مفاوضات البقرة الصفراء فى سد النهضة! - أكرم السيسى - بوابة الشروق
الخميس 6 مايو 2021 3:52 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


مفاوضات البقرة الصفراء فى سد النهضة!

نشر فى : الإثنين 12 أبريل 2021 - 6:55 م | آخر تحديث : الإثنين 12 أبريل 2021 - 6:55 م
من التاريخ يستمد الإنسان الخبرات، ومن قصص الأنبياء فى الأديان يستمد العبر والمواعظ، ذكر القرآن الكريم العديد من قصص الحيوان، وقصة بقرة بنى إسرائيل من أبرز القصص، تُبَيِّن القصة نوعا من التفاوض الذى لا يفضى لشىء، يتميّز به بنو إسرائيل، ويكشف عن طبيعتهم فى الجدال واللجاج والعناد الذى لا يصل إلى أى حقيقة، بل على العكس يعمل على الابتعاد عنها بهدف تضليل الآخر!
وتروى أحداث القصة أنه فى يوم من الأيام قُتِل فى إحدى الليالى رجل كبير فى السن من بنى إسرائيل، بشكل غامض، وتُركت جثته فى الطريق، ولم يعرف أحد مَن القاتل الذى ارتكب الجريمة، كان القتيل رجلا غنيا، ولم يكن له أبناء يرثونه، ولكن كان له أبناء أخوة يريدون أن يرثوا ماله الكثير، وحدث نزاع بين أبناء العم حول هذه الحادثة، فأشار عليهم أحد الناس أن يأخذوا رأى نبى الله موسى عليه السلام ليقضى بينهم.
ونظرا للغموض الشديد لهذه الحادثة، كانت أساليب التقاضى الاعتيادية غير ممكنة للكشف عن مرتكبها، كما أنه لم يكن بالإمكان إهمال هذه المسألة لما سيترتب عليها من فتنة بين بنى إسرائيل، لذا لجأ موسى ــ بوحى من الله ــ إلى طريقة إعجازية لحل هذه المسألة، وقد أوضحتها الآيات الكريمة التالية فى سورة البقرة من 67 إلى 71:
«وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً، قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا، قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ. قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ، قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ. قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا، قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ. قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ. قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ، تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى الْحَرْثَ، مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا، قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ».
***
تؤكد هذه القصة على سلوك بنى إسرائيل مع الله عز وجل، ومع نبيه موسى عليه السلام، فهى تُبَيِّن أولا صفات اللجاج والجدال والعناد وسوء النية فى أقوالهم وأعمالهم؛ وثانيا تنطوى عبارة «ادع لنا ربك» التى تكررت عدة مرات فى خطاب بنى إسرائيل لموسى على نوع من إساءة الأدب والسخرية، وكأن ربّ موسى غير ربهم!!
لقد بينت الآية الأولى عدم تصديقهم واستهزائهم بأقوال نبيهم، ظنوا أن أمر الله لهم بذبح بقرة هو استهزاء بهم، فاستعاذ النبى موسى بالله من اتهامهم؛ حيث إن الاستهزاء والسخرية من الآخرين هو من صفات الجاهلين، وأنبياء الله مبرّأون من ذلك.
وبعد أن أيقنوا جديّة المسألة، واستقروا على أن يذبحوا البقرة، طلبوا من موسى عليه السلام أن يصف لهم البقرة المطلوب ذبحها، فجاء وصف الله تعالى بأنها بِكر، وأنها ليست كبيرة فى السن ولا صغيرة، بل هى متوسطة بين الحالتين، ولكن كعادتهم لم يقتنعوا؛ واستمروا فى لجاجهم، فطلبوا من موسى طلبا ثالثا: أن يسأل الله ما لون البقرة، فأجابهم بأن لونها أصفر فاقع، وتسرُّ الناظرين لها، وتنشرح لها الصدور، ولكن جدالهم لا يتوقف لمحاولة الهروب مما تم تكليفهم به.
لم يكتف بنو إسرائيل بهذا، بل أصرّوا على سجالهم، وضيّقوا على أنفسهم دائرة اختيار البقرة، فطلبوا من نبيهم طلبا رابعا: أن يعطى لهم أوصافا أُخرى لهذه البقرة، لأن البقر كله متشابه فى نظرهم، فهم لا يستطيعون تحديدها، فيقول لهم موسى عليه السلام، هى بقرة لا تُستخدم فى حرث الأرض ولا سقايتها، ولا عيب فيها!
وبعد كل هذا اللجاج والسجال والجدال، من أجل عدم تنفيذ ما أمرهم الله به، يعثرون على بقرة يملكها رجل بار بوالديه، تتطابق مواصفاتها مع الوصف الذى وصفه نبى الله موسى عليه السلام، فيتوجهوا إلى صاحب البقرة، ويطلبوا منه شرائها، ولكن الرجل يرفض فى البداية، ثم يوافق بعد أن أخذ ما يعادل وزن البقرة عشر مرات ذهب!
وبعد ذلك، يقوم بنو إسرائيل بذبح البقرة، ثم يأمرهم موسى عليه السلام، بما أوحى إليه من الله، بأن يأخذوا بعض أجزاء من الذبيحة ليضربوا بها القتيل، وبعد ضربه يعود القتيل إلى الحياة، وحينئذ يسأل موسى عليه السلام القتيل عن الشخص الذى قتله، فيُشير على أحد أبناء أخيه، ويقول لقد قتلنى ابن أخى هذا، ثم يموت من جديد!
***
هكذا هى مفاوضات سد النهضة من طرف إثيوبيا، فهى استنساخ لمفاوضات بنى إسرائيل مع نبيهم موسى عليه السلام فى حادثة البقرة الصفراء، وهى فى نفس الوقت الأسلوب التفاوضى المتبع من المفاوض الصهيونى فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فالمفاوض الإسرائيلى يعمل دائما على إدخال الأطراف المعنية فى دائرة من المفاوضات لا تنتهى، وفى جدال عقيم لا يقود إلى أى فائدة، فهذا التطابق فى أسلوب التفاوض يؤكد بلا أدنى شك أن إسرائيل هى التى تقود المفاوض الإثيوبى، وترسم له خطط المراوغة، وأسلوب الجدال والتلاعب بالوقت حتى تصل لهدفها، وهو حرمان مصر من حقها الإلهى فى مياه النيل!
وفضلا عن ذلك، فإن إثيوبيا لا تتبنى فقط أسلوب المجادلة والعناد الإسرائيلى، كما هو الحال فى قضية فلسطين، ولكنها أيضا تتبع نفس سياستها فى العدوان والاحتلال والاعتداء على حقوق الآخرين، كلاهما لا يحترم القوانين الدولية؛ إسرائيل، على سبيل المثال، تُعلن مؤخرا رسميا أنها لن تتعاون مع تحقيق المحكمة الجنائية الدولية فى شأن «جرائم حرب« قد تكون ارتُكِبت فى الأراضى الفلسطينية المحتلة، وإثيوبيا تدعى أن نهر النيل هو بحيرة أثيوبية، وأنه ملكية خاصة لها، ولا تعترف بأنه نهر عابر لإحدى عشرة دولة أفريقية، تنظمه – كما هو حال كل أنهار العالم ــ قوانين عالمية، لا تسمح لأحد بالسيطرة عليه لإيذاء الآخرين، هذا التشابه بل التطابق فى التفكير والتصرف له مدلولاته!
ومن ناحية أخرى، تدعى إثيوبيا كذبا أن مصر حرمتها من التنمية لأزمنة طويلة باستحواذها على النيل وحدها، علما بأن مصر هى آخر دولة مصب، بينما إثيوبيا هى أول دولة منبع، والحقيقة أن النيل يجتاز آلاف الأميال فى إحدى عشرة دولة أفريقية، وأن حضارة مصر وتقدمها تعود للعمل الإرادى للإنسان المصرى الذى أحسن استغلال ما وهبته له الطبيعة، علما بأن هِبات النيل كهِبات الطبيعة، أحيانا تكون طائشة عمياء تحمل الفيضانات والجفاف ومستنقعات الملاريا...، ويمكن أن تدمر كل شىء، ولكن الإنسان المصرى وحده هو الذى استطاع أن يجعل من هذه الهبة نعمة لا نقمة!
كما أن إثيوبيا تدعى كذبا أيضا أن مصر تتعامل مع الأفريقيين من منظور استعلائى وعنصرى بسبب لون البشرة، وذلك لبث الفتنة بين مصر وبين أشقائها الأفارقة، بينما الحقيقة الأولى تقول إن مصر – فى كل تاريخها ــ وقفت مع كل حركات التحرر فى كل البلدان الأفريقية، سواء أصحاب البشرة البيضاء فى الشمال كالجزائر، أو أصحاب البشرة السوداء كما فى جنوب أفريقيا، ودعمها غير المحدود – على سبيل المثال ــ لنيلسون منديلا ضد النظام العنصرى المُسمى «الأبارتايد» Apartheid! والحقيقة الثانية هى أن إثيوبيا فى نظامها الحالى هى التى تمارس العنصرية مع قبيلة التجراى ــ إحدى قبائل شعبها ــ وعملت على إبادتهم، وهو نفس أسلوب إسرائيل فى محاولة إحاطة الشعب الفلسطينى بالأسوار!
ونستنتج مما سبق، أن إثيوبيا تحاول بكل الطرق الملتوية كسر القوانين الدولية، والاعتداء على حقوق جيرانها، ورفض التعايش السلمى مع محيطها، لقد اختارت إثيوبيا أن تُصاحب دولة معتدية وعنصرية، وأن تسمع لنصائحها، واختارت أيضا أن تبتعد عن إخوانها الأفارقة، الذين عاشوا معهم منذ بداية التاريخ، يتشاركون سويا الحياة بحلوها ومرها، لا يجمعهم سوى التعاون والود والإخاء، فأصبحت تصغى للشيطان، وتنادى بالحرب وبالعدوان، وترفض السلم والأمان!
وأما عن درس التاريخ للإنسان منذ بداية الخليقة، فإنه لا يصح إلا الصحيح، وعلى الباغى تدور الدوائر!
أكرم السيسى أستاذ الأدب واللغويات بقسم اللغة الفرنسية بجامعة الملك سعود بالرياض
التعليقات