وصفت الكاتبة الأيرلندية سالي روني، قرار المحكمة العليا البريطانية القاضي بعدم قانونية حظر جماعة "فلسطين أكشن" بموجب تشريعات مكافحة الإرهاب بأنه انتصار للحريات المدنية في المملكة المتحدة.
وقد تأسست حركة "فلسطين أكشن" عام 2020 في بريطانيا، وهي تعمل على وقف تعامل بريطانيا مع إسرائيل، ووقف ما تصفه بـ "تورّط شركات بريطانية في تسليح إسرائيل"، وكانت الحكومة البريطانية قد قررت إدراجها ضمن قائمة التنظيمات المحظورة بموجب قانون مكافحة الإرهاب، معتبرة أن أنشطتها تتضمن أعمالًا إجرامية وتخريب ممتلكات الغير.
ومُنيت الحكومة البريطانية بهزيمة قانونية لافتة قبل أسبوع مضى، بعدما قضى ثلاثة من كبار قضاة المحكمة بأن قرار إدراج جماعة العمل المباشر "فلسطين أكشن" على قائمة التنظيمات المحظورة، جاء غير متناسب ومخالفًا للقانون.
وقدمت "روني" إفادتين خطيتين دعمًا للدعوى التي رفعتها الشريكة المؤسسة للحركة، هدى عموري، واستند فريق الدفاع إلى أقوالها باعتبارها دليلًا على الأثر السلبي الذي خلّفه الحظر على حرية التعبير، وعقب صدور الحكم، أعلنت "روني" نيتها تخصيص عائدات أعمالها لدعم الحركة.
وكانت "روني" - الحائزة على عدة جوائز أدبية مرموقة على غرار "كوستا" و"إنكور" - قد ألغت زيارتها إلى المملكة المتحدة في سبتمبر الماضي لتسلّم إحدى الجوائز الأدبية، خشية تعرضها للتوقيف بسبب موقفها الداعم للقضية الفلسطينية.
وفي مقابلة حصرية مع صحيفة "الجارديان"، قالت روني: "أشعر بارتياح بالغ لأن المحكمة العليا خلصت إلى عدم قانونية حظر فلسطين أكشن"، وأضافت: "إنه انتصار ليس فقط لحركة التضامن مع فلسطين، بل للحريات المدنية في بريطانيا عمومًا"، وتابعت: "إن إدراج جماعة احتجاج سياسي ضمن قانون الإرهاب يُعد مساسًا بالغ الخطورة بالحقوق والحريات الأساسية، وقد أقرت المحكمة العليا بذلك بوضوح".
وكانت مسألة "التدخل الجسيم " كما أسمته في حق حرية التعبير وحرية التجمع أحد الأساسين اللذين استندت إليهما "عموري" في كسب دعواها أمام القضاء، وأكدت "روني" أن هذه النقطة تمثل جوهر القضية، موضحة أن السؤال القانوني المطروح لا يتعلق بمدى مشروعية أنشطة "فلسطين أكشن"، بل بما إذا كان ينبغي تجريم مجرد النقاش حولها.
وقالت: "من الضروري التذكير بأن الغاية الأساسية من قانون الإرهاب ليست تجريم أعمال العنف — فهي مجرّمة أصلًا — وإنما تجريم أفعال كانت في الأصل مشروعة، كحرية التعبير، والانتماء، والتعاملات المالية، وغيرها"،
وأضافت أن هذه التدابير، التي تمثل انتهاكًا ملموسًا لحرية التعبير وحقوق أخرى، وُضعت أساسًا لمواجهة جماعات مسلحة تشكل خطرًا جسيمًا على المجتمع، وهو ما أكدته المناقشات البرلمانية عند إقرار القانون.
وأكدت أن تطبيق هذه التدابير على جماعة احتجاج لا تمثل أي تهديد للجمهور يُعد سابقة غير معهودة تمامًا، وقد ثبت الآن أنه إجراء غير قانوني، ورغم أن المحكمة حكمت لصالح "عموري"، فإن القضاة رفضوا وصف جماعة "فلسطين أكشن" بأنها جماعة غير عنيفة أو منخرطة في عصيان مدني، واعتبروها منظمة تروّج لقضيتها السياسية من خلال ارتكاب أفعال إجرامية والتحريض عليها.
ومن جهتها، أعربت وزيرة الداخلية من أصول باكستانية ، شبانة محمود ، عن خيبة أملها إزاء الحكم، مشيرة إلى ما خلص إليه القضاة في هذا الشأن، وذكرت أن قرار الحظر جاء عقب عملية دقيقة قائمة على الأدلة، وصادق عليه البرلمان، وقالت: "أكنّ كامل الاحترام للقضاء بحكم عملي كمستشارة سابقة، غير أن على وزير الداخلية الاحتفاظ بصلاحية اتخاذ ما يلزم لحماية الأمن القومي وضمان سلامة المواطنين"، وأضافت: "أعتزم الطعن في هذا الحكم أمام محكمة الاستئناف".
وأوضحت المحكمة العليا أن القول بأن جماعة "فلسطين أكشن" غير عنيفة يقوم على فرضية مفادها أن إلحاق الضرر بالممتلكات — مهما بلغ حجمه — لا يُعد استخدامًا للعنف، وهي رؤية قد يجد كثيرون صعوبة في استيعابها، ونحن بدورنا لا نستطيع تبنيها.
إلا أن "روني" خالفت هذا التوصيف، قائلة: "بالنسبة لي- ولكثيرين غيري - فإن لفظ العنف ينصرف إلى إلحاق الأذى بكائن حي؛ فالأشياء الجامدة لا تشعر بالألم، وتحطيم ممتلكات المرء الخاصة، كالتخلص من أغراض قديمة بتفكيكها، لا يُعد عنفًا. فهل يتحول الفعل ذاته إلى عنف إذا كانت الممتلكات مملوكة لشخص آخر؟ إنه سؤال فلسفي بقدر ما هو قانوني".
وأضافت: "صحيح أن 'فلسطين أكشن' تتعمد إتلاف الممتلكات في إطار حملة ضد الإبادة الجماعية والفصل العنصري، وهذا ينسجم مع تقاليد العصيان المدني تاريخيًا، من حركة المطالبة بحق التصويت للنساء إلى الحركة البيئية"، وتابعت: "أعترف أنني أستغرب قول القضاة إن العصيان المدني يجب أن يتسم بـ'ضبط النفس'، يبدو أننا نقرأ أحداث التاريخ من زاوية مختلفة تمامًا".
وأوضحت "روني" أنه برغم اختلافها مع بعض جوانب الحكم، إلا أنها — بخلاف وزيرة الداخلية — تتفق مع نتائجه النهائية، كما كشفت عن شعورها بأنها لن تتمكن من نشر أعمال جديدة في المملكة المتحدة طالما استمر الحظر، وأن كتبها الحالية قد تُسحب من الأسواق، ووصفت هذا الاحتمال بأنه "تدخل بالغ الخطورة من جانب الدولة في مجال التعبير الفني".
ورغم إعلان المحكمة عزمها إلغاء قرار الحظر، فإن جماعة "فلسطين أكشن" لا تزال مدرجة مؤقتًا ضمن التنظيمات المحظورة، إذ قررت المحكمة انتظار مرافعات وزارة الداخلية بشأن أسباب الإبقاء على القرار إلى حين البت في الاستئناف.
واختتمت "روني" بقولها: "إذا تقرر أن إجراءً ما غير قانوني أو غير دستوري، فمن المنطقي أن يُلغى فورًا. ومع ذلك، أشعر بثقة بأن القرار سيُلغى بالكامل قريبًا، وأن أعمالي ستظل متاحة للنشر في المملكة المتحدة. وسأتطلع إلى زيارة بريطانيا مجددًا عندما يتحقق ذلك".