النوم كالماء والهواء - هنا أبوالغار - بوابة الشروق
الأحد 15 سبتمبر 2019 11:07 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعدما أعلن الاتحاد المصري لكرة القدم عن ترشيح 5 أسماء لتدريب المنتخب .. من تختار؟



النوم كالماء والهواء

نشر فى : الثلاثاء 10 سبتمبر 2019 - 10:55 م | آخر تحديث : الثلاثاء 10 سبتمبر 2019 - 10:55 م

يقضى الأطفال الرضع الجزء الأكبر من يومهم فى النوم، وبالرغم من أن عدد ساعات الاستيقاظ تزيد مع مرور السنوات إلا أن الأطفال من ٥ إلى ١٠ سنوات يحتاجون فى المتوسط إلى ١١ ساعة نوم (مما يعنى أن من يستيقظ فى السادسة صباحا يحتاج أن ينام فى السابعة مساء). والأطفال من ١١ إلى ١٧ عاما يحتاجون إلى ٩ ساعات فى المتوسط هذا بالمقارنة إلى ٨ ساعات نوم يحتاجها الكبار.

العالم يعانى من «وباء نقص النوم» وذلك استنادا إلى تصريحات المركز الأمريكى المعنى بالدراسة والسيطرة على الأمراض (Center for disease control CDC) والذى يرى أن نظام الحياة الحديثة ودخول التكنولوجيا والبعد عن الطبيعة قد أدى إلى نقص ساعات النوم اليومية لدى الكبار والصغار وهو ما ساعد على انتشار أمراض خطيرة مثل السكر والضغط وزيادة الوزن (حيث إن نقص النوم يزيد من الرغبة فى أكل السكريات والنشويات ويقلل من النشاط الحركى)، كما أنه أدى إلى زيادة أمراض التوتر والقلق المرضى والاكتئاب وفى الأطفال أدى إلى أعراض مشابهة لأعراض مرض الفرط الحركى وصعوبة التركيز. بالإضافة إلى ذلك فإن نقص النوم يؤثر على نمو العقل والجسد لدى الأطفال حيث إن دورة هرمونات الجسد المرتبطة بالنمو والنشاط هى جزء من حلقة متصلة ما بين دورة النوم ودورة الضوء الشمسى حيث إن النوم فى الظلام وأثناء الليل وبشكل منتظم فى نفس الموعد كل يوم ولمدة كافية لإشباع الجسد والعقل هو مفتاح للصحة. دخول الطفلة فى النوم خلال ١٥ــ٣٠ دقيقة والاستيقاظ فى الموعد المطلوب بدون صعوبات هما أهم علامتين أن هذه الطفلة لا تعانى من نقص النوم. وقد اقترن نقص النوم عند الأطفال بقلة التركيز والأداء الدراسى، النوم فى المدرسة، التغيب غير المبرر من المدرسة، صعوبة التحكم فى الغضب والإحباط مما ينتج عنه نوبات انفعال أو بكاء غير مسببة، التبول اللاإرادى بسبب النوم العميق إلى درجة لا يستيقظ الطفل فيها عند احتياجه إلى الحمام.

نقص النوم فى الكبار والصغار يقلل من مستوى الأداء الأكاديمى أو المهنى وبالتالى يقلل من فرص الشخص أو الطفل فى تحقيق أهدافه المتناسبة مع قدراته إذا ما أعطى جسده وعقله قسط الراحة المستحق له، هو أيضا يزيد من احتمالات الحوادث فى مناطق لعب الأطفال أو المدارس وحوادث المرور لدى الكبار ويؤثر على جهاز المناعة فيزيد من فرص المعاناة من أمراض معدية مثل الإنفلونزا وبالتالى التغيب من المدرسة والعمل، أو الأمراض غير المعدية مثل أمراض القلب والسرطان.
***
أسباب صعوبات النوم سواء صعوبة الدخول فى النوم أو القلق والأحلام المزعجة عند الأطفال مختلفة، منها أسباب نفسية مثل الوقوع تحت ضغوط شديدة ينتج عنها أعراض توتر وخوف منها ضغوط تضعها المدارس أو الآباء على الأبناء سواء فى تحقيق مستوى أكاديمى معين يكون الامتحان فيه هو مقياس للنجاح وبالتالى تتركز فرص إثبات الاجتهاد والتفوق فى لحظات ودرجات خلال العام الدراسى بدلا من عمل تقييم عام خلال الشهر أو العام لاجتهاد الطالب وقدرته على الانتقال من مستوى إلى آخر دون مقارنته بالآخرين ودون الضغط على أعصابه، كذلك الضغوط الموضوعة على أبنائنا من قبل الآباء والمدربين فيما يخص الرياضة التنافسية والتى تحولت إلى مصدر للخوف والقلق والضغط للأطفال بدلا من أن تكون فرصة للبهجة وتفريغ التوتر وشحن طاقاتهم.

وجود مشكلات نوم عند طفل غير واقع تحت ضغوط يجب أن تنبهنا إلى احتمال وجود عنصر إيذاء خارجى قد يكون نفسيا أو جسديا كونه ضحية تنمر أو بلطجة من زملائه أو إيذاء جنسيا أو تحرشا وقع مرة أو يتكرر وصعوبات النوم هى طريقة الطفل فى لفت انتباهنا أنه يحتاج إلى مساعدة إذا ما صعب عليه شرح الأمر لأبويه. الأطفال الذين يعانون من كرب ما بعد الصدمة نتيجة وفاة شخص عزيز أو تعرضهم لحادث سيارة أو مشاهدتهم حدثا أليما.. إلخ هم جميعا عرضة لمثل هذه الصعوبات فى النوم.

هناك أمراض عضوية معظمها خاصة بالجهاز التنفسى مثل حساسية الأنف أو الحساسية الربوية وبعض أمراض القلب والتى أحيانا ما تكون سببا للاستيقاظ المتكرر أثناء النوم مما يمنع إشباع الطفل بالنوم ويجعله يعانى من أعراض نقص النوم فى اليوم التالى وكلها تحتاج إلى طبيب لتشخيصها وعلاجها.

***
يبقى أهم سبب والأكثر انتشارا وأسهلهم فى الحل هو عدم وجود انضباط بالأسرة، النوم مثل مواعيد الأكل معتمد على الساعة البيولوجية، وهى ساعة دقيقة بداخلنا تحتاج إلى ضبط منذ الصغر على مواعيد وطقوس حتى يصبح النوم مثله مثل الأكل مغذيا للجسم والعقل. النوم يحتاج إلى موعد محدد وغير متغير إلا مع سن الطفل، نحتاج أن ندرك أن المذاكرة والامتحان والتدريب ليست أهم من النوم وليست أولوية إذا ما قورنت بالصحة النفسية والجسدية، ليس مفيدا أن نحل مشكلة النوم المتأخر بأن ندخل قسطا من النوم أثناء النهار لأن هذا النوم لا يعوضه عن نوم الليل، الطفل يحتاج أن يبدأ فى الاستعداد للنوم قبل الموعد المحدد بساعة، فنغلق جميع الشاشات حيث إنها كلها تنشط الذهن وقد أثبتت الأبحاث أنها ترفع ضغط الطفل وتزيد من ضربات قلبه خصوصا الألعاب الإلكترونية لكن حتى مجرد استخدام التليفون المحمول فى الحديث أو الرسائل، نشجع الطفل أن يأخذ حماما دافئا حتى يسترخى جسده ويلبس ملابس النوم ثم يأكل عشاءه ولا يكون به سكريات أو كافيين (الشاى والشيكولاتة والكولا وطبعا القهوة). درجة حرارة حجرة النوم تحتاج أن تكون حول ال ٢٤ درجة مئوية وتكون جيدة التهوية وليس بها تليفزيون ولا تليفون لأنه تبين أنه فى دولة مثل الولايات المتحدة الأطفال والمراهقون يقضون متوسط ٨ ساعات من يومهم أمام شاشة من أى نوع وعدد من هذه الساعات يكون بعد دخولهم السرير وهذا من أهم أسباب انتشار مرض نقص النوم المزمن لدى هذا الجيل.

النوم غذاء للجسد والعقل والنفس، وصحة أبنائنا مسئولية أصيلة علينا كآباء، يشاركنا فيها المدرسة والنادى، ونحتاج أن يدرك الأطراف الثلاثة أن الطفل حتى لو كان الأول على فصله أو بطل الجمهورية فى رياضة ما، إذا دخلنا حجرته لنجده نائما على كتابه المدرسى أو إذا نام فى السيارة فى طريق عودتنا من التدريب ليلا فهذا يعنى أننا نشارك فى وضع ضغط عصبى ذهنى وجسدى عليه بشكل ضار بصحته ومؤثر على طفولته ومستقبله، وذلك بالرغم من الثمن الذى ندفعه من راحتنا لتحقيق ما نعتقد أنه مصلحته. من أصعب متطلبات التربية إيجاد توازن بين الانضباط والحرية، بين الدراسة والرياضة ووقت الفراغ، علينا مراجعة أولوياتنا جيدا إذا ما أردنا عقلا ونفسا وجسدا سليما لأبنائنا.

هنا أبوالغار أستاذ طب الأطفال بجامعة القاهرة
التعليقات