الأزهر.. الشجرة التى يرمونها بالحجارة - ناجح إبراهيم - بوابة الشروق
الإثنين 6 أبريل 2020 1:52 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

الأزهر.. الشجرة التى يرمونها بالحجارة

نشر فى : السبت 14 ديسمبر 2019 - 1:10 م | آخر تحديث : السبت 14 ديسمبر 2019 - 1:10 م

قدم من بلاده قاصدا الأزهر والتقى بالشيخ محمد عبده ثم عاد إلى الهند وأصبح وزيرا للمعارف بعد استقلالها فأطلق صيحته الشهيرة: «إذا كان للمسلمين قبلة يتوجهون إليها فى صلاتهم كل يوم خمس مرات وهى الكعبة فإن لهم قبلة أخرى يتوجهون إليها فى كل وقت لطلب العلم وهى الأزهر».. وعلى الرغم من ذلك ما يزال بعضنا يهيل التراب على الأزهر ويريد هدمه أو تقزيمه.
لقد عرف الرئيس الراحل جمال عبدالناصر مكانة الأزهر الروحية وقوة منبره حينما أراد أن يخاطب العالم العربى والإسلامى ليستنجد به لصد العدوان الثلاثى والوقوف إلى جوار مصر فوقفت الدنيا كلها إلى جواره.
ليس هناك مكان عرف التعددية مثل الأزهر الشريف الذى خطبت على منبره «نظلة ليفى» اليهودية المصرية يوم 16 إبريل 1919 وخطب على منبره القمص «سرجيوس».
وهو أول مؤسسة فى العالم الإسلامى فتحت باب البعثات العلمية إلى أوربا، وكان أول علمائه إليها الشيخ رفاعة الطهطاوى.
من الأزهر تخرج عشرات الزعماء والمجاهدين منهم الأمير محمد بن على الإدريسى مؤسس دولة الأدارسة باليمن، ومنهم محمد صديق خان حاكم يهوبال ومصلح شأنها وكان يعيش فى الأزهر فى رواق البخارية «وهم الطلاب القادمون من جنوب روسيا» والذى جمع بين الحكم الصالح والعلم النافع وألف أكثر من 70 كتابا.
ومنهم الشيخ محمد عبدالله حسن الشهير بالملا الصومالى الذى قاد الكفاح ضد الإنجليز والايطاليين فى الصومال وحقق انتصارات عليهم ولم يشغله ذلك عن الكتابة والتأليف.
ومنهم الرئيس الثالث لجزر المالديف «مأمون عبدالقيوم» ومنهم «هوارى بومدين» الذى قاد الكفاح ضد الاستعمار الفرنسى وحكم الجزائر ووقف مع مصر بقوة بعد هزيمة 5 يونيه، ودفع ثمن جزء من صفقات الدبابات والطائرات الروسية التى عوضت خسائرنا أثناء الهزيمة وحشد العالم العربى لنصرة مصر.
ومنهم الرئيس الإندونيسى «عبدالرحمن واحد» وهو أول رئيس منتخب بطريقة حرة مباشرة فى تاريخ إندونيسيا وكان زعيما لحركة نهضة العلماء الرسمية التى ينتسب إليها 30 مليون إندونيسى.
ومنهم الزعيم الوطنى أحمد عرابى، وعبدالله النديم، وعبدالعزيز جاويش، والرئيس الأفغانى د. برهان الدين ربانى، وزعيم ثورة 1919 سعد زغلول الذى كان يقدر الأزهر تقديرا عظيما وأدرك أن ثورة 19 لن يكون لها زخم حقيقى إلا إذا انطلقت من الأزهر فكان القساوسة وزعماء الطائفة اليهودية يخطبون فى الأزهر فالأزهر منح الثورة الشرعية والانطلاقة الكبرى.
وعلى الرغم من كل هذا الرصيد من الزعماء يصر البعض اليوم على تكرار الطعن فى الأزهر وإهالة التراب عليه، أو يدعى أن مناهجه تخرج المتطرفين ولذا يجب دمجه فى التعليم العام، وكأن التعليم العام مقدس ولم يخرج منه كل زعماء المجموعات الإرهابية والمسلحة أو المتطرفة، فهؤلاء تخرجوا فى الطب والهندسة والعلوم والآداب فى الجامعات المدنية، فهل تخرج الظواهرى أو بن لادن أو شكرى مصطفى ومن معه من الأزهر، أو تخرج هشام عشماوى من الأزهر أو تخرج قادة داعش من الأزهر، لا إنصاف ولا عدل ولا دقة عند هؤلاء القوم، أين إحصائياتكم يا من تتشدقون بالعلمية والإحصائيات؟!.
وهؤلاء يطالبون بدمج الأزهر ومعاهده فى التعليم العام مع أن خريج دبلوم الصنايع أو الزراعة أو التجارة لا يعرف الفاعل من المفعول ويخطئ فى كتابة أبسط الأسماء وقد جربناهم مرارا فى العيادات والمستشفيات.
ألا يعرف هؤلاء أن الدبلومات الفنية كلها فى مصر عبارة عن غش فى غش ودروس خصوصية لا من أجل العلم بل من أجل الدرجات، بل إن بعض خريجى الجامعات ومنها كليات الآداب والحقوق التى يدرس بها بعض مهاجمى الأزهر لا يقيمون جملة ويخطئون فى كتابة أسماء كثيرة ولا يعرفون أبجديات العلم.
التعليم العام لدينا فاشل بامتياز وكله دروس خصوصية والجميع يعلم ذلك، وعلى الرغم من ذلك يصر هؤلاء على إلغاء التعليم الأزهرى.
هؤلاء يعرفون عفة وعلم وزهد وفقه العلامة د. الطيب ومجهوداته العالمية لنشر الحب والإخاء والسلام والمساواة، ويعرفون أهمية كل الوثائق التى أصدرها الأزهر وآخرها وثيقة الأخوة الإنسانية مع بابا الفاتيكان وأنه الوحيد فى مصر الذى لا يتقاضى مرتبا ويترك سيارة المشيخة فى إجازته ليركب سيارته المتهالكة منذ السبعينيات ولا يكلف أحدهم نفسه أن يثنى على خطواته على الرغم من أنهم كانوا يستجيرون بالأزهر أيام سطوة الجماعات الدينية.
يعلمون أن الأزهر مراقب حاليا من الجهاز المركزى للمحاسبات ومتابع من جهات أخرى كثيرة، وعلى الرغم من ذلك يطلقون ألسنتهم بأن الأزهر لديه أموال والدولة أولى بها، ألم يكفهم أن الأوقاف الخاصة بالمساجد والعلماء صودرت من أيام الستينيات بعد إلغاء الوقف الإسلامى الذى لم يعد وعاد غيره.
هل الأزهر يخرج متطرفين؟ هل كانت جامعة السوربون غافلة عن ذلك هى التى منحت شهاداتها لمئات من علماء الأزهر منهم «مصطفى عبدالرازق»، «عبدالرحمن تاج»، «عبدالحليم محمود»، «د.دراز»، «د. الطيب».
ألم تكن جامعة كمبردج تعرف الذى عرفه هؤلاء العباقرة لتمنح الدكتوراه لعشرات آخرين من علماء الأزهر.
أليس الأزهر هو الذى خرج من قبل أئمة الإسلام العظام الذين علموا الأمة كلها مثل العز بن عبدالسلام الذى شارك قطز فى نصر عين جالوت، وابن خالدون عبقرى ومؤسس علم الاجتماع السياسى الحديث.
وخرج علامة العلماء جلال الدين السيوطى الذى مات وعمره 45 عاما وألف أكثر من مائة كتاب عظيم.
ألم يتخرج منه الطهطاوى رائد النهضة العلمية الحديثة فى مصر وأول من نقل الدساتير للعالم العربى بأسره.
ألم يتخرج منه المؤرخ العظيم القلقشندى، وابن حجر العسقلانى شارح صحيح البخارى، وابن حجر الهيثمى الفقيه الشهير، ألم يخرج من بين أروقته الجبرتى أعظم مؤرخ مصرى فى العصر الحديث، ألم يخرج ابن دقيق العيد؟ فهل تخرج هؤلاء عبثا ولهوا ودون منهجية سديدة؟ أم ماذا؟!.
أما الأولياء والصالحون الذين تخرجوا منه فمنهم رائد التصوف السنى العلمى الصحيح محمد زكى إبراهيم رائد العشيرة المحمدية، الشيخ صالح الجعفرى، وخطيب الأزهر الصوفى الزاهد إسماعيل صادق العدوى، ومحمد الطاهر الحامدى إمام وشيخ الطريقة الحامدية الشاذلية، سيدى أحمد الدردير، وعبدالله الشبراوى، وكل هؤلاء حملوا لواء الحب والزهد والإنصاف والإحسان فمن أين سيأتى التطرف يا أرباب التطرف العلمانى؟
ألم يخرج الأزهر من قبل الشيخ المراغى الذى كان الملوك يحسبون له ألف حساب، ومتولى الشعراوى الذى ملأ الأرض علما وفكرا صحيحا ونبلا وكرما ويحاول البعض زحزحته عن مكانته فلا يستطيعون ذلك على الرغم من حياتهم وموته، إنه قوى على الرغم من موته، وهم ضعفاء على الرغم من حياتهم، شعبيته طاغية وهو فى قبره، ومقالات هؤلاء وكلماتهم قدحا فيه لا يكاد يقرؤها أحد ولا يعيرها أحد التفاتًا.
ألم يخرج الأزهر العلامة د. طه جابر علوانى الذى ملأ أمريكا علما وحكمة وأنشأ جامعة قرطبة فى أمريكا وتلاميذه يملئون العالم الآن.
ألم يخرج الشيخ الباقورى الذى شرفه الله بإنشاء جامعة الأزهر بفروعها العلمية المتعددة والتى أصبحت اليوم صرحا هائلا.
اجمعوا رؤساء الأحزاب السياسية وكبار الساسة فى العالم الإسلامى وليسافروا إلى أى بلد عربى أو إسلامى ومعهم شيخ الأزهر وتأملوا الحفاوة الطبيعية والتلقائية والجماهيرية ستكون لمن؟
الأزهر من أعظم القوى الناعمة لمصر والذين يريدون هدمه أو إقصاءه أو تقزيمه لا يريدون خيرا لمصر.
لو لم يخرج الأزهر سوى البوصيرى صاحب البردة الشهيرة لكفاه.
لو لم يخرج سوى علامة الشام د. «البوطى» لكفاه.
لو لم يخرج إلا عكرمة صبرى مفتى القدس لكفاه.
لو لم يخرج سوى يوسف العظم شاعر الأقصى لكفاه.
لو لم يخرج إلا «عبدالله نوح» شاعر إندونيسيا، أو «فؤاد معصوم» الرئيس العراقى الأسبق لكفاه.
ولو لم يخرج سوى «محمد الفتيورى» شاعر إفريقيا، وشاعر السنغال «مصطفى عثمان آل»، وشاعر روسيا «محمد السركاوى» أو أمير شعراء الكويت «أحمد مشارى» وشاعر السودان «عبدالله البشير» لكفاه.
يا قوم أسألوا أنفسكم من أين تخرج «عبدالله شمس الدين» صاحب نشيد «الله أكبر فوق كيد المعتدى» التى شدت بها مصر كلها عقب العدوان الثلاثى، وأصبح نشيد الصباح فى المدارس.
من أين تخرج ابن الفارض الشاعر الصوفى الكبير؟ وأين تربى وتعلم المنفلوطى؟ وأين تعلم رائد التعليم فى مصر«زكى مبارك» الذى نسبت جهوده العظيمة لغيره؟ حتى حكمه الرائعة نسبت لغيره الذى يعشقه متطرفو العلمانية.
من يريد أن يعرف مكانة الأزهر وتاريخه وعظمته فليقرأ ما كتبه المستشرق الفرنسى «ماسينون» الذى درس عامين فى الأزهر، أو يقرأ ما كتبه الحبر الكاثوليكى «هانز كونج» مستشار بابا الفاتيكان السابق، أو ما كتبه المؤرخ الغربى الكبير «فيليب حتى».
ومن أراد أن يعرف عبقرية الأزهر وقبوله للتعددية فليسأل أولئك الذين تخرجوا من قبل من رواق الأقباط فى الأزهر فصاروا بعد ذلك من أعمدة الصحافة والكتابة فى مصر والعالم العربى ومنهم أولاد العسال، وجورج إبراهيم أول رئيس تحرير لجريدة وطنى، والمحامى الوطنى الحر وصاحب أعلى المرافعات بيانا وقوة «مكرم عبيد» والذى قالت ابنته د. منى مكرم عبيد أن الأزهر ليس للمسلمين فحسب ولكن للمسلمين والمسيحيين بل للعالم أجمع، كما تخرج من رواق الأزهر ميخائيل عبدالسيد.
فى مؤتمرات الأزهر التى يعقدها د. الطيب رأينا فيها علماء المسلمين جميعا السنة والشيعة، والمسيحيون بأطيافهم الثلاثة الأرثوذكس، والكاثوليك، والبروتستانت من مصر والعالم، ورأينا بعض أحبار اليهود الذين يؤيدون الحق الفلسطينى والعشرات من رؤساء الجمهوريات ورؤساء الحكومات السابقين يحضرون من العالم كله إجلالا للأزهر ولشيخه الزاهد العفيف، مثل مؤتمر الأزهر عن القدس أو غيره من مؤتمراته المهمة.
حينما جاءت الحملة الفرنسية لم تشعر بالخطر إلا حينما انطلقت ثورات القاهرة من الأزهر، وحاول نابليون استرضاء شيوخ الأزهر، ولما لم يفلح الفرنسيون فى ذلك قصفوا الأزهر بالمدافع ودنسوه بخيولهم.
وكذلك حاول الإنجليز استرضاء علماء الأزهر وضمهم إلى جانبهم ولكن هيهات هيهات,فقد انطلقت الثورات منه.
لا توجد بقعة فى العالم لم تشع منها أنوار الأزهر.
لا توجد مكتبة فى العالم لا تحوى عشرات الكتب التى ألفها أزهريون أو تحكى عن تاريخ الأزهر.
الذين يتهمون الأزهر بتخريج المتطرفين ينسون أن عشرات الدول تطلب علماء الأزهر وترسل أبناءها إلى الأزهر للدراسة فى كل مراحلها» وهذه الدول لها مخابراتها وأجهزة جمع معلوماتها وكأن هذه الثلة تعرف أكثر من هذه الدول ومؤسساتها الأمنية، فالمعاهد والجامعات والإرساليات التابعة للأزهر تجوب العالم كله فى وضح النهار.
اسألوا التاريخ الممتد عبر ألف عام سيحكى لكم عن الأزهر ورجاله الذين طافوا العالم كله، لينشروا الدعوة إلى الله والعلم النافع ووصل الخلق بالحق سبحانه.
اسألوا الجغرافيا ستحكى لكم عن علماء الأزهر الذين صالوا وجالوا بالحق والفضيلة، والشريعة والحقيقة، والعلم بالله والعلم بأمر الله، ووسطية الإسلام واعتداله فى ربوع الدنيا كلها، تراهم فى أفريقيا وآسيا وأوربا وأمريكا.
سلام على علماء الأزهر المخلصين.. ودعاته الأوفياء.. وشيخه الزاهد العابد.. ومرحبا بالحجارة إذا ألقيت على الشجرة المثمرة:
وكم على الأرض من خضرا ويابسة *** وليس يرجم إلا مــا لــه ثمـــر

التعليقات