مصطفى الفقى.. اعترافات ومراجعات - سامح فوزي - بوابة الشروق
الثلاثاء 2 يونيو 2026 9:34 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

مصطفى الفقى.. اعترافات ومراجعات

نشر فى : الثلاثاء 2 يونيو 2026 - 8:10 م | آخر تحديث : الثلاثاء 2 يونيو 2026 - 8:10 م

تستطيع أن تقرأ شخصية الدكتور مصطفى الفقى بوضوح، وتكتشف أبعادها، سواء اتفقت أو اختلفت معه، تعاملت معه أو قرأت له، فهو صريح لا يعرف المواربة، ولا يهوى ارتداء الأقنعة، بل يعبر عما يجول بخاطره، وبعض مما يقول يثير جدلًا، ويجلب عليه غبارًا سياسيًا وإعلاميًا، لكنه يعبر عما يقتنع به.

اختار الحياة الأفقية، أى العمل فى مجالات متعددة، فهو أكاديمى، حاصل على الدكتوراه من جامعة لندن، ودبلوماسى شغل مواقع مهمة، ومثقف لم تنقطع اسهاماته الفكرية على مدى عقود، وكاتب صحفى، ومحلل سياسى، له حضوره المؤثر فى الإعلام، وسياسى ظل لسنوات فى دوائر السلطة العليا، ورغم كل ذلك فهو بسيط فى تعاملاته، يرد على كل متصل، ولا يرد سائلا حتى إن لم يعرفه، ويسعى لمساعدة الآخرين، يمتلك بلاغة الحديث، وناصية الكتابة، ولباقة اللسان، والقدرة على التواصل مع الناس.

وقد أتاحت له تجربته العملية والإنسانية الثرية، ومعايشته لأنظمة حكم متعددة، المشاركة فى أحداث، والاطلاع على ما يجرى فى الغرف المغلقة، والتفاعل مع شخصيات عديدة، ولقاء ساسة من كل دول العالم، وهى معرفة وخبرة لا تتاح لكثيرين، لكنه لم يضن بها مثلما فعل غيره، ولم يقع فى أسر الحسابات المعقدة عند الحديث عنها، بل ظل على مدى سنوات يقدمها بأساليب متعددة، مؤرخًا وشاهد عيان، ومحللًا للأحداث، ومتفاعلًا مع شخصيات عرفها عن قرب.

ذومن كثرة ما قال وكتب ظن البعض أنه أفرغ ما فى جعبته خاصة فى مذكراته التى حملت اسم «الرواية.. رحلة الزمان والمكان»، ومن قبلها «سنوات الفرص الضائعة»، ومؤلفات أخرى كثيرة، إلا أنه لا يزال يبهرك بكتابات جديدة، موضوعًا ومعالجة، وأحدثها كتابه «صفحات مطوية.. اعترافات ومراجعات»، الذى شمل أكثر من أربعمائة وخمسين صفحة، ضم 129 مقالًا، ثريًا ومتنوعًا، عبارة عن لوحات مكتوبة، تزينها مقدمة وخاتمة مثيرة تحمل عنوان «اعترافات ختامية»، عبر فيها بنظرة فلسفية عميقة عن شخصيته، وتفاعله مع محطات حياته المتنوعة، لم تخل من محاسبة النفس والاعتراف بالأخطاء، وتعرية الهواجس المطمورة، وسكب المشاعر الداخلية، على نحو غير متعارف عليه فى مثل هذه النوعية من الكتابات التى يميل أصحابها إلى ارتداء ملابس الفرسان أو على الأقل اقنعة تخفى الحقائق والمشاعر وتبرر النقائص.

فى كتابه يمضى الدكتور مصطفى الفقى فى طريقه المعتاد، راويًا متمكنًا، ومحللًا رصينًا، يستخلص العبر والدروس بين ثنايا ما يكتب، فهو «الراوى العليم» الذى نجده فى السرديات الأدبية، يروى الحدث من منظوره، ويرسم شخوصه، ويجسد تفاعلاته، لكنه لم يكتف بذلك، بل دخل فى اشتباك مع نفسه، واعترف بأخطائه، وهواجسه، ومشاعره المكتومة، وجعل القارئ أمام تجربة نقدية بديعة، ليست سيرة ذاتية، أو مذكرات معتادة، بل اختبار وامتحان للراوى ذاته منذ طفولته، مرورا بحياته العملية، وانتهاء بالمرحلة الراهنة، التى تخطى فيها الثمانين من عمره، ويعكف خلالها على استخلاص الدروس، والعبر، وممارسة النقد الذاتى، وقد جعل «الاعتراف» يسبق «المراجعة» فى عنوان كتابه. وفى ذلك دلالة مهمة.

من يطالع الكتاب يجد تحليلًا رصينًا لأحداث وتطورات، لم يغب عن ذهن كاتبها دلالات الماضى، وآفاق المستقبل، وقراءة واعية لتفاصيل صناعة السياسة فى مجتمعنا، وهو الرجل الذى اقترب منها، واكتوى بنارها فى بعض الأحيان، ندرك من حديثه الشجى، الثرى، وبلاغته المعروفة، أن الحياة لا تدوم على حالها، وهى الحكمة التى تعلمها من والده، ما دفعه دائمًا إلى الشعور بالخوف متى اتسعت ابتسامة الحياة له، تلك الحياة التى اكتشف أنها طريقة أكثر منها نظرية، فقد تستطيع أن تصل إلى النتيجة التى تطمح إليها متى أجدت العرض على صانع القرار، وتصل إلى نتيجة مغايرة تماما إذا أسأت العرض، وقد أدرك أن عملية صنع القرار ليست بسيطة بل معقدة، تدخل فيها اعتبارات كثيرة منها النظرات الشخصية، والنوازع النفسية، وفى أحيان كثيرة نظن أن هناك دولة واحدة، بمعنى التناسق والتكامل بين مؤسساتها، فى حين يكشف الواقع أن هناك عدة دول، متنافسة، وأحيانًا متناقضة، ورغم أن المرء قد يختار «التوافق النسبى مع الشرعية»، حسب تعبير الدكتور مصطفى الفقى، متبنيًا نظرة إصلاحية وليست ثورية، فإن مثل هذا التوافق قد يتيح لك أن تعبر عن رأيك، وتحتفظ بهامش نقدى فى كتاباتك، وقد يختل ميزانه، ويجلب عليك المحن، فتجد نفسك ممنوعًا من الكتابة، والظهور فى التليفزيون بعض الوقت، مثلما حدث معه، لكنه عندما يعود إلى الوراء يسعد بما حقق لأنه لعب دور مثقف الدولة، وليس مثقف السلطة، وهو المصطلح الذى صكه له الدكتور على الدين هلال، أستاذ العلوم السياسية المرموق، ورفيق دربه.

خلاصة الكتاب، وكتابات أخرى له، أن الدكتور مصطفى الفقى شخصية استثنائية، فى ثراء خبرته، وتنوع أساليبه فى التعبير عنها، له ذاكرة فوتوغرافية، أهلته أن يقدم الحدث بتشابكاته، وامتلك شجاعة الاعتراف بأخطاء جبن كثيرون عن البوح بمثلها، ما أضفى على كتاباته ثراءً من نوع خاص، إلى حد أن البعض يلومه على صراحته الزائدة، رغم حرصه، ويتململون من جسارته فى الكشف عن أمور لا نراها ظاهرة فى مرآة السياسة.

سامح فوزي  كاتب وناشط مدني
التعليقات