نقارو الخشب يحملون المعاول - سور برلين وأنا (14) - حسام السكرى - بوابة الشروق
الأربعاء 19 فبراير 2020 9:18 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


نقارو الخشب يحملون المعاول - سور برلين وأنا (14)

نشر فى : السبت 11 يناير 2020 - 9:20 م | آخر تحديث : السبت 11 يناير 2020 - 9:20 م

هرعت نحو السور وأنا أحمل مطرقة أحضرتها من المنزل. انضممت لعشرات انتشروا على جانبه ممن أطلق عليهم الإعلام اسم "نقارو الخشب". لم يكن الغرض هدم السور، وإنما الحصول على قطعة ملونة من رسوم الجرافيتي التي كانت تميز ناحيته الغربية.

قمت بمحاولات بائسة نحو نصف الساعة لم أنجح بعدها سوى في الحصول على "قشور" لا يتجاوز قطر أكبرها سنتيمترين! كان الحائط صلبا للغاية بصبته الخرسانية المدعمة بهياكل من حديد. وضعت الغنيمة في علبة بلاستكية صغيرة أعدتها لحقيبتي. أخرجت الكاميرا أملا في أن يكون حظي مع الصور أفضل منه مع الحائط.

أغلب الموجودين كانوا أكثر براعة. أتوا بمطارق ضخمة وأزاميل حادة وحصل بعضهم على قطع ملونة بمساحات يقترب قطرها من نصف متر. التقطت عدة صور لتركي يعاونه أولاده. كان يستخدم إزميلا ومطرقة ببراعة ويضع ما "يستقطعه" في صندوق كبير. نظر إلي وابتسم قائلا: "سأحتفظ بها بضع سنوات ثم أبيعها بسعر باهظ". أشار إلى الكاميرا التي أحملها وعقب" "ربما كان هذا ما ستفعله بالصور التي تلتقطها".

في هذه الأثناء كانت المفاوضات دائرة بين الاتحاد السوفييتي وألمانيا الشرقية من جهة، وأمريكا وألمانيا الغربية من جهة أخرى بغرض الوصول إلى اتفاق حول مستقبل البلد المقسم. لم يكن من الصعب في ظل انهيار اقتصاد ألمانيا الشرقية أن تتم التسوية في الإطار الذي حددته ألمانيا الغربية وأمريكا دون اعتراض يذكر. المصطلح الذي ساد في ذلك الوقت لم يكن التوحيد، وإنما "الإلحاق"، أي ضم أو ابتلاع ألمانيا الشرقية داخل الغربية في إطار دستورها ونظامها الموجودين.

منذ تلك اللحظة ستشيع في كتب التاريخ كذبة محببة مفادها أن السور قد سقط في التاسع من نوفمبر 1989 "تحت معاول الحالمين بالديمقراطية" استنادا إلى الصور المنتشرة لنقاري الخشب. أصحاب المعاول في الحقيقة كانوا في الغرب وليسوا في الشرق. وما نجحوا فيه كان "تقشير" السور حينا، و"نقره" وربما ثقبه أحيانا أخرى. أما الحقيقة فهي أن السور ظل قائما حتى انتهت المفاوضات واتُفق على إزالته التي بدأت فعليا بعد نحو ثلاثة أشهر من السماح بالعبور في نوفمبر، تحديدا في مساء يوم 19 فبراير 1990. لم تكن إزالة هذا التكوين الخرساني الصلب ممكنة ببضع معاول وفؤوس، وإنما استلزم الأمر بلدوزرات تضرب أجزاءه مرات عدة حتى يتخلخل ثم تنتزعها وسط صيحات المحتفلين. من دواعي السخرية أن الإزالة تمت برعاية حرس حدود ألمانيا الشرقية التي أقامت السور!

لم يسقط الجدار ولم يهدمه الناس بالمعني الحرفي. لكنه تلاشى أو ذاب مجازا، ليس بفعل المعاول ولكن بسبب الدكتاتورية والحرمان وسوء الإدارة. أقامت أنظمة الشرق ستارا حديديا افتراضيا حول مواطنيها وبنت سورا حقيقيا من الخرسانة والحديد مدعوما بالأسلاك الشائكة، والخنادق المحصنة، والكلاب الشرسة، والجنود المدججين بالسلاح. حرمت مواطنيها من حقوقهم في التعددية والتعبير وحرية الرأي والسفر. وعندما حانت اللحظة الحاسمة فقدت كل معايير القوة فاعليتها وأصبحت هباء منثورا، صار السور كأنه لم يكن. شلت يد الحراس، وانتهى بعضهم في السجون.

منذ أسابيع أرسلت منظمة ألمانية غير حكومية واحدة من القطع القليلة الباقية من الحائط ووزنها نحو ثلاثة أطنان للرئيس الامريكي دونالد ترمب. الهدية التي وصلته من مواطني برلين كتبت عليها الرسالة التالية: نريد أن نهديك واحدة من القطع القليلة الباقية من سور برلين الفاشل لنذكر بتعهد الولايات المتحدة ببناء عالم بلا حدود. ألمانيا عادت موحدة وفي برلين تذكرنا بعض قطع الحجارة المتناثرة بأنه لا حائط يمكن أن يبقى للأبد". في إشارة إلى الجدار الذي يريد ترمب إقامته على الحدود مع المكسيك.
(يتبع)
ذكرياتي عن سور برلين في ذكرى مرور ثلاثين عاما على انهياره

التعليقات