البيان رقم واحد! - خالد سيد أحمد - بوابة الشروق
السبت 14 ديسمبر 2019 3:08 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

البيان رقم واحد!

نشر فى : الجمعة 12 أبريل 2019 - 11:45 م | آخر تحديث : الجمعة 12 أبريل 2019 - 11:45 م

لكل منطقة فى العالم قدرها، ويبدو أن قدر منطقتنا العربية أن تظل أسيرة لـ«البيان رقم واحد»، الذى يشير بوضوح إلى تدخل الجيوش لإزاحة السلطة القائمة.. رأينا هذا الأمر يتكرر مرارا وتكرارا على مدى تاريخ أمتنا العربية الحديث، وبالتحديد منذ خمسينيات القرن المنصرم.
فى الماضى كان هذا البيان يصدر من دون مقدمات أو أسباب تستدعى صدوره، وبدافع واحد فقط وهو الطمع فى السلطة، لكن فى السنوات الأخيرة، بدأنا نلحظ ظاهرة جديدة، وهى صدور هذا البيان فى بعض الحالات، مثلما حدث فى السودان والجزائر (2019)، ومصر(2013)، بعد استدعاء شعبى للجيوش من أجل إنهاء نظم الحكم التى شاخت على مقاعدها، وترفض الذهاب إلى كتب التاريخ لتصبح فصلا منسيا، أو تلك التى تدفع ببلادها إلى آتون الحرب الأهلية.
ما الذى يجعل منسوب الغضب والكراهية يرتفع لدى بعض الشعوب، تجاه أنظمة الحكم القائمة، لتصل إلى حد المطالبة باستدعاء الجيوش لإزاحتها بالقوة الخشنة؟ هناك بالتأكيد أسباب كثيرة وراء تفشى هذه الظاهرة فى وطننا العربى، منها بقاء هذه النظم على مقاعدها عقودا طويلة، ورفضها أى تداول سلمى للسلطة، وتجميد الحياة السياسية، وتحويلها إلى مجرد ديكور لتزيين المشهد الاستبدادى والديكتاتورى الذى تتبعه فى إدارة بلادها.
كذلك اعتقاد الكثير من نظم الحكم، أن الشعوب لا تزال فى مرحلة الحضانة، ولم تصل بعد إلى سن النضج، الذى يسمح لها بتقرير مصيرها واختيار طريقها وتحديد خطواتها المستقبلية، وبالتالى يجب أن تظل هى «السلطة الأبوية» التى تحدد لشعوبها كل شىء، بدء طريقة حياتها وكيفية تعبدها وحتى توجهها السياسى!
أيضا إقدام بعض الحكام على تحويل البلاد التى يحكمونها إلى ملكية خاصة.. يقربون هذا ويغدقون عليه المزايا والعطايا، ويبعدون ويقصون هذا ويحرمونه حتى من أبسط حقوقه الإنسانية، بل ويعلنون عليه فى كثير من الأوقات الحروب الضروس، لمجرد مطالبته بتطبيق قيم العدل والمساواة والديمقراطية وتداول السلطة.
يضاف إلى ذلك، غياب الشفافية وانتشار الفساد وتبديد خيرات البلاد وتسليم ثرواتها إلى المقربين، فى حين تظل الكتلة الكبيرة من المواطنين، تعانى من شظف العيش والفقر المدقع، وحينما يطالب هؤلاء المحرمون من خيرات وثروات بلادهم بـ«حياة آدمية» يوصفون غالبا بالطابور الخامس والفئة الضالة التى تريد هدم البلاد وتخريبها وتحويلها إلى مستنقع من الفوضى.
ما يرفع منسوب الكراهية لدى بعض الشعوب التى تقرر استدعاء الجيوش لإزاحة السلطة القائمة، هو محاولة الأخيرة جر بلادهم إلى مناطق التشدد والتطرف، وتغييب قيم التسامح مع الآخر المختلف فى اللون أو العرق أو العقيدة، الأمر الذى يفقدهم الأمل فى وطن يتسع للجميع مهما كان حجم الاختلاف بين مكوناته.
اللجوء إلى هذا الاستدعاء يتم كذلك لعدم وجود قوى وأحزاب سياسية حقيقية.. فجميعها تابع للسلطة ويسير فى ركابها، وغير مهتم على الإطلاق بأن يكون بديلا عنها فى يوم من الأيام.. فهذا يرضيه مقعد برلمانى وذاك يمكن شراء مواقفه ومبادئه بمنصب تنفيذى هزيل، وبالتالى لا يمكن التعويل على مثل هذه القوى فى الوقوف إلى جانب شعوبها التى تعانى من تسلط حكامها.
هذه الأسباب وغيرها تدفع الشعوب التى تئن تحت وطأة الاستبداد إلى استدعاء الجيوش لإصدار «البيان رقم واحد»، من أجل بدء مرحلة جديدة تكون مختلفة فى كل شىء.. فى شخوصها وسياساتها وتوجهاتها.. لكن هذا الأمر لا يعنى بالضرورة أن كل ما تتطلع إليه تلك الشعوب من آمال وأحلام فى غد أفضل، سيتحقق على أرض الواقع بين ليلة وضحاها، بل وفى بعض الأحيان الأخرى، لم يحدث من عمليات تغيير خشن كهذه، سوى إعادة إنتاج للنظم التى ارتفع منسوب كراهية المواطنين لها، وهو ما يحتم على الشعوب أن تفكر ألف مرة قبل أن تطلق «نداء الاستدعاء».

التعليقات