الانتهاكات» المتواصلة لحرية الصحافة، وما يتعرض له الصحفيون من انتهاكات حال ممارسة مهنتهم. أو بالأحرى هى قضية الانتهاكات المتواصلة والممنهجة لحق المجتمع فى أن يعرف. وهو الحق الذى بدونه لا حديث عن مستقبل أو نهضة أو «دولة» حديثة معاصرة.

***

بل إن حرية الصحافة الكاشفة والفاضحة لأمراض المجتمع، ولتعسف السلطة، ولسياسات القمع هي في النهاية في صالح رجال الشرطة أنفسهم

يخطئ أيضا من يختزل الأزمة فى ما جرى داخل نقابة الصحفيين، أو على أبوابها. كما يخطئ من يعتقد أن القمع يطول الصحفيين «وحدهم». عودوا بذاكرتكم إلى ما جرى فىمستشفى المطرية، وما جرى فى نقابة الأطباء.. وكثير جدا قبل ذلك وبعده. والقائمة الطويلة لن تتسع لها بالتأكيد سطور هذا المقال:

معركة الكرامة والعدالة ليست معركة الصحفيين وحدهم، كما حاول الهادفون إلى فصل قضية الصحفيين عن قضية المجتمع أن يروجوا كاذبين. فتاريخ الدماء والاستبداد وإهانة كرامة المواطنين (لا الصحفيين وحدهم)، فضلا عن إهانة القانون ذاته حافل بالأمثلة. بعد أن «غُسلت الأدمغة» واختلت المعايير. ولعل منا من يذكر كيف لم يشعر رجل الشرطة «المصرى» بأى وخز للضمير وهو يفرغ رصاص مسدسه فى رأس جريح مقيد فى سرير مستشفى إمبابة فى تلك الواقعة الشهيرة (٢ فبراير ٢٠١٥) بل ولعلنا نذكر أن مُطلق الرصاص (المفترض قانونا أنه مؤتمن على المحبوس مقيد الحركة) لم يشعر أبدا بأن ثمة خطأ فيما فعل. كما لعلنا مازلنا نذكر كيف برر بيان الداخلية الرسمى يومها الواقعة بأن الطالب الجريح المقيد فى السرير «استفز الشرطى» فكان ما كان.

ولعل منا من يذكر واقعة قتيل العوامية / الأقصر (نوفمبر ٢٠١٥) وما كانت ستؤدى إليه من تداعيات. ثم واقعة «طبيب الإسماعيلية» التى تصور كيف يؤدى استغلال النفوذ، والاحتماء به إلى إزهاق روح إنسان. ثم واقعة فقء عين مهندس فى أحد الأكمنة المرورية (١١ مايو ٢٠١٥) على يد ضابط لم تعجبه نظرات المهندس أو طريقة كلامه.

تحت مظلة «ثقافة القمع» لم يتردد الاغترار بالقوة إذن فى قتل طالب إمبابة المقيد إلى سريره، ولا طبيب الإسماعيلية داخل صيدليته، ولا مواطن الأقصر الجالس فى مقهاه، ولا سائق سيارة الدرب الأحمر (فبراير ٢٠١٦)، ولا «بائع الشاى» الباحث عن رزقه على بوابة الرحاب (أبريل ٢٠١٦). وكما لم يتردد أحدهم فى فقء عين مواطن لم تعجبه نظرته، لم يتردد زميله فى سحل طبيب داخل مستشفاه، بعد أن حرص على أن يضع حذاءه على رقبته، تعبيرا عن «القوة» كما يفهمها. أتذكرون الفيديو الشهير للضابط الكبير الذى اجتمع بمرءوسيه ليقول لهم: «أى حد غلط بالجزمة.. احنا اسياد البلد»؟ 

هل مثل هذه ممارسات (التى لم نكن لنسمع عنها لولا صحافة حرة) تعمل على استقرار المجتمع؟

الإجابة فى سطور أنقلها نصا من مرافعة النيابة فى قضية مقتل المحامى كريم حمدى فى قسم شرطة المطرية على يد ضابطين من الأمن الوطنى (فبراير ٢٠١٥). بعد أن وصفت النيابة القسم بأنه يشبه معتقلات التعذيب فى القرون الوسطى، قالت فى مرافعتها: «إن الضابطين المتهمين أغفلا حقوق الإنسان والإنسانية والمجتمع المصرى، وتحول المسئول عن الأمن إلى قاتل. مما يؤدى لإهدار هيبة الشرطة وزعزعة الثقة بين أفراد المجتمع وبين أعضاء جهاز الشرطة أنفسهم».

***

هل كنا سنعلم بأى من هذا لو لم تكن لدينا صحافة كاشفة حرة؟ هل كنا سنعرف بقضية «المبيدات المسرطنة» التى كانت وزارة الزراعة تستوردها زمن مبارك لولا جريدة «الشعب»؟ هل كان مشروع «هضبة الأهرام» الذى كان كفيلا بالقضاء على أهم آثارنا سيتوقف لولا حملة صحفية «كاشفة» قادتها نعمات أحمد فؤاد؟ هل كان نزيف مدخرات المصريين فى شركات توظيف الأموال سيتوقف لولا تحقيقات صحفية فضحت الجريمة؟ هل كنا سنعلم بفضيحة خداع المصريين «بجهاز وهمى لعلاج الإيدز وفيرس الكبد» لولا صحفيون قابضون على الجمر؟ 

باختصار: هل نريد لهذا البلد صحافة حرة؟ قد يكون غريبا أن نسأل عما يفترض أنه «بدهى»، ولكن فى زمن اللا يقين «وغسيل الأدمغة» أصبح السؤال ضروريا، بعد أن نسى البعض أن حرية الصحافة ليست «ريشة على رأس الصحفيين»، بل هى ريشة على رأس المجتمع كله. فحرية الصحافة والتعبير هى «حق للمواطن» فى أن يعرف. ولولا حرية الصحافة، ما كان المواطن الأمريكى عرف بفضيحة ووترجيت، ولا بما جرى فى سجن «أبوغريب»، ولم يكن المواطن الأمريكى ليعرف بالفظائع التى ارتكبها جيشه فى قرية «ماى لاى»، الفيتنامية، فيخرج فى مظاهرات تطالب بإيقاف التورط الأمريكى فى فيتنام. 

اسمحوا لى أن أكرر هنا ما سبق أن قلته غير مرة: يجب أن يعلم الجميع ــ المسئولون والمواطنون ــ أن «حرية» الصحافة المراقِبة للسلطة هى بحكم النتائج فى صالح المجتمع والناس والبلد فى نهاية المطاف. بل وأزعم أن حرية الصحافة الكاشفة والفاضحة لأمراض المجتمع، ولتعسف السلطة، هى فى صالح رجال الشرطة أنفسهم، والذين بينهم كسائر المواطنين من يتعرض لظلم أو تعسف من رؤسائه، أو ممن يتصور أنه أكثر نفوذا «وَأَكْثَرُ جَمْعا» فلا يجد غير الصحافة «الحرة» ملجأ وملاذا يكشف حقائق ما جرى معه. هل تذكرون واقعة «سيدة المطار» (أبريل ٢٠١٥)، وواقعة اتهام إدارة الآداب لضابط نادى الشرطة «بتسهيل الدعارة»، والتى برأته منها المحكمة، هل قرأتم أقوال الضابط فى تحقيقات النيابة؟ بل وقبل كل ذلك هل تذكرون قضية المقدم معتصم فتحى والضابط عمرو محمد خضر بطلى قضية القصور الرئاسية؟

بل ولعلي أذهب إلى أن الديموقراطية والصحافة الحرة الفاضحة «لسياسات القمع»، هي في صالح رجال الشرطة أنفسهم والذين يصبحون للأسف ضمن ضحايا تلك السياسات عندما تتسع «دائرة الثأر».

أتعرفون أيضا من أكثر المستفيدين من حرية الصحافة؟ الحاكم إن أراد أن يتبع قواعد «الحوكمة» والحكم الرشيد. ففى بلد كبير مثل مصر، فيه 90 مليونا، كيف يمكن لأى حاكم يريد أن يتخذ قرارات سليمة أن يعرف ما يجرى هنا وهناك؟ من الذى سيكشف له مواطن العوار والفساد الموجودة غير الصحافة وأقصد الصحافة الحرة لا صحافة «التوجيه المعنوى» التى لا تنشر سوى البيانات الرسمية.

هناك (وفى أعلى السلطة للأسف) من يظن أن «حرية الصحافة» عبء على الدولة. ولكن الحقيقة أنها أول الخاسرين من تقييد نلك الحرية. لا توجد دولة قوية بلا معارضة قوية. ولا توجد دولة قوية بلا حكم رشيد، ولا يوجد حكم رشيد بلا شفافية ومحاسبة. ولا توجد شفافية ومحاسبة بلا إعلام حر يكشف ما يحاول الفاسدون «أو المفسدون» إخفاءه.

***

نعم هناك إعلام الفاسد، ولكنه ككل فساد لا يظهر إلا في المجتمعات التي تغيب فيها الحريات ويسود القمع والاستبداد

أعرف أن هناك من لا يعجبه «حال الإعلام»، وله كل الحق فى ذلك. فالحقيقة أنه إلى جانب الإعلام الموضوعى الحر، هناك «إعلام فاسد»، كنّا أول من حذّر منه. ولكن لكى تكتمل الصورة، فالإعلام الفاسد، ككل فساد لا يظهر إلا فى المجتمعات التى تغيب فيها الحريات وينتشر القمع والاستبداد. 

هناك إعلام فاسد؟ نعم. بل «وإعلام مفسد». فالحقائق، والمانشتات، وتسجيلات الفيديو المحفوظة تقول إن بعضَ الإعلاميين (الجوبلزيين) كانوا هم أداة السلطة فى تشويه عقول الناس لتفقد إيمانها بالصحافة وأهمية أن تكون حرة.. للأسف. 

بعض الإعلاميين / الصحفيين هم الذين كانوا أداة السلطة فى ترويج كذبة «المؤامرة»، فكانت النتيجة أن اعتبر الناس فى النهاية الصحفيين أنفسهم جزءا من المؤامرة.. للأسف. 

بعضهم كان ينشر صورة الرئيس مع مدير المخابرات المركزية الأمريكية (أبريل ٢٠١٥ ثم يناير ٢٠١٦) مع بيان الرئاسة الذى يشيد بالعلاقات الاستراتيجية المتواصلة.. فى «المجال الأمنى» بين الطرفين، ثم لا يخجل أن يخصص مقاله أو برنامجه التلفزيونى للحديث عن المؤامرة الغربية «الأمريكية» وحروب الجيل الرابع والخامس التى تستهدف مصر «أم الدنيا». 

بعض الإعلاميين هو المسئول عن أكبر عملية «غسيل للأدمغة»، دون أن يدرك للأسف، أو يدرك من طلب منه ذلك أن الأدمغة المجوفة المغسولة لا يمكن لها أن تبنى دولة أو مستقبلا.

كل ذلك صحيح.. ولكن أكرر: الإعلام ابن مجتمعه. ولا مكان لمثل هذا الإعلام، إلا فى المجتمعات التى تغيب فيها الحريات وينتشر القمع والاستبداد. ببساطة تريدون إعلاما موضوعيا حرا. حاربوا القمع والاستبداد. 

***

لا يوجد دولة قوية بلا حكم رشيد، ولا بوجد حكم رشيد بلا شفافية ومحاسبة. ولا يوجد شفافية ومحاسبة بلا صحافة حرة

نعرف أن فى سياسات النظام ما يكرس «لدولة الطوائف»، والانقسام المجتمعى، ولكن انتبهوا. نحن هنا «كصحفيين» لا ننتصر للصحفيين «الطائفة» بل ننتصر لقيم الحرية والعدل والمساواة. كما ننتصر لحق المجتمع (لا الصحفيين) فى أن يكون لديه صحافة «حرة» تفضح الفساد والظلم والاستبداد. ونؤمن أن أول المستفيدين من حرية الصحافة، ومن استقلالها «الحقيقي» هو المجتمع الذى يريد أن يكون نظيفا، والحاكم؛ الذى من صالحه أن يكون عادلا. 

نحن هنا ــ كما نقابتنا ــ لا ننتصر للصحفيين «الطائفة»، بل ننتصر للأطباء، والمحامين، ولبائع الشاى، وطالب الهندسة، والوزير الذى يخضع لابتزاز من رجل أعمال، والصعيدى البسيط الجالس على مقهى فى الأقصر. بل ولرجال الشرطة «الشرفاء» الذين قد ينالهم مثل ما ينال الجميع (فى دولة الغاب) من ظلم الأقوى سلطة أو نفوذا.

نحن هنا ننتصر للعدالة، التى هى الضمان الوحيد لاستقرار المجتمع الذى من حقنا أن نحرص عليه.. ونخاف عليه.

 ***

وبعد..

فربما لا يخاف الرئيس.. ولكن أرجو أن يسمح لنا بحرية أن «نخاف على الوطن.. والمستقبل» ــ انتهى

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

لمتابعة الكاتب:

twitter: @a_sayyad

Facebook: AymanAlSayyad.Page

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

روابط ذات صلة:

ـ ٢٥ أبريل في توصيف ما جرى

ـ أكبر عملية «غسيل للأدمغة»

ـ  مابين الصحفي والسلطة

ـ عندما تسقط الصحافة الرئيس

- وهل يجب أن يخاف الرئيس

ـ حين يغيب الإحساس بالعدالة

أيمن الصياد  كاتب صحفى
التعليقات