لا نستطيع أن ننكر أن اللغة الفرنسية هى لغة دولية بامتياز، وربما نصف الدول الإفريقية تتكلم الفرنسية، إضافة إلى دول كثيرة خارج إفريقيا وفرنسا. فكانت قديمًا اللغة الدبلوماسية الأولى، ناهيك عن أنها لغة الأدب الرفيع والفلسفة والفن. ويكفى أن نعرف مدى تأثير اللغة على الشيخ محمد عبده وطه حسين وتوفيق الحكيم ومصطفى كامل وغيرهم، الذين درسوا وعاشوا فى فرنسا حتى منتصف القرن الماضى. كما عرفت مصر المدارس الفرنسية، خاصة مدارس الرهبان والراهبات، التى أخرجت دفعات من خيرة شباب مصر، ومنهم من يعملون الآن فى الدوائر العليا أو المنظمات الدولية، وذلك بفضل تمكنهم من اللغة واطلاعهم على الذهنية الفرنسية والأوروبية. وحاليًا، يعمل سفير فرنسا لدى مصر، السيد إيريك شوفالييه، بكل قوة لإرجاع اللغة الفرنسية إلى موضع الصدارة فى مصر، والاهتمام أيضًا بالجامعة الفرنسية وتطويرها وتحديثها.
وفى مدينة الإسكندرية، تقف جامعة سنجور كواحدة من أهم المؤسسات التعليمية الدولية التى تعكس عمق العلاقات المصرية الإفريقية، وتُجسد دور التعليم كأداة فعالة لتحقيق التنمية فى القارة الإفريقية.
فمنذ قرار نشأتها عام 1989، بموجب اتفاقية بين المنظمة الدولية للناطقين بالفرنسية والحكومة المصرية، ثم افتتاحها رسميًا عام 1990، أصبحت الجامعة منصة رائدة لإعداد الكوادر الإفريقية القادرة على قيادة مجتمعاتها نحو مستقبل أفضل.
ولمواكبة التطورات الحديثة، شهدت الجامعة نقلة نوعية بإنشاء مقرها الجديد فى مدينة برج العرب، والذى افتتحه الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون خلال زيارته لمصر. ويمتد الحرم الجامعى على مساحة 10 أفدنة أهدتها مصر للجامعة، ويضم المقر مرافق تعليمية متطورة وسكنًا طلابيًا متكاملًا، بما يواكب المعايير العالمية فى التعليم. هذا التوسع يعكس التزام مصر بدعم هذه المؤسسة وتعزيز دورها فى خدمة القارة الإفريقية.
والجامعة تحمل اسم الرئيس السنغالى الراحل ليوبولد سيدار سنجور، أحد أبرز رموز الفكر والثقافة الإفريقية والفرنكوفونية، والذى كان شاعرًا وأول رئيس للسنغال بعد استقلالها عن فرنسا. ومنذ اللحظة الأولى، كان هدف الجامعة واضحًا، وهو الاستثمار فى الإنسان الإفريقى عبر التعليم والتدريب، باعتباره الركيزة الأساسية لأى نهضة حقيقية.
تقدم جامعة سنجور نموذجًا فريدًا فى التعليم العالى، حيث تعتمد اللغة الفرنسية لغة أساسية للدراسة، وتستقطب سنويًا مئات الطلاب من مختلف الدول الإفريقية. ولا تقتصر رسالتها على منح درجة الماجستير المهنى فى التنمية المستدامة، وتتركز تخصصاتها الرئيسية على إدارة الصحة والبيئة والثقافة والإدارة والتعاون الدولى وإدارة الأزمات والمخاطر، بل تمتد لتشمل إعداد قيادات شابة قادرة على التعامل مع التحديات التنموية فى مجالات حيوية. هذا التنوع فى التخصصات يعكس إدراك الجامعة لاحتياجات القارة، وسعيها لتقديم حلول عملية ومستدامة.
وتبرز أهمية موقع الجامعة بالنسبة لمصر، إذ إنها إحدى أدوات القوة الناعمة المصرية فى إفريقيا، حيث تسهم فى تعزيز العلاقات مع الدول الإفريقية من خلال التعليم وبناء القدرات. فخريجو الجامعة، الذين ينتشرون فى مختلف أنحاء القارة، يشغل العديد منهم مناصب قيادية فى مؤسسات حكومية ودولية، ما يعزز من تأثير الجامعة ودورها الإقليمى. وتمثل جامعة سنجور أكثر من مجرد مؤسسة تعليمية، فهى مشروع حضارى يعكس إيمانًا عميقًا بأهمية الإنسان فى تحقيق التنمية. وبينما تواجه إفريقيا تحديات متزايدة، تظل الجامعة نموذجًا ناجحًا للتعاون الدولى، وجسرًا يربط بين الثقافات، ومنارة علم تسهم فى بناء مستقبل أكثر إشراقًا للقارة بأكملها.
وفى هذا السياق، أقترح برنامجًا طموحًا لتحويل ربع المدارس الحكومية، بحيث تكون فيها اللغة الفرنسية هى اللغة الأولى، طبعًا بالتدريج، حتى تصبح مصر مركزًا قياديًا إفريقيًا فرنكوفونيًا لصالح القارة الإفريقية وتعزيز حضور مصر فيها.