عن تنامى ظواهر جديدة ضد الأديان - أكرم السيسى - بوابة الشروق
الخميس 19 مايو 2022 10:50 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

برأيك.. ما هو أفضل مسلسل دراما رمضاني في الموسم الحالي؟








عن تنامى ظواهر جديدة ضد الأديان

نشر فى : الأحد 13 يوليه 2014 - 5:35 ص | آخر تحديث : الأحد 13 يوليه 2014 - 5:35 ص

تتحدث وسائل الإعلام عن تنامى ظاهرة الإلحاد قى شبكات التواصل الاجتماعى، ويبدى الجميع قلقه وغضبه من هذه الظاهرة، وعليه قامت قنوات عديدة بدعوة عدد كبير من رجال الدين لمناقشة هذه الظاهرة الغريبة على مجتمعنا الشرقى المتدين، وكان هذا هو الخطأ الأول فى معالجة هذا الموضوع، لأن المشكلة، من وجهة نظرى، ليست مشكلة دينية بقدر ما هى مشكلة فكرية تتعلق بالتكوين العقلى ومنهجية التفكير للإنسان فى العالمين العربى والإسلامى فى مقابل الظروف الراهنة التى تعيشها الأمتان وعدم قدرتهما على التوافق مع مفاهيم الحداثة التى تحكم عصرنا الحالى.

•••

ويعتبر من أهم قيم الحداثة حقوق الإنسان وحرية الرأى والتعبير وحرية الاعتقاد، وتمثل هذه القيم الثلاث أكبر مشكلة أو عوائق تحد من تقدم الشعوب الإسلامية والعربية على وجه الخصوص، فضلا عن أنها تجعل الأمم الأخرى تبتعد عنا، بل وتتوجس منا! علما بأن الإسلام قد جاء ليؤسس لقيمتين لا تتناقض ألبته مع قيم الحداثة: الأولى التوحيد وهى تحرر الإنسان من عبودية أيا من كان إلا لله وحده، والثانية العدل والمساواة، وأما عن حرية الاعتقاد فالقرآن الكريم يؤكد هذا المبدأ فى آيات كثيرة «ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين» (آل عمران 97)، «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» الكهف 29».

ومن المؤكد أن أكبر عائق يحول بيننا وبين الانسجام مع العالم المعاصر هو مفهومنا الخاطئ للدين وعلاقته بنظام الحكم، وهذا هو فى نفس الوقت ما يجعل الكثير من الشباب ينحدر نحو الإلحاد. ونرى فى الحوارات التى نشرت فى جريدة الأهرام (فى 30 يونيو و4 يوليو 2014) بين المحترمين الدكتور جابر عصفور، وزير الثقافة، وفضيلة الشيخ عباس شومان، وكيل الأزهر الشريف، دليلا قاطعا ومثلا واضحا على الصراع القائم حول وضع الدين فى الدولة الحديثة.

•••

كان خطاب وزير الثقافة كاشفا عن عمق المشكلة، بينما كان خطاب وكيل الأزهر منشئا للأزمة الفكرية التى يعيشها شباب الوطن، الأول يدعو إلى إعمال العقل وتحكيمه دون التصادم مع الشرائع السماوية، كما يؤكد النظام السياسى المدنى الذى يفصل بين الدين والسياسة أى بين الثابت والمتغير، بينما يؤكد الثانى على وحدة الدين والدولة، وهذا بالقطع فيه ضرر على الثابت أى الدين، ويحتج فضيلة الشيخ بقول حُجَّةُ الإسلام أبوحامد الغزالى: «إنَّ العقل مثل البصر، والشرع مثل الضِّياء، وإنَّ العقل مع الشرع نورٌ على نور».

هنا يتضح لنا عمق المشكلة، فمرجعيات كل من العالمين كشفت عن مدرستين متناقضتين حول مفهوم «العقل» وعن دوره وقدراته، فضيلة الشيخ يرجعنا إلى مفهوم العقل عند الغزالى وهو مفهوم صوفى ينكر على العقل انطلاقته، فالمتصوفون يؤمنون بالكشف والاتصال بعالم الملكوت والأخذ عنه مباشرة والإطلاع على اللوح المحفوظ وما يحتويه من أسرار! وهذا هو مفهوم الدولة الدينية بعينه الذى يرفضه وزير الثقافة باعتباره منتميا لمدرسة الشيخ جمال الدين الأفغانى وتلميذه الإمام محمد عبده عن ضرورة الفصل بين السلطة الدينية والسلطة المدنية، وقد أكد من بعدهم على هذا المفهوم الشيخ على عبدالرازق فى كتابه «الإسلام وأصول الحكم».

•••

ويكشف الحوار بين القطبين عن رؤية مغلوطة لبعض رجال الدين عن علاقة الدولة بالدين وبالقوانين الوضعية، يرى فضيلة الشيخ شومان أن نصوص الدستور المصرى تؤكد عدم الفصل بين الدين والدولة بدليل أنه نص على أنَّ «دِين الدولة الرسمى هو الإسلام»، ويضيف فضيلته أن الدستور نص على أنَّ «مبادئ الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع فى القوانين»، ولكن هذا كما أوضح الدكتور عصفور «ليس فيه تناقض مع الدولة المدنية، فإعمال العقل لا يعنى التناقض مع النص الدينى، وفصل الدين عن الدولة ليس معناه كفر الدولة».

ونحن نفهم من النصين السابقين أنه غير مسموح بتشريع قانون يخالف الشريعة الإسلامية، وليس البحث لدى فقهاء ما قبل القرن الثانى عشر عن حلول لقضايا حديثة فى القرن الحادى والعشرين، مع كل الاحترام والتقدير لهم ولعلمهم الذى خدم عصورهم، ونذكر على سبيل المثال إذا طالب أحد بتغير فى ثوابت الشريعة كالمطالبة بمساواة الذكر والأنثى فى الميراث، أو المطالبة بأحقية الزواج بين المثليين، فهذه مطالب مرفوضة شكلا وموضوعا لتعارضها مع الشريعة، وهذا هو المقصود من النصين السابقين، وليس تحكيم الدين ورجالاته فى تشريعات الدولة الحديثة أو المدنية.

هكذا يؤكد طه حسين فى كتابه «الفتنة الكبرى - 1» بقوله «لم يكن النظام (فى عصر الخلفاء) نظاما سماويا، وإنما كان نظاما إنسانيا، (...) لم يكن الخليفة يصدر عن وحى أو شىء يشبه الوحى فى كل ما يأتى وما يدع»، وفضلا عن ذلك فإن من يطالبون بتطبيق الشريعة فى مصر يتهمون ضمنا الدولة المصرية بأنها «كافرة»؛ لأنها لا تطبق الشريعة، وهذا هو المطلوب إثباته من جماعات التكفير، وعلى رأسهم مفكرهم سيد قطب فى نظريته عن جاهلية القرن العشرين.

والتلميح بالتكفير واضح فى خطاب فضيلة الشيخ عندما استفهم عن أى عقل يتحدث الدكتور عصفور، ومع أن العقل واحد فى كل العصور وفى كل الأجناس، إلا أن فضيلته وجد أنواعا للعقل فيتساءل «عن أيِّ عقلٍ يتحدَّثُ؟ (...) هل هو العقل الماركسى المادى (...)؟ أم العقل الليبرالى الوضعى (...)؟ أم عقل ما بعدَ الحداثة؟ أم هو العقل الإسلامى الذى يقوم تنويره على رباط العُروة الوثقى بين الشرع والعقل؟»، وتعبير «العروة الوثقى» هو تعبير قرآنى ورد فى الآية «فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى» (سورة البقرة 256)، فهو بهذا يتهم مُناظِره بعدم الاستمساك بالعروة الوثقى! كما أن مرجعية فضيلة الشيخ إلى حُجَّةُ الإسلام أبوحامد الغزالى، سابقة الذكر، هى دعوة إلى التصوف الذى يناقض العقل؛ لأنه مبنى على الاتصال بعالم الملكوت والأخذ عنه مباشرة.

•••

فإذا كنا حقا نريد من شبابنا أن يعود إلى صوابه، فلا بد أن نبتعد عن خطاب التكفير والجمود الفكرى وأن نعترف بأنه لا خيار لنا، نحن العرب والمسلمين، إلا أن نقبل ونعترف بقيم الحداثة التى لا تتعارض بأى شكل من الأشكال مع قيم ومبادئ الإسلام من حرية وعدالة، وأن نحترم الآخر وأن نقر بالتعددية وأن نؤسس لمنهج عقلى سليم، لا يبحث عن حلول فى اللوح المحفوظ.

أكرم السيسى أستاذ متفرغ بكلية اللغات والترجمة (قسم اللغة الفرنسية)– جامعة الأزهر
التعليقات