السياسة على إيقاع الزار - محمد موسى - بوابة الشروق
الأحد 15 ديسمبر 2019 5:54 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

السياسة على إيقاع الزار

نشر فى : الأربعاء 14 أكتوبر 2015 - 8:35 ص | آخر تحديث : الأربعاء 14 أكتوبر 2015 - 11:40 ص

الانهيار المالى والأدبى للإعلام المصرى يأتى مدويا، بحجم الجرائم التى قادتنا جميعا إلى هنا، وأولها «توسيد الأمر لغير أهله».

فى السنوات الأخيرة فقد الإعلام تدريجيا ثقة المواطن، وهو يسطر يوميا فضائحه التاريخية. نحن الذين اتهمنا شعب المغرب بالتربح من الدعارة، وطردنا السفير الأثيوبى على الهواء، وردحنا لمنظمات حقوق الإنسان التى لا تعجبنا بياناتها. نحن الذين رفعنا الحذاء للمتفرجين من أبناء غزة، وصرخنا فى المشاهدين لإنقاذ عساكر الجيش من هجوم الأقباط فى ماسبيرو، ثم طالبنا الرئيس بأن يضرب فى سويداء القلب. نحن الذين صورنا الأبرياء عرايا فى حمام الرجال، ولفقنا لهم اتهامات الشذوذ والعار، وأخرجنا العفاريت من أجساد الملبوسين أمام الكاميرات، ونحن من أحرق بيوت البهائيين فى الصعيد.

لكن الإعلام تفوق على نفسه فى كوميديا الفارس، عندما بدأ ينقل مواد ساخرة أو غير دقيقة بوصفها حقائق، وواقعة بث فيديوجيم على أنه غارات روسية على داعش ليست الأولى من نوعها، من إعلام لم يعد يلتزم بدقة المعلومة، وليس مؤهلاً من الأصل للتدقيق فيما يقدمه.

«شفتم حضراتكم الدقة؟. حنشوف دلوقتى. دى أفراد وميليشيا ومسلحين وعربيات، عناصر ميليشيا تنظيم داعش الإرهابى، (مشهد انفجار) بالسلامة، واللى جاية دى وراها كمان. ما بيسيبش ولا عربية ولا فرد. لو فرد واحد بيدى له صاروخ. بيجرى، شوف حيعمل فيه ايه دلوقتى. عشرة، عشرين واحد فى المنطقة دى، كل دول عناصر من تنظيم داعش الإرهابى، شوف الروس عاملين فيهم ايه».

كان الوصف الحماسى الخالى من أى تحليل سياسى أو عسكرى، مناسبا للعبة الفيديو الوهمية، ودليلا جديدا على أن مهنة الإعلام أصبحت فى وضع «اللامهنة»، والجميع يدفع الثمن.

باختفاء الأحزاب السياسية الحاكمة والمعارضة، تولى الإعلام الجاهل توزيع جرعة سياسة «لايت»، مخلوطة بالزار والعفاريت وزنا المحارم. أصبح الإعلام هو الحزب السياسى الوحيد الذى يفرض عناوين للنقاش، ويتجاهل أخرى، ثم يسهر حتى الفجر فى مشاهد الطفل الذى يرقص بسكينة. لكنه ليس حزبا سياسيا يتصرف بمسئولية أو يحترم تنوع مشاهديه، وذكاءهم.

أصبح الإعلام «هو الوسيط بين المواطن والسياسة، وتحول بفعل فاعل إلى أحد أشكال الدعاية السياسية وتعبئة الرأى العام، بما يخدم مصالح أفراد وجهات ومؤسسات ذات صلة بالنظام، أو برجال الأعمال، أو الاثنين معا»، كما كتب الزميل ياسر ثابت، فى كتابه المهم «المتلاعبون بالعقول»، لكن الإعلام أبدا ليس فى خدمة المواطن.

خرجت أمة النمل هذه من حقبة توريث جمال، لتملأ شاشات التوك شو ليلا، تفح في وجوهنا أنواعا من الجهل والتدليس والأخبار الكاذبة. ثم تصاحبنا الأصوات نفسها صباحا على موجات الإف إم التي يحتكرها النظام، لتقتل فينا كل أمل في نسمة هواء واحدة جديدة، نظيفة.

قبل يومين، وعلى صفحات الشروق، وصف يسرى فودة المشهد الراهن بأنه «مستنقع حُفر عمدا وعُمق تطوعا بهدف الانتقام من شعب رفع رأسه مترا واحدا فاهتزت أركان النظام الفاسد»‪.‬

وسيكتمل المشهد، كما كتب الخبير القانونى والدستورى نور فرحات، بعد انتخاب «برلمان من الموافقين لا يزعج السلطة التنفيذية ولا يراجعها ولا يعيد النظر فى القوانين التى صدرت بالمئات عن الرئيسين المؤقت والدائم وبعضها غير دستورى. وأن يعمل هذا البرلمان على تعديل الدستور لاعادة كفة الميزان لمصلحة رئيس الجمهورية».

سوف يهلل البرلمان للنظام، ويحتفل الإعلام بالبرلمان، فمن أين تأتى نسمة هواء جديدة نظيفة فى حفل الزار؟

محمد موسى  صحفي مصري