سياسات أعدت لتفشل.. تحدٍ لطريقة تفكيرنا فى وضع السياسات - قضايا إفريقية - بوابة الشروق
الإثنين 16 ديسمبر 2019 7:54 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

سياسات أعدت لتفشل.. تحدٍ لطريقة تفكيرنا فى وضع السياسات

نشر فى : الأحد 14 أبريل 2019 - 10:15 م | آخر تحديث : الأحد 14 أبريل 2019 - 10:15 م

نشرت مؤسسة Institute For Security Studies مقالا للباحثين «شاندرى جولد» و«ماتودزى أميسى» يتناول إخفاق دولة جنوب إفريقيا عن وضع سياسات لمواجهة العنف فى المجتمع. فيرجعوا السبب إلى عدم قدرة جنوب إفريقيا على وضع سياسات تتواءم مع ما لديها من إمكانيات وسياقات تختلف مع السياسات أو النماذج الناجحة التى تقوم الدولة بتبنيها من الخارج. ويرى الباحثان أن جنوب إفريقيا يجب عليها أن تعمل على التوصل إلى سياسات تتوافق مع بيئتها.

استهل الكاتبان الحديث بالإشارة إلى ما يحدث فى كنوب إفريقيا من عنف متزايد. ويرون أن أتباع ومستخدمى مواقع التواصل الاجتماعى، من الصعب ألا يستحوذ عليهم الإحساس المستمر والجمعى بالفشل فى جنوب افريقيا والذى يؤدى إليه ــ إلى جانب أسباب أخرى ــ التقارير اليومية عن العنف.
ويقول الباحثان إنه فى كثير من الأحيان يقول الباحثون والناشطون إن جنوب إفريقيا لديها سياسات وقوانين ممتازة ــ ولكن تكمن المشكلة فى عدم القدرة على تنفيذها. وهذا يعنى أن الخطأ قادم من هؤلاء المكلفين بتطبيق هذه القوانين، وإذا كان هناك أفراد فى الحكومة لديهم القدرة والكفاءة فستنجح الدولة فى تنفيذ سياساتها واستراتيجياتها. وهذا بدوره سيؤدى إلى خفض مستويات الفقر وعدم المساواة والعنف بين الأشخاص.
ولكن طريقة التفكير هذه خاطئة، فقدرة الحكومة ليست إلا جزءا من المشكلة. فالمشكلات المعقدة التى تواجه المجتمع ــ مثل ارتفاع مستويات العنف بين الأشخاص ــ تتطلب استجابات دقيقة ومرنة. فالقيام بتحليل ذات بعد واحد (ضعف قدرة المسئولين الحكوميين) والاستجابة ذات البعد الواحد (تدريب المسئولين الحكوميين) غير كاف ومضلل.
السياسات الجيدة لا تضمن فقط حقوق المواطنين، بل تتوافق أيضا مع قدرات وموارد الدولة وما يوجد من احتياجات. ففى الأخير، القانون أو السياسة لا قيمة لهما إذا لم يكن هناك طريقة لتفعيلهما على أرض الواقع أو إذا ما كانت تتوافق مع الحياة الواقعية.
***
إذن، أين يكمن الخطأ فى جنوب افريقيا؟ يحدد كل من «لانت بريشيت» و«مايكل ووكوك» و«مات أندرو» العوامل والتقنيات التى تؤدى إلى فشل الدولة المستمر. فيقولون إن أحد الأخطاء الرئيسية التى ارتكبت فى عملية التنمية هو طريقة تناول علاج المشكلات المعقدة (مثل العنف) على أنها مشكلات بسيطة، والاعتقاد أن كل ما نحتاج القيام به هو تبنى الحلول الجاهزة.
فينتج عن ذلك الاعتقاد بأنه من الممكن أن نقوم بإسراع عملية التنمية إذا خرجنا إلى العالم وبحثنا عن أمثلة (أو الأسوأ من ذلك، بحثنا عن نماذج) عملت فى أماكن أخرى وتكريرها.
منذ 1994، تم القيام بهذا فى جنوب إفريقيا بطرق مختلفة، على سبيل المثال من خلال القيام بجولات لدراسة الدول الأخرى أو الحصول على توصيات من الباحثين حول أفضل الممارسات فى تطبيق القوانين والسياسات. فتم استيراد الحلول دون تقدير أو فهم للظروف الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التى مكنت هذه الدول من تطبيق هذه الحلول.
وفى النهاية، جمعنا ثروة من التوقعات الفاشلة من خلال تطوير سياسات واستراتيجيات بدت وكأنها تعمل فى سياقات أخرى، ولكن لم ينتج عنها نفس النتائج عند تطبيقها فى جنوب إفريقيا.
بالطبع إننا نستطيع وفى حاجة إلى التعلم مما نجح ومما لم ينجح فى البلدان الأخرى. ولكن على الأحرى كان السبب فى فشلنا هو عدم التساؤل عن سبب نجاح هذه السياسات، والتأكد من أن الظروف تتناسب مع الظروف السائدة فى جنوب إفريقيا. فعدم القيام بذلك، هو الذى أدى إلى الفشل. فتم إنشاء أنظمة معقدة لا تكشف ما يفتقر إليه من قدرات لازمة، بل تخلق وهمًا بأن جميع المتطلبات اللازمة لتحقيق الكفاءة قد تم الوفاء بها.
هذا أمر بالغ الأهمية يجب مراعاته فى الوقت الذى تعمل فيه جنوب إفريقيا على وضع استراتيجية وطنية بشأن التصدى للعنف القائم على النوع. يجب معرفة بصدق احتياجات الدولة وما علينا أن نقوم به لمنع وتقليل مستويات العنف المرتفعة. فإذا تم إهمال هذه القضية، فهذا العنف سيؤثر سلبا على الاقتصاد والمصلحة الوطنية والذى سينعكس بدوره على الأجيال القادمة.
***
يجب ألا يكون النشطاء فى مجال المساواة بين الجنسين وواضعوا السياسات ساذجين من حيث الاعتقاد بأن الاستراتيجية الوطنية بشأن العنف القائم على النوع ستكون حلا سحريا. فلا يعد نقص الاستراتيجيات والخطط والسياسات هو السبب وراء معاناة جنوب افريقيا لحل هذه المشكلة. فتقرير قسم التخطيط والمراقبة والتقييم حول استجابة الحكومة للعنف ضد الأطفال والنساء وجد أن القوانين والسياسات كانت شاملة للجوانب الأساسية لمكافحة هذه الظاهرة، ولكن الموارد البشرية والمالية اللازمة لإنجاحها لم تكن متوافرة.
وأشار أيضا التقرير إلى الخطأ الموجود فى سياسات وطريقة الإنفاق. فتنفق جنوب افريقيا أكثر من 80 مليار راند سنويا على تطبيق الأمن ولكن أقل من 10% من هذا المبلغ يتم إنفاقه على الخدمات والبرامج المقدمة للناجيين من العنف والتى تعمل فى الأساس على منع انتشار العنف. كما أن القوى العاملة سواء الحكومية أو فى المنظمات غير الحكومية مثقلة بالأعباء، وتأثروا أنفسهم بالصدمات النفسية وتعرضوا للعنف ما يجعلهم غير قادرين على توفير الرعاية الجيدة. وفى نفس الوقت، عجزت القيادات الضعيفة وغير المتناسقة من الحكومة والبرلمان على تقديم المساعدات اللازمة.
ويرى الكاتبان أنه من أجل الوصول إلى استراتيجية وطنية قادرة على الحد من العنف ضد المرأة، فيجب إدراج هذه الجوانب. وعلينا أيضا أن ندرك الطبيعة المعقدة للعنف والاتفاق على أنه لا يوجد حل واحد بسيط يمكن أن يتم تطبيقه فى سياقات مختلفة، ولكن خيارات ذات صلة بسياقات مختلفة. فنحن فى حاجة إلى نظام قادر على دراسة واستشعار والاستجابة للمشاكل.
تحتاج جنوب إفريقيا إلى تبنى حالة تسمح وتشجع على الابتكار ــ ما يعنى أنه يجب توقع الفشل، ولكن يجب أن نكون قادرين على تخطى هذا الفشل والتعلم بسرعة من أخطائنا.
تحتاج جنوب افريقيا إلى التخطيط والميزانية ونظم المراقبة والتقييم والتى تسمح باكتشاف وتكرير السياسات التى يتم التوصل إليها. ويجب أن تكون السياسات مرتبطة بالسياق وتتواءم مع القدرات والاحتياجات التى من المفترض أن تخدمها. فيقول الكاتب إنه باختصار يجب أن نبدأ من حيث نحن، وليس من حيث ما نتمنى أن نكون.
وما يعنيه هذا أنه من أجل منع العنف، يجب علينا أن نقبل بأن معظم التدخلات ستكون من جانب منظمات المجتمع المدنى، والتى ستكون فى حاجة إلى التمويل فى المستقبل القريب. وتحتاج الدولة إلى توفير القيادة السياسية والتوجيهات اللازمة دون أن يشكل هذا قيدا على الممارسات الناشئة.

التعليقات