الخلافة الأموية: من الشورى إلى التوريث - أحمد عبدربه - بوابة الشروق
الخميس 20 فبراير 2020 5:10 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


الخلافة الأموية: من الشورى إلى التوريث

نشر فى : السبت 9 مارس 2019 - 7:50 م | آخر تحديث : السبت 9 مارس 2019 - 7:50 م

بعد انتهاء الحرب الأهلية الأولى فى تاريخ الدولة الإسلامية والتى أدت إلى بدايات الانقسام بين السنة والشيعة، فإن عصرا إسلاميا قد ولى (الخلفاء الراشدين)، وعصرا جديدا قد ولد (الخلفاء المورثون). تمكن معاوية بدهاء من بسط سيطرته ونفوذه على الدولة الإسلامية بعد مواجهات دموية انتهت بمقتل آخر الخلفاء الراشدين وتولى معاوية مقاليد الأمور.
مع تولى معاوية أمر الدولة الإسلامية فإنه قد بدأ تدريجيا فى إضافة بعض ملامح العلمانية على الدولة. فرغم أن الإسلام قد بقى نظريا هو أساس شرعية الحكم ورغم أن الخليفة كان مازال مهتما بتأسيس حجة قراراته على القرآن والأحاديث وسنة الرسول، إلا أن محتوى الحكم وسياساته كان قد اتخذ ملامح علمانية/دنيوية، لم يعد الخليفة يعيش وسط الناس كما كان الحال منذ عهد الرسول ــ صلى الله عليه وسلم ــ ولكنه أصبح له قصور مشيدة وملابس فاخرة حرص على ألا تكون شبيهة بملابس العامة، صحيح أن صلاة الجمعة كانت أحد الطقوس المقدسة للخليفة ولكنه لم يعد وسط الناس، فكان يجلس من حوله الحرس الشخصى ليفصل بينه وبين المسلمين، كما كانت العديد من القرارات والسياسات ذات طبيعة علمانية بحتة، فمع توسع الدولة الإسلامية ودخولها لأراضٍ جديدة وثقافات وحضارات مختلفة كان التحدى كبيرا، فمن ناحية لم يتناول القرآن كل تفاصيل السياسة والحياة ولم يكن ــ حتى هذا العهد ــ هناك تخيل لتطبيق الدين الإسلامى فى مناطق خارج شبه الجزيرة العربية بثقافتها وبيئتها القاسية، ومن ناحية ثانية واجه الخلفاء شعوبا متنوعة عليهم حكمها بأديان وعادات وتقاليد مختلفة، فما كان من الخليفة إلا الاجتهاد السياسى لا الدينى، تنحى الدين جانبا حتى وإن ظل عنوان الشرعية.
***
انتقلت الخلافة من المدينة إلى دمشق، وأصبحت الأراضى السورية هى مركز ثقل الدولة الإسلامية ومنها أصبحت تحكم أراضى شاسعة وحضارات متنوعة. بعد عهد عمر، لم يأتِ خليفة بنفس الدهاء والقوة والإنجاز إلى أن جاء معاوية ليحقق نجاحات عديدة داخلية وخارجية، فقد اعتمد نظاما إداريا متطورا وحديثا معتمدا على النظام الذى اتبعه البيزنطيون قبل هزيمتهم على يد الدولة الإسلامية، شهد عهده عودة للانتعاش الاقتصادى مرة أخرى بفعل رواج التجارة نتيجة لاستقرار الدولة بعد فترة من الحروب والتمردات والمواجهات الدامية، كما أعاد معاوية تنظيم وتحديث الجيش لتتواصل الفتوحات (الغزوات) الإسلامية عبر البحر المتوسط، كما نجح معاوية ــ كما نجح من قبله عمر ــ فى حسن اختيار رجال الدولة وقادة الجيوش مما ساهم كثيرا فى استقرار حكمه والذى استمر لما يقرب من عقدين من الزمان.
كانت البرجماتية مرة أخرى عنوانا لنجاح معاوية كما كانت عنوانا لنجاح عمر، فى التجارة والاقتصاد كان يقوم معاوية بتولية شئونها للمسيحيين تحديدا لما عُرف عنهم من تميز فى إدارة شئون الاقتصاد والإدارة. كذلك فحينما أراد معاوية استقرار وضمان ولاء العراق وبعض كبرى مدنها (الكوفة والبصرة) وهى المدن التى ناصرت على بن أبى طالب فى صراعه مع معاوية، فلم يتوانَ الأخير فى الاعتماد على «زياد بن أبيه» والذى كان يتولى ولاية البصرة والكوفة معا رغم أنه كان من أنصار على، لكن دبلوماسية معاوية مكنته من ضمان ولاء ابن أبيه بعدما أعطاه الامتيازات والاستقلال فى مقابل الولاء لدمشق وهو ما تحقق بنجاح كبير لم يكن يتوقعه الكثيرون فى ظل التنافس والخصومة المبكرة بين العراق وسوريا!
كذلك فقد كانت من مميزات خلافة معاوية الحرص على السلم المجتمعى بين المسلمين وغير المسلمين، العرب وغير العرب عن طريق نشر قيم التسامح التى حرص الخليفة بنفسه على إرسائها مبكرا للحفاظ على السلم الداخلى والاستقرار. ورغم هذا التسامح يلاحظ بعض الدارسين للتاريخ الإسلامى أن المسلم العربى كان مازال الأوفر حظا فى تولى المناصب العامة من غير المسلمين أو غير العرب، كذلك فقد كان هناك تمييز واضح حتى بين المسلمين لصالح العرب، فالمسلم العربى تمتع بمزيد من المزايا فى مواجهة المسلم غير العربى، وفى حين يرى البعض أن هذا التمييز يعبر عن نعرة قومية عربية انتشرت فى تلك الفترة لإحساس العرب بتميزهم وباختيار الله لهم وللغتهم لتكون لغة القرآن وأرض نزول الوحى، إلا أن بعض المؤرخين الآخرين يرون أن الأمر لم يكن نعرة قومية بقدر ما كان حيلة لمواجهة المطالب المتزايدة للمسلمين المتحولين حديثا للإسلام من غير العرب للمساواة مع العرب فى الامتيازات الاقتصادية والسياسية! وأيا كان الأمر، فإن الثابت أنه رغم استمرار التمييز ضد غير المسلمين ثم بين المسلمين ضد غير العرب، إلا أن حدا أدنى توافر من السلم والتسامح المجتمعى كون أن الدولة الإسلامية ظلت أقل تمييزا من البيزنطية فى التعامل مع أهالى البلاد التى ضموها للإسلام.
***
تماما مثلما فعل عمر، حينما شعر معاوية بدنو الأجل، فقد عمد إلى ضمان تمرير الخلافة إلى ولده يزيد فى حياته عن طريق دعوة نخبة الدولة الأموية ومطالبتهم بالقبول بولاية يزيد فى مقابل ضمان امتيازاتهم فى الحكم والإدارة والاقتصاد وهو ما تحقق بالفعل حينما توفى معاوية. كانت هذه المرة الأولى فى تاريخ الدولة الإسلامية التى يتم إلغاء مبدأ الشورى رسميا ويتم استبداله بمبدأ الوراثة، كانت المرة الأولى التى ينتقل فيها الحكم الإسلامى من الأب إلى الابن وهو ما ظل مبدأ ثابتا فى تولى الخلفاء المسلمين لمدة ١٣ قرنا حتى انهارت الإمبراطورية العثمانية فى الربع الأول من القرن العشرين. تحولت الدولة الإسلامية من مرحلة الخلافة الراشدة إلى مرحلة الملكية المطلقة، هذا التحول لم يكن مجرد تحول فى شكل الدولة الإسلامية، بل إنه كان تحولا فى صميم مضمون الحكم وأدواته، فلم تعد الدولة دينية بمعناها الإسلامى ولكنها أصبحت دولة علمانية/دنيوية المحتوى والمظهر ورغم أن شرعيتها الاسمية كانت الإسلام، إلا أن شرعيتها الفعلية كانت قوة وإنجاز واستقرار حكم العائلة المسيطرة على الحكم.
***
لم تكن ولاية يزيد مستقرة مثل ولاية معاوية، ففور توليه الحكم، ظهرت إشارات عديدة للتمرد ضده، بعضها من مكة والمدينة، وبعضها الآخر من العراق، مشاحنات ومواجهات شهدت إسالة المزيد من دماء المسلمين شارك فيها أنصار الدولة الأموية وشارك فيها الخوارج والعباسيون وغيرهم، قام فيها جيش يزيد بمحاصرة المدينة حتى استسلم متمردوها ثم محاصرة مكة لاحقا لإجبار عبدالله بن الزبير ــ أحد كبار المناوئين لحكم يزيد ــ على الاستسلام حتى أن جيش يزيد استخدم المنجنيق مما أدى لاحتراق جزء من الكعبة وفى بعض الروايات الغربية تم هدم الكعبة وهو أمر مختلف عليه وعلى أى حال لا يعنى الكاتب، بقدر ما يعنيه التأكيد أن حرمات المسلمين ومقدساتهم قد تم انتهاكها بواسطة جيوش مسلمة فى إطار صراعات علمانية/دنيوية بحتة على السلطة والحكم وهى دلالة تاريخية لا يمكن التغاضى عنها فى دحض نظريات وجوب الخلافة باعتبارها أمرا إلهيا أو حكما إسلاميا واجب الاتباع، فالأمر فى الحقيقة لم يكن سوى ظرف تاريخى فرضته الظروف السياسية لم يخل من التمييز والنخبوية (حتى فى عهد الخلفاء الراشدين) ثم لاحقا لم يخل من القتل والسبى والأسر والاعتداء على المقدسات فى سبيل تحصيل السلطة!
توفى يزيد بن معاوية بينما كان جيشه محاصرا مكة، فعاد الجيش على الفور من مكة إلى دمشق ولم يحقق هدفه فى أسر ابن الزبير لتعيش الدولة الإسلامية فترة جديدة من الاضطرابات بلغت ذروتها فى مأساة جديدة كانت بمثابة حرب أهلية ثانية فى تاريخ الدولة الإسلامية وهو ما أتناوله فى المقالة القادمة.

أستاذ مساعد العلاقات الدولية الزائر، جامعة دنفر.

 

أحمد عبدربه مدرس النظم السياسية المقارنة بجامعة القاهرة وأستاذ مساعد زائرللعلاقات الدولية بجامعة دنفر