تحالفات الضرورة.. لماذا يتحرك محور مصرى – سعودى – تركى الآن؟ - معتمر أمين - بوابة الشروق
الخميس 15 يناير 2026 8:59 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار حسام حسن في الإدارة الفنية للمنتخب؟

تحالفات الضرورة.. لماذا يتحرك محور مصرى – سعودى – تركى الآن؟

نشر فى : الأربعاء 14 يناير 2026 - 7:55 م | آخر تحديث : الأربعاء 14 يناير 2026 - 7:55 م

ما يجرى فى القرن الإفريقى لم يعد تفصيلا هامشيًا فى حسابات الأمن الإقليمى، بل بات أحد خطوط التماس المباشرة مع الأمن القومى العربى، وتحديدًا المصرى والسعودى. من هذا المنطلق يمكن فهم اجتماع 11 يناير الطارئ لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامى فى جدة، والذى جاء فى توقيت بالغ الحساسية عقب الإعلان الإسرائيلى المزعوم يوم 26 ديسمبر الماضى بالاعتراف بإقليم «أرض الصومال» ككيان مستقل.

 


هذا الإعلان لم يُنظر إليه عربيًا وإسلاميًا كخطوة دبلوماسية معزولة، بل كجزء من مسار أوسع يستهدف إعادة رسم خرائط النفوذ والسيادة فى منطقة رخوة أمنيًا ومفتوحة على كل الاحتمالات.
البيان الختامى للاجتماع لم يكتفِ بالرفض السياسى، بل أكد بصورة صريحة أن أى مساس بوحدة الأراضى الصومالية يمثل سابقة خطيرة تهدد النظام الإقليمى برمته، وهو موقف عبّر عنه بوضوح نائب وزير الخارجية السعودى وليد الخريجى، حين اعتبر محاولات فرض كيانات موازية «خطًا أحمر». هذا الموقف لا يمكن فصله عن إدراك متزايد داخل العديد من العواصم العربية بأن ملف الصومال لم يعد شأنًا داخليًا أو حتى إفريقيًا، بل عقدة استراتيجية تتقاطع فيها مصالح إسرائيل، والولايات المتحدة، من جانب ومصالح العديد من القوى الأخرى على رأسها الصين، وتركيا، وهو ما يؤكد أن أمن واستقرار البحر الأحمر قيد التحول من شأن إقليمى تحسمه الدول المطلة عليه إلى شأن له أبعاد دولية تتداخل فيه الدول الكبرى.
• • •
على المستوى العملى، لم يتوقف التحرك عند حدود البيانات. فالمعطيات المتداولة فى الأوساط السياسية والإعلامية تشير إلى أن القاهرة والرياض اتخذتا قرارًا بإغلاق مجاليهما الجويين أمام طيران شحن مشبوه، يُشتبه فى استخدامه لنقل أسلحة إلى ميليشيات الدعم السريع التى تنشط فى السودان وميليشيات أخرى فى القرن الإفريقى. هذا الإغلاق الانتقائى، الذى يسمح بمرور شحنات داعمة للجيش السودانى عبر الأجواء السعودية إلى ميناء بورتسودان، يمثل تحولًا نوعيًا فى أسلوب المواجهة، لأنه يستهدف اللوجستيات وليس الوكلاء فقط، أى شريان الحياة الفعلى للحروب غير النظامية.
فى هذا السياق، يبرز اسم شركة «فلاى سكاى» القرغيزية كنموذج لشركات الطيران التى تعمل كواجهات مدنية لنشاط عسكرى غير مشروع. كما أظهرت التحقيقات تورط الشركة المذكورة آنفًا فى نقل أسلحة إلى ليبيا، واستخدام مطار الكفرة كنقطة هبوط بعيدة عن الرقابة، تعكس طبيعة الشبكات المعقدة التى تربط بين ساحات تبدو جغرافيًا متباعدة لكنها مرتبطة وظيفيًا. الأخطر فى هذا المسار أنه لا يخدم فقط ميليشيات محلية، بل يُستخدم كأداة ضغط استراتيجية على دول مثل مصر عبر العمق السودانى والليبى. ونلاحظ أن كافة الفاعلين المرئيين عبر هذه المسارات هى شركات أو ميليشيات.
مع تضييق الخناق على المسارات الجوية المباشرة، يبدو أن شبكات التهريب اتجهت إلى ما يمكن وصفه بـ«المسار الصومالى البديل»، عبر موانئ بربرة وبوصاصو، ثم نقل الشحنات برًا عبر إثيوبيا وصولًا إلى جنوب السودان إلى الميليشيات. وأحيانا يتغير المسار لحماية شحنات الأسلحة من استهداف الطيران «المجهول» فيلجأ إلى طرق أطول عبر تشاد وليبيا. هذا الطريق الطويل والمعقد لا يقل خطورة عن المسارات الجوية، لأنه يحوّل الصومال إلى عقدة عبور إقليمية، ويمنح الكيانات الانفصالية وزنًا يتجاوز حجمها الحقيقى. وهذه المسارات الجديدة تخلق أو تحول العديد من الميليشيات المحلية والمنتفعين إلى شبكة فاعلة من أمراء الحرب، الذين ينشطون باستعمال التجارة غير الشرعية.
فى المقابل مع التقدم السودانى، يتشكّل ميزان قوى جديد، يتمثل فى عودة الحكومة السودانية إلى الخرطوم واستئناف عملها من العاصمة، إلى جانب فتح مطار بورتسودان للرحلات المدنية، مما يعزز من سيطرة الدولة السودانية واستعادة الجيش السودانى زمام المبادرة. يأتى ذلك مدعومًا بصفقة تسليح باكستانية ضخمة تشمل مقاتلات (جيه إف - 17 ثاندر)، ودرونز هجومية، وأنظمة دفاع جوى بقيمة 1.5 مليار دولار، وكل ذلك بوساطة ودعم سعودى مباشر، بينما تتعرّض الشحنات الموجّهة لقوات الدعم السريع عبر إثيوبيا فى «بنى شنقول» لهجمات مدمّرة. هذه التطورات تحول النزاع من حرب أهلية سودانية إلى مواجهة إقليمية مفتوحة، تضع أديس أبابا أمام خيارات تصعيد محفوفة بالمخاطر، خاصة مع تجمعات الدعم السريع على حدود ولاية النيل الأزرق بهدف الانقضاض على قوات الجيش السودانى وتهديد العاصمة الخرطوم.
• • •
أمام هذا الواقع، تتبلور ملامح تحرك ثلاثى يضم مصر والسعودية وتركيا، لكل طرف فيه دوافعه الخاصة، لكن يجمعهم إدراك مشترك بأن ترك هذا المسار مفتوحًا يعنى استنزافًا طويل الأمد. علما بأن السعودية تلقت طلبًا رسميًا من الحكومة الصومالية لدعم عسكرى مباشر فى مواجهة النزعات الانفصالية، فى تكرار جزئى لسيناريوهات واجهتها الرياض سابقًا فى اليمن. وبالنسبة لتركيا، من جهتها، فيبدو أنها تستعد لتعزيز وجودها البحرى عبر دوريات فى المياه الإقليمية الصومالية، وربما إنشاء بنية لوجستية عسكرية فى شمال شرق البلاد.
لكن اختزال المشهد فى تهريب السلاح وحده سيكون تبسيطًا مخلًا. فالصراع الدائر هو فى جوهره صراع نفوذ دولى على القرن الإفريقى. الولايات المتحدة تنظر إلى المنطقة كجزء من رؤية إسرائيلية عبر عنها نتنياهو برؤية الأجيال، كما تنظر للمنطقة فى نطاق معركة أوسع مع الصين على طرق الملاحة وسلاسل الإمداد، وتتعامل مع الصومال من زاوية براجماتية بحتة، بما فى ذلك استخدام أدوات ضغط مثل تعليق المساعدات. فى المقابل، ترى الصين، التى أدانت الاعتراف الإسرائيلى بأرض الصومال وتخشى تواجدًا أمريكيًا - إسرائيليًا فى بربرة أو بصاصو كتهديد لتجارتها عبر باب المندب، أن أى تفكيك للدول القائمة يهدد مصالحها ويغير البيئة الاستراتيجية التى تعمل فيها، وهو ما يفسر دعمها السياسى لوحدة الأراضى الصومالية وقد تفعّل قاعدتها فى جيبوتى لدعم حظر بحرى مشترك، وذلك فى محاولة لمنع خلق «أمر واقع» فى القرن الإفريقى مشابه للأمر الواقع الذى تحاول أمريكا فرضه فى إيران والذى يضر أيضا بمصالح الصين.
فى المحصلة، ما نشهده اليوم هو محاولة لفرض «معادلة إغلاق» فى وجه شبكات التهريب والمشاريع الانفصالية، عبر تلاقى الأدوات السياسية والعسكرية والأمنية. لن يقاس نجاح هذا المسار فقط بوقف تدفق السلاح، بل بقدرة القوى الإقليمية على تحويل هذا التحرك من رد فعل ظرفى إلى سياسة مستدامة تعيد تعريف حدود النفوذ والتدخل فى واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة وتشابكًا، خاصة مع تصريحات أرض الصومال عن قاعدة إسرائيلية مرصودة وتنسيق إثيوبى محتمل. علما بأن أدوات الضغط لتحقيق ذلك لا تقل أهمية عن الهدف!

معتمر أمين باحث في مجال السياسة والعلاقات الدولية
التعليقات