المسيح ابن مريم.. وفقه المقاصد - ناجح إبراهيم - بوابة الشروق
السبت 10 يناير 2026 10:53 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من ترشح لخلافة أحمد عبدالرؤوف في تدريب الزمالك؟

المسيح ابن مريم.. وفقه المقاصد

نشر فى : الجمعة 9 يناير 2026 - 5:55 م | آخر تحديث : الجمعة 9 يناير 2026 - 5:55 م

 

•    قدم بعض العراقيين على المدينة يسألون عبدالله بن عمر عن حكم دم البعوض؟ وهل ينجس الثوب أم لا؟ فقال لهم متهكمًا من تدينهم المغشوش وساخرًا من فهمهم المغلوط لحقائق الدين والحياة: تقتلون الحسين ابن بنت رسول الله بدم بارد وتسألون عن حكم دم البرغوث.

•    وكأنه يقول لهم: اتركوا البرغوث ودمه «فى حاله»، ولا بأس عليكم من قتله ودمائه، ولا حرج عليكم فى كل ما يتعلق به حياة أو موتا، واسألوا عن مصيبتكم الكبرى والعظمى وهى تواطؤكم على قتل الحسين ابن بنت رسول الله، وخداعكم له بالبيعات الكاذبة، وعندما جد الجد تركتموه يصارع الجيوش وحيدًا.

•    أمثال هؤلاء يقدمون المندوب على الواجب، ويقدمون فرض الكفاية على فروض الأعيان، ويتركون الصغيرة ويرتكبون الكبائر، ويقتلون ابن بنت رسول الله بدم بارد ويحزنون لدم البرغوث، وهؤلاء كثر فى كل العصور والغريب أنهم يتصدون أحيانا للإمامة أو الفتوى أو الخطابة والدعوة، فتصبح النفوس بدعوتهم باهتة الضمير، فاسدة القلب.

•    اشتد المرض على امرأة من بنى إسرائيل يوم السبت فلم تجد بدًا من الذهاب للمسيح عيسى عليه السلام ليعالجها حتى برأت من مرضها، وبدلا من أن يفرح الكهنة بشفائها إذا بهم يغضبون غضبا شديدا وعلى رأسهم رئيس الكهنة الذى واجه المسيح بقوله: «كيف تبرئ يوم السبت؟»، وهو اليوم المقدس، الذى يتعطل فيه كل شىء.

•    فإذا بالمسيح يلقنه والأجيال كلها درسا قاسيا فى فقه المقاصد والاهتمام بالجوهر قبل المظهر، والإنسان قبل الرسومات والأشكال قائلا: «يا مرائى أفئن سقط حمارك فى بئر يوم السبت أنقذته وأبرأته، وحين يمرض إنسان تتركه فى علته إلى يوم الأحد»، هذا مثال من حربه الشرسة على التدين المغشوش الذى يفصل النصوص عن مقاصدها ويعزلها عن سياقاتها ويمزقها تمزيقا.

•    لقد أراد المسيح أن يلقن الفارسيين واليهود والرومان درسا لا ينسوه عن التدين الحقيقى الذى يهتم بالجوهر قبل المظهر وبالثوابت قبل المتغيرات وبالفرائض قبل السنن، وترك الكبائر قبل الصغائر.

•    أما ابن عمر فأراد أن يعالج التدين المغشوش فى نفوس كل الأجيال منطلقا من هذا الدرس الذى أعطاه للعراقيين الذين يسألون عن دم البعوض بعد أن قتلوا الحسين رضى الله عنه.

•    إنه التدين المغشوش الذى جر الويلات تلو الويلات على هذه الأمة المنكوبة بعقول أبنائها وسوء تصرفهم.

•    إننى أعتقد جازما أن أزمتنا الحقيقية هى أن التدين فى أمتنا كثير، ولكن أغلبه من نوعية وعينة «التدين المغشوش» الذى لا يسمن ولا يغنى من جوع، فكل صراعاتنا ونزاعاتنا التى يظن الجميع أنها على الدين أو الوطن هى فى حقيقتها على الدنيا والمناصب، ولكن الجميع يسبغ عليها نكهة التدين أو الوطنية، ويحولها من حروب سياسية مصلحية إلى حروب دينية وطنية.

•    وإذا كانت داعش وأنصار بيت المقدس والميليشيات التى كانت تكفر السنة وتفجرهم فى العراق هى نماذج فجة من التدين المغشوش، فإن هناك درجات من التدين المغشوش فى كل شريحة من شرائح المسلمين لا تقل خطرا عن هذه المجموعات والجماعات.

•    فهل تشفى الأمة من مرضها العضال «التدين المغشوش» أم يتوطن المرض فى جسدها، فتصبح أثرا بعد عين؟!

 

التعليقات