فلسطين التى (لا ناقة لها ولا جَمَل)..! - محمد عبدالشفيع عيسى - بوابة الشروق
الأحد 9 مايو 2021 3:38 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


فلسطين التى (لا ناقة لها ولا جَمَل)..!

نشر فى : الجمعة 9 أبريل 2021 - 9:25 م | آخر تحديث : الجمعة 9 أبريل 2021 - 9:25 م
المشروع السياسى الصهيونى مربوط بِطَرَفَىِ الحبل المشدود بين مصر والعراق، إذا نظرنا حقا إلى التأسيس الأيديولوجى للصهيونية بمقتضى الأوهام النظرية لما يسمى الحق التاريخى ــ السياسى لليهود. فالثأر الحقيقى الذى ينطلق منه توهم الحق المزعوم، أو «الاستحقاق»، هو الثأر ضد واقعتَىِ «الخروج» و«الأسر»: «الخروج» من مصر، والأسر البابلى، ولم يكن لفلسطين نصيب من هذا وذاك، بالمعنى المحدد أو الضيق لفلسطين على كل حال.
لذلك يتعين القول إن اختيار فلسطين من جانب الحركة الصهيونية فى نهاية الأمر لم يكن نابعا بالضرورة من الفكرة العقائدية الصهيونية فى حد ذاتها، كفكرة عقائدية على أسس تاريخية ــ دينية، وإنما كان نابعا من اعتبارات بناء الحركة الصهيونية كمشروع سياسى، مشروع بناء (دولة) لليهود وكفى. بهذا المعنى تعود فلسطين بالنسبة لليهود كمجرد «نقطة ارتكاز» للسيطرة السياسية على منطقة أوسع.
من هنا نفهم سر «حق العودة» الذى صكه «بن جوريون» عام 1951 من خلال الكنيست، والقاضى بحق جميع يهود العالم فى (العودة) المزعومة إلى فلسطين. ففلسطين ضمن حدود مشروع التقسيم لعام 1947 أو فى حدود (إسرائيل) يوم إعلانها (دولة) فى 15 مايو 1948، أو حتى فى الحدود «الموسعة» بعد حرب الخامس من يونيو 1967، وخاصة بعد الانسحاب من سيناء عام 1979ــ لا تكفى لاستيعاب يهود العالم يقينا.
إن «فلسطين التاريخية» نفسها ليست أكثر من «خيار المضطر»، أو بالتعبير الاقتصادى فى مجال «تقييم المشروعات»، هى «ثانى أفضل بديل» Second ــ best alternative. أما الخيار أو البديل الأفضل فهو السيطرة على امتداد «منطقة الثأر التاريخى ــ الدينى»، من العراق إلى مصر، فهى وحدها التى تجمع بين التطابق مع الوهم التاريخى ــ الدينى وبين مقتضيات المصلحة المتمثلة فى إعاشة أكثر من اثنى عشر مليونا من اليهود فى العالم، قابلين للزيادة عبر الزمن. وبذلك يبرز وضع فلسطين الحقيقى، والتى (لا ناقة لها ولا جمل) فى المشروع السياسى الصهيونى، بمعنى ما، وإلى حد بعيد.
***
هذا التحليل يلقى الضوء على نقطتين أساسيتين:
أولا: سر التمسك بالقدس الموحدة (..!) عاصمة لـ(الشعب اليهودى..!). فالقدس، من الناحية الجغرافية والسياسية والعسكرية، ليست عاصمة مُثْلَى لإسرائيل، فى حدود 1948 الموسعة بشىء من حدود 1967؛ ففيها قسم شرقى يستوعب (قنبلة ديموغرافية موقوتة)، ممثلة فى الفلسطينيين أصحاب البلاد. ومن هنا يجىء الإصرار على تفريغ القدس الشرقية من أهلها الفلسطينيين بشتى السبل. ثم إن القدس مكشوفة الظهر تماما من ناحية «الضفة الغربية» بما يجعلها غير قابلة للدفاع من الناحية العسكرية، ومن هنا أيضا تجىء إحاطة القدس بسياج يهودى خالص بفعل توسيع الاستيطان فى ضواحى القدس، «وتوسيع المدينة» نفسها بحكم القانون، وعزل الوجود الفلسطينى، إن بقىَ منه شىء.
القدس بهذا المعنى قد تعتبر «ثانى أفضل بديل» كعاصمة لإسرائيل، ولكنها الخيار الأمثل optimal option إذا كانت عاصمة «لمنطقة المصلحة والثأر» ــ بين الفرات والنيل.
هنا تصبح القدس «واسطة العقْد» حقا. فهى تقع فى المنطقة المتوسطة بين حد نهر الفرات حال الدخول من تركيا، وحد نهر النيل ــ فرع دمياط فى مصر.. ومن يدرى؟ لعل أحد خبراء الخرائط يدلنا على أن القدس تقع فى منتصف المسافة بين الفرات السورى وفرع دمياط..!
ويمكن، من ثم، الأخذ فى الاعتبار أن سوريا كلها والأردن وجزء من السعودية الحالية وجزء من العراق، بالإضافة إلى شبه جزيرة سيناء وما يليها حتى فرع دمياط الذى يُعتقد أن اليهود «خرجوا» من خلاله مع موسى ــ وعلى إثرهم الفرعون (رمسيس الثانى ربما) ــ إن تلك هى «المنطقة المثلى» للمشروع السياسى الصهيونى؛ هى منطقة «الخيار الأمثل» وليست «ثانى أفضل بديل».
من هنا نفهم أيضا سر الإصرار اليهودى ــ الصهيونى على السيطرة على مرتفعات الجولان السورية، فهى، من جهة أولى، تمثل «منطقة استحكامات خلفية» للدفاع عن القدس مكشوفة الظهر. أما فى حال السيطرة اليهودية على المنطقة المذكورة، من جهة ثانية، فإن الجولان تبقى فى يد «إسرائيل النواة» كذراع دفاعية متينة.
ونفهم أيضا سر الانسحاب اليهودى من شبه جزيرة سيناء، فهى منطقة صحراوية عارية، يصعب، إن لم يكن مستحيلا، الدفاع عنها إن تم احتلالها، إلا إذا كان ذلك بواسطة «الردع النووى». ولذلك تمت إقامة «مفاعل ديمونة» ومرافق التسلح النووى فى صحراء النقب، بالقرب من سيناء بالذات، لمراقبتها والسيطرة عليها من بعد، فى المشروع الصهيونى المستقبلى المزعوم.
بالإضافة إلى هضبة الجولان، ومرافق النقب، هناك حد نهر الأردن كجسر دفاعى إسرائيلى، مما يستدعى سيطرة إسرائيلية على غوْر الأردن فى تسوية معينة محتملة للأراضى، فيما يزعمون.
هذه هى النقاط الدفاعية الثلاث إذن: التمسك بالسيطرة على هضبة الجولان عسكريا، كما يمثل كل من النهر والغور خطا دفاعيا قويا، مثله مثل خط البحر، الذى تحميه قوة بحرية إسرائيلية، تشمل غواصات نووية (ألمانية الصنع)، وإنْ قام «حزب الله» فى حرب صيف 2006 بهز جزئى لـ (أسطورة) البحرية الإسرائيلية.

***
ثانيا: لما كان من الصعب على إسرائيل تطبيق «التجربة» أو (البروفة) الفلسطينية على منطقة «التوسع» أو «الامتداد الصهيونى الطبيعى» من حد الفرات إلى فرع دمياط؛ أىْ لما كان من الصعب هنا تطبيق أسلوب التهجير القسرى والمذابح البشرية بهدف تحقيق ما يسمى باللغة الرائجة هذه الأيام «التطهير العرقى»، حتى فى ظل وجود استحكامات الجولان ومرافق النقب النووية وغور الأردن ــ فإن المرغوب والممكن يجتمعان مع فرض نوع من «السيطرة الإمبريالية»، من خلال توقيع لون من «الوصاية السياسية» و«تقسيم العمل الاقتصادى»، انطلاقا من تفوق عسكرى حاسم.
وتتمثل مقدمات الوصاية السياسية بالفعل فى محاولات التدخل الإسرائيلى فى شئون السياسة العربية ككل، وخاصة فى شئون «منطقة الخطر ــ الهشة» أى لبنان، حيث يجتمع الخطر الجدى على إسرائيل والهشاشة الجغرافية والسياسية والاقتصادية والعسكرية.
أما تقسيم العمل الاقتصادى فهو لب مشروع «الشرق الأوسط الكبير» لشيمون بيريز، بما فيه منطقة الخليج، وخاصة منطقة الخليج: حيث تكون إسرائيل مركز العلم والتكنولوجيا المتقدمة، ويقدم العرب البشر والمال.
وأما التفوق العسكرى الإسرائيلى الحاسم فقد كان ينازعه تاريخيا كل من مصر والعراق.
وبالنسبة للعراق فقد تمت تصفية قوته العسكرية واحتلاله مباشرة عام 2003، ثم العمل على استدامة التدخل الغربى والأمريكى فيه إلى أجل غير محدد.
ولكن، مع انتهاء الخطر العسكرى، عند نقطة زمنية معينة، قضت مفارقات الجدل التاريخى بظهور القوة العسكرية الإيرانية، مع شبح نووى مخيف لإسرائيل. ومن هنا نفهم سر التوجس، بل الرعب الإسرائيلى، من (الخطر الإيراني). فذلك إذن مكمن الخطر الوحيد الباقى، والذى تتعين من وجهة النظر الصهيونية، تصفيته، وخاصة عن طريق ضربة إجهاضية محتملة بدرجة معينة للقوة العسكرية والمرافق النووية الإيرانية.
ومن يدرى؟ فلعل فى القادم من الأيام ما يحمل نهايات لبداية كانت منذ الأصل بغير أساس تاريخى مكين.
محمد عبدالشفيع عيسى أستاذ باحث في اقتصاديات التنمية والعلاقات الدولية
التعليقات