رسائل من المستقبل - نبيل الهادي - بوابة الشروق
الأربعاء 1 فبراير 2023 1:55 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ستزور معرض الكتاب هذا العام؟

رسائل من المستقبل

نشر فى : الخميس 8 ديسمبر 2022 - 6:15 م | آخر تحديث : الخميس 8 ديسمبر 2022 - 6:15 م

فى المقالات السابقة عن التحول المتجدد لبرج رشيد فى مصب فرع نهر النيل الغربى حاولت تقديم طروحات لرؤية مستقبلية تستند على دراسات ومقترحات تمت عبر أكثر من سبع سنوات وكان من حظى أن تختتم هذه المقالات مع اختتام مؤتمر الأطراف الذى عقد فى مدينة شرم الشيخ والذى أتمنى أن يُسهم فى تقليل إحدى الفجوات الموجودة فى تلك الرؤية، وخاصة فيما يتعلق بالبعد العالمى للتحول المنشود.
كان من حظى أيضا أن يتزامن اختتام تلك المقالات مع مشروع تقدمت به ليمثل مصر فى بينالى فينيسيا للعمارة العام القادم، ويمثل المقترح الذى تقدمت به مع فريقى تنويعا جديدا طرأ على فكرة طرحتها سابقا فى مساهماتى الثلاث السابقة فى المسابقات المعمارية الخاصة بالمشاركة المصرية فى عام ٢٠١٦ و ٢٠١٨ و ٢٠٢٠ (يمكن الرجوع لمقالة سابقة لى بعنوان ثلاث مشاكسات). تتمثل تلك الفكرة ببساطة فى التعامل مع الجناح المصرى فى المعرض كأرض لاختبار أفكار نحاول تطبيقها فى مصر. وتهدف هذه الفكرة أن تتحول مشاركة مصر من مجرد إظهار ما تقوم به إلى المساهمة الفعلية فى تطوير المجهودات القائمة على الأرض فى مصر. وعليه يكون العائد من المشاركة ليس معنويا فقط بل حقيقيا وربما ماديا أيضا حيث نختبر أفكارا فى سياق دولى ونستمع لنقد حقيقى لها نتمنى أن يسهم فى تطوير تلك الأفكار حتى يتسنى الاستفادة منها بصورة أفضل فى مصر.
واصلت وفريقى هذا العام البناء على تلك الفكرة، وساهم فريقى الذى يتكون أغلبه من تلاميذى وتلميذاتى السابقين من مصر والهند فى إيجاد نقاش غنى أدى لبلورة أتصور أنها أفضل ما قدمنا فى الأربع مشاركات حتى الآن. ولأن أعضاء فريقى سواء المصرى أو الهندى درسوا أو عملوا معى على منطقة برج رشيد بصور ولأوقات زمنية مختلفة فكانت هناك أرضية أفضل للنقاش بجدية وعمق حول ما نعرفه بصورة مباشرة جميعا.
اقترحنا مشروعا يشرح كيف أن حلول التغير المناخى تتطلب تحولات كبرى. وأن ما نحتاجه الآن هو الحلول التى يمكن لها أن «تتوطن» لا تلك التى يتم تبنيها ولكى نقوم بهذه النقلة من «التبنى» إلى التوطين يجب أن نستحضر القيمة فى منظومات المعرفة المحلية. كما أنه من المهم أن نتخطى الفجوة بين الأفعال الفردية والجماعية فى إطار زمنى ومكانى محدد.
تجسد مشروعنا فى اقتراح شبكة من المختبرات الاجتماعية الإيكولوجية منخفضة التقنية والتكاليف. وفيها يصبح «السرادق» الذى يستخدمه أهل برج رشيد فى أفراحهم واحتفالاتهم المختلفة الذى هو بالأساس مكانا للتجمع ولعرض التجارب وللنقاش الجاد مع غيرنا ومع أنفسنا الآن ومستقبلا. وتخيلنا أن الجناح المصرى فى فينيسيا سيكون مكانا رائعا لبدء هذه الشبكة من المختبرات والتى ستكون أحدث تراكم فى خبرة ممتدة عبر أكثر من سبع سنوات من الاستكشاف والتجربة والتعلم فى برج رشيد.
• • •
واقترحنا، أنا وفريقى، أن يكون العرض فى الجناح المصرى فى فينيسيا بمثابة مسرحية تفاعلية تُشرك أشخاصا حقيقيين يتناولون التحديات التى تواجهنا الآن والتى يخبرنا العلم وخبرة العقود القليلة الماضية أنها ستتزايد فى المستقبل إن لم نفعل شيئا الآن. وللمسرحية عدد من الشخوص لكل منهم دور ولهم مكان أيضا. إن زوار السرادق فى فينيسيا هم الشخوص الذين يتحدثون إلى من يجلس على الجانب الآخر للبحر الأبيض المتوسط فى برج رشيد سواء كانوا من عائلة زبيدة بطلة المسرحية أو من جيرانها.
تتكون المسرحية من ستة مشاهد، المشهد الأول هو الافتتاح وفيه يستقبل السرادق الخارجى، الذى يغطى جانبى مدخل الجناح، الزوار بكتابة على قماش من خيش ليعطى لمحة للزائر عما قد يكون مقبلا عليه. أما المشهد الثانى فبطله هو السرادق الذى يستوجب دخوله أن تمر على الخرائط التى توثق تدهور البيئة الطبيعية فى مصب فرع النهر عند رشيد عبر القرنين الماضيين كما تتضمن توثيقا لأحد السيناريوهات المستقبلية المحتملة للمصب فى منتصف هذا القرن. وما أن تدخل السرادق حتى يستقبلك عمل فنى لحجر رشيد يتحول فيه الحجر إلى مادة شفافة بينما تتحول الحروف إلى ضوء ليدعو الزائر للتأمل فى هذا الاكتشاف الذى تم فى قلعة قايباى ببرج رشيد وتأثيره ليس فقط على معرفتنا للحضارة المصرية القديمة ولكن أيضا على الحضارة البشرية بصفة عامة. إن المكون الرئيسى فى السرادق هو الحائط الممتد بطول الجناح أى حوالى خمسة وعشرين مترا وبارتفاع أقل قليلا من ارتفاع السرادق البالغ ثلاثة أمتار ونصف حيث الخريطة الكبرى ذات المقياس المماثل لتلك الموجودة بهيئة المساحة، والخاصة بتوضيح تفاصيل العمران. توضح الخريطة المنطقة المأهولة بالسكان من برج رشيد وجزءا كبيرا من الأراضى الزراعية المحيطة بها ولكن أيضا فرع النيل (أو ما كان مياه عذبة ذات إيقاع وحيوية حتى منتصف الستينيات من القرن الماضى)، وتتضمن الخريطة أيضا جزءا من البحر الأبيض المتوسط. تحاول الخريطة أن تستثير فى الزوار الرغبة فى التأمل فى وضع الإنسان فى برج رشيد وهو محاط بالماء من الشرق والشمال وبالأراضى الزراعية من الغرب والجنوب. وإلى أى مدى يتقارب هذا مع وضع الإنسان فى العالم المحاط بالبيئة الطبيعية وما هو مستقبله إن كانت تلك الطبيعة مهددة بتحديات كبرى تكاد تكون فى مرمى البصر.
ثم ينقلك المشهد الثالث إلى الحيز التفاعلى فى العرض حيث يتم ترتيب حديث فى توقيتات محددة أسبوعيا بين الزوار وبين سكان برج رشيد وضيوفهم والجالسين فى السرادق المقام بجوار قلعة قايتباى يتحدثون بالاستعانة بمترجم أو اثنين عن التاريخ وآثاره وكيف يمكن أن يسهم إنقاذه والحفاظ عليه فى إنقاذ المجتمع الذى يعيش حوله. وفى توقيت آخر ينتقل الحديث إلى السرادق المقام على النيل بالقرب من مسجد الفتح ببرج رشيد حيث يتناول الحديث منظومة المياه وتحدياتها على خلفية المشروع القائم والذى تدعمه جامعة القاهرة لمعالجة أيكولوجية لمياه الصرف والبدء فى استعادة التنوع الطبيعى ويسجل هذا الحديث فى المشهد الرابع. ثم ينتقل الحديث لتناول قضايا الطعام فى برج رشيد فى المشهد الخامس على خلفية الدراسات والمقترحات الخاصة بالتحول المقترح لمنظومة زراعة وإنتاج أسماك متجددة. أما المشهد السادس والختامى ففيه يتم دعوة الزائر إلى تأمل ما شاهده وسمعه وما شارك فى النقاش حوله. ويطلب منه إذا رغب فى وضع دبوس ملون على خريطة العالم المصنوعة من الفلين يشير إلى موطنه الذى يعيش فيه. أخيرا يقدم الجناح للزائر هدية هى ورقة بردى خالية ربما تساعده فى تخيل مستقبله ومستقبل الناس فى برج رشيد وهل هما مرتبطان أو أى مما قد يخطر فى باله من هذه الرحلة المكثفة فى برج رشيد، ونسأله فى النهاية أن يتخيل نفسه فى العام الخمسين من هذا القرن وأن يكتب لنفسه من هناك رسالة إلى نفسه الآن.
• • •
حاولت ومعى فريقى الاشتباك مع طروحات بينالى فينيسيا بالرغم من أننى أرى أن الزمن قد تعدى فكرة المعارض المبنية على أجنحة الدول، وأتفق مع وصف المعمارى العالمى الكبير جاك هرتزوج فى وصفه للإكسبو القائم على نفس فكرة أجنحة الدول أن هذا يحوله إلى «أرض الغرور» أى المكان الذى يسعى الجميع (الدول) فيه للتباهى وتتراجع فيه أهمية القضايا والتحديات المحورية التى تواجهنا. ولأننى لا أتفق مع ما سمعته سابقا من مسئولى وزارة الثقافة عن عزمهم وتصميمهم على شغل جناح مصر بما يبرز مكانتها بين الدول لأن هذا ليس مبررا كافيا للمشاركة فيما أرى. ولأننى لم أرغب فى الانسحاب من التحاور مع الإصرار أن نيتى ومشاركاتى ما زالتا تحاولا أن تكونا ناقدة للجانبين الدولى الممثل فى الجانب الإيطالى المسئول عن تنظيم الحدث وأيضا للجانب المصرى، لكنى سأستمر فى تلك المحاولات لأننى ببساطة لا أرى بديلا عن ذلك. وختاما، أرى أن المحاولات السابقة والأخيرة وإن لم تستطع أن تصيب هدفها بعد إلا أنها تدفعنا لتطوير استجابات ربما تكون أفضل مما نقوم به الآن. ببساطة لدينا التزام لا نود الحياد عنه ولا شك لدى أننا سنعمل بكل الطرق لتحقيقه وهو نقل الدراسات والتجارب الأولية التى نقوم بها فى برج رشيد إلى أرض الواقع.

التعليقات