بل إن مصر ليست تونس - عمرو عادلى - بوابة الشروق
الإثنين 6 يوليه 2020 3:45 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

بل إن مصر ليست تونس

نشر فى : السبت 8 نوفمبر 2014 - 8:30 ص | آخر تحديث : السبت 8 نوفمبر 2014 - 8:30 ص

بعدما انجلى غبار المعركة الانتخابية فى تونس أصبح من الواجب طرح السؤال حول العوامل التى أنجحت المسار التالى على الثورة فى تونس فى مواجهة صعوبات شديدة فيما فشل المسار السياسى الذى بدأ فى مصر فى أعقاب الإطاحة بمبارك، والذى بدأ باستفتاء مارس ٢٠١١ وانهار برمته فى يونيو قبل الماضى لتدخل البلاد مرحلة انتقالية ثانية أو ثالثة لم تنته بعد، وخلافا لما قد يبدو من أن السؤال ينتمى للماضى فإنه يقع فى قلب الإشكالات الحالية التى تواجه التحول السياسى فى مصر، إذ أنه ما من سبيل للتوصل لحلول للأزمة السياسية والاجتماعية العميقة التى تمر بها البلاد دون إعادة بناء للفترة التى تلت سقوط سلطوية نظام مبارك، والفرص العديدة التى أهدرت لبناء نظام قادر على استيعاب القوى السياسية والاجتماعية المختلفة فى إطار تعددى، وهو ما يرجعنا لسؤال لماذا نجحت تونس فيما فشلت مصر؟ وهل كان فشل التحول السياسى فى مصر حتميا؟

يجد البعض الإجابة عن هذين السؤالين فى عوامل هيكلية كمستوى التنمية الاقتصادية ودخل الفرد ومعدلات التحصيل التعليمى والأمية ونصيب المرأة فى سوق العمل، فنجد مثلا أن الصديق العزيز الدكتور عمرو الشوبكى يذكر بمقولته الشهيرة التى سبقت ثورة يناير فى مصر، والتى دفع فيها بأن مصر ليست تونس، معتبرا أن حصاد السنوات الأخيرة فى كلا البلدين خير شاهد على صدق مقولته، والتى مفادها أن ثورة فى مصر لم يكن لها أن تنشئ نظاما ديمقراطيا مستقرا.

•••

والحق فإنى مع كامل التقدير أختلف تماما مع هذا الطرح وأرى أنه يجانب الصواب والمنطق فى العديد من منطلقاته وفى بنائه لتطور الأحداث فى البلدين بعد الثورتين الشعبيتين اللتين جرتا بالتزامن، وذلك لإعلائه من شأن عوامل هيكلية ثابتة على حساب الجوانب الأكثر دينامية والتى عادة ما ترتبط بالاختيارات والقرارات التى تتخذها المجموعات المهيمنة على مسار الانتقال السياسى فى كلا البلدين بعد سقوط النظام السلطوى، وهو المدخل الذى تنطلق منه دراسات التحول الديمقراطى التقليدية فى تركيزها على الفاعلين وليس على العوامل الهيكلية أو المؤشرات الكلية اقتصادية كانت أو اجتماعية، إذ إن دراسات التحول الديمقراطى التقليدية عادة ما تركز على تفاعل النخب السياسية، ومدى قدرة هذه النخب على التواصل والتوصل لاتفاقات على الحد الأدنى من القواعد السياسية، وحتى الاتجاهات الناقدة لمدرسة التحول الديمقراطى التقليدية ظلت تركز على الفاعلين وإن تجاوزت فى هذا النخب إلى الحركات الاجتماعية والتشكيلات والتنظيمات التى ليس بالضرورة أن تنتمى لفضاء «النخب السياسية» من أحزاب ونقابات ومؤسسات رسمية، ولكن يظل التقليدان يصبان الاهتمام فى تحليل فشل أو نجاح التحول السياسى على سلوك الفاعلين، والعوامل التى دفعت هؤلاء الفاعلين من النخب أو غيرها لاتخاذ قرارات وخيارات فى لحظات معينة مؤثرة فى تحديد مسارات تشكيل النظم السياسية فى مراحل ما بعد السلطوية.

وهنا لا تبدو مؤشرات كلية كالتعليم والأمية ومشاركة المرأة فى سوق العمل، على أهميتها عوامل مؤثرة بشكل مباشر فى تعريف سلوك الفاعلين السياسيين فى مصر، خاصة النخب السياسية التى هيمنت عمليا على تحديد ملامح نظام ما بعد مبارك سواء أكانت من داخل جهاز الدولة أو فى أوساط الإسلاميين وخاصة الإخوان المسلمين الذى تصدروا المشهد بعد الثورة.

•••

فهل يفسر انخفاض مستوى التعليم خيارات النخب السياسية والفكرية والاقتصادية فى مصر؟ هل تفسر الأمية أو انخفاض مستويات التنمية الإنسانية خيارات جبهة الإنقاذ أو الإخوان المسلمين أو الدعوة السلفية؟ قد تفسر بالقطع المؤشرات الكلية هذه المشهد الأكبر من بروز الاستقطاب الاسلامى المدنى، وإن كان المشهد السياسى العام فى تونس لم يختلف كثيرا عن مصر، وأعتقد أن من زار تونس فى السنوات الثلاث الماضية بإمكانه أن يدرك أن الاستقطاب الدينى العلمانى كان أشد وطأة منه عما كان فى مصر، وأن الصراع حول المجال العام بعد عقود من علمانية الدولة فى تونس أشد خطورة مما هو فى مصر التى خضع المجال العام فيها، بل والدولة نفسها، لأسلمة مستمرة منذ السبعينيات. ورغم هذا فالسؤال لا يكون لماذا وجد هذا الاستقطاب السياسى المبنى على الهوية بقدر ما يكون لماذا تمكنت النخب السياسية فى تونس من معالجته بشكل حفظ حياة المسار التالى على الثورة فيما فشلت النخب المصرية فى إتمام هذه المهمة؟

•••

أعتقد أن الانطلاق من المؤشرات الكمية أو الكلية للتنمية للتوصل إلى نتائج حتمية حول إمكانية التحول السياسى من عدمه هو أمر ينافى جوهر السياسة ذاته، والذى يقوم على تصور أن السياسة أداة من أدوات الفعل الإنسانى لتغيير الواقع والفكاك من أسره لا إعادة إنتاجه، وفى هذا السياق وحده يمكن فهم الفعل الثورى فى تونس ثم مصر فى ٢٠١١ خاصة فى ظل غياب أية انقسامات طائفية أو عرقية أو قبلية فى المجتمعين، وبهذا يمكن فهم المسارات السياسية التالية على الثورة فى البلدين، والأحرى التركيز على الأدوار التى لعبها الفاعلون المختلفون فى كلا البلدين، وعن كيفية تكوين الخيارات لدى كل فاعل مؤثر، وليس من قبيل المبالغة الحديث عن أن الاختلاف الرئيسى بين مصر وتونس ليس فى إجراء الانتخابات والقبول بنتيجتها بل إن الاختلاف يكمن فى توصل النخب التونسية لدستور «توافقى» يقلل من مخاطر نقل السلطة بعد الانتخابات فى المقام الأول، وهو عكس ما جرى فى مصر حرفيا بالتعجيل بتسليم السلطة قبل الاتفاق على الحدود الدنيا من الحقوق والحريات فى ظل اختلافات واسعة وعميقة حول هوية الدولة ودورها المستقبلى، ما أسهم فى تعظيم مخاطر نقل السلطة لدى الجميع، ومهد لجعل هدم المسار السياسى الذى بدأ فى ٢٠١١ خيارا له ما يبرره فى نظر الكثيرين.

التعليقات