رائحة البارود فى أزمة السد الإثيوبى - عبد الله السناوي - بوابة الشروق
الأحد 29 نوفمبر 2020 3:24 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد فرض غرامة فورية على عدم ارتداء الكمامات بوسائل النقل العام؟

رائحة البارود فى أزمة السد الإثيوبى

نشر فى : الأحد 15 نوفمبر 2020 - 9:40 م | آخر تحديث : الأحد 15 نوفمبر 2020 - 9:40 م

أمام الحوائط المسدودة فى أزمة «سد النهضة» ارتفعت ألسنة اللهب فى السماء الإثيوبية وتبدت بوادر حرب أهلية تضرب ذلك البلد الإفريقى فى وحدته الداخلية.
على مدى أكثر من عشر سنوات بدا التعنت مقصودا ومنهجيا لاستهلاك الوقت حتى يستكمل بناء السد ويبدأ ملء خزانه ويصبح بمقدور إثيوبيا التحكم فى مياه نهر النيل الأزرق، تقرر الأنصبة والحصص، تمنح وتمنع، دون أدنى اعتبار لأية قوانين دولية.
قيل وتردد تفسيرا للتعنت الإثيوبى الممتد جولة بعد أخرى ووسيطا بعد آخر، إن مشروع السد يكاد يكون نقطة الإجماع الوحيدة بين المكونات السياسية والعرقية وسند الشرعية الأساسى فى بلد ممزق يتلمس بصعوبة بالغة طريقه لسد احتياجات مواطنيه.
بدا مشروع السد قضية دولة تبحث عن التماسك الداخلى بقدر ما هو ضرورة تنمية.
قيل وتردد بغير سند ودليل إن القيادة الإثيوبية تفتقد الإرادة السياسية فى التوصل إلى اتفاق نهائى وملزم يؤكد حقها فى الكهرباء والتنمية دون جور على حقى مصر والسودان بالحياة نفسها.
الحقيقة أن التملص من أية التزامات كان تعبيرا عن هذه الإرادة حتى يمكن السيطرة على نهر النيل، أو الإمساك بـ«صنبور المياه» من عند المنبع ووضع مصر تحت الضغط والابتزاز بحسب الظروف المتغيرة وإرادات المصالح المحرضة.
وقيل وتردد إنه إذا ما أبدت أية سلطة تحكم أديس أبابا مرونة ما وفق القوانين الدولية فى المفاوضات قد يطعن على شرعيتها وتفلت معادلات وتوازنات تفضى إلى الاحتراب الأهلى.
لم يكن مشروع السد ضمانة نهائية للتماسك الداخلى، ولا كان التعنت الفادح فى المفاوضات مانعا لصواعق الحرب الأهلية.
ما الذى قد يحدث الآن فى التفاوض المزمن، فيما رائحة البارود فى المكان ومستقبل البلد كله بين قوسين كبيرين؟
إذا لم يمكن السيطرة على التمرد العسكرى فى إقليم «التيجراى» بالحوار ورفع المظالم التى تعانى منها العرقيات المهمشة، فإن تداعياته قد تضرب فى جذور الشرعية، التى تخول أية سلطة توقيع اتفاقيات ملزمة.
كانت إطاحة قائد الجيش وقائد الاستخبارات ووزير الخارجية فى يوم واحد تعبيرا عن عمق أزمة الشرعية المتفاقمة، فكل طرف يطعن الآخر فى شرعيته.
رئيس الوزراء «آبى أحمد» مطعون عليه بعدم الشرعية لتعطيل الانتخابات النيابية عن مواعيدها بذريعة جائحة «كورونا».
بذات القدر فإن المتمردين عليه بالسلاح يوصفون بعدم الشرعية لإجرائهم الانتخابات فى الإقليم دون موافقة الحكومة الفيدرالية.
بالحجم السكانى تبلغ نسبة مواطنى «التيجراى» نحو (6%) من تعداد سكان إثيوبيا، غير أن ما يتوافر عندهم من سلاح وقدرات عسكرية متراكمة لا يستهان بها.
يكفى أن نتذكر أنهم القوة الأولى سياسيا وعسكريا فى إطاحة «مانجستو هيلا مريام» عام (1991)، وأن هيمنتهم على السلطة امتدت حتى أوقات قريبة.
تحت الشعور بالتهميش فى السلطة والتمييز ضدهم لجأوا مجددا للسلاح.
لم تصمد إصلاحات «آبى أحمد»، الذى ينتمى لعرقية «الأورومو»، أمام المنازعات المتفاقمة، وأخذ يتصرف كديكتاتور يهدد ويتوعد مستبعدا لغة الحوار.
كما لم تصادف المصالحة التى أجراها مع أريتريا، وحصد جائزة «نوبل» للسلام على إثرها عام (2018)، توافقا داخليا.
أثارت تلك المصالحة حفيظة «التيجراى»، الذين قاتلوا لسنوات طويلة الإريتريين على طول الحدود المشتركة وخلفها.
زادت الشكوك وتعمقت المخاوف من تغول دور «آبى أحمد» عندما حل الجبهة الحاكمة وأسس حزب سلطة جديدا أطلق عليه «الازدهار»، امتنعت عن الدخول فيه «جبهة تحرير شعب التيجراى».
كان اسم الحزب الجديد قريبا بدلالاته ومعانيه من الاسم الذى أطلق على السد الإثيوبى «النهضة»، غير أن الوعود اصطدمت بالصراعات العرقية وشكاوى التمييز.
بطبيعة الحقائق على الحدود برز فى المشهد المأزوم رجلان.
الأول، الرئيس الإريترى «أسياس أفورقى»، فهو بحكم موقع بلاده جار لإقليم «التيجراى»، يخشى أن يجد نفسه مضطرا للدخول فى حرب جديدة، ولم يتردد فى دعم «آبى أحمد» منتظرا أين تصل مواجهات السلاح.
والثانى، الرئيس السودانى «عبدالفتاح البرهان»، الذى وجد نفسه فى زاوية صعبة تحت ضغط النزوح المتوقع إلى بلاده هربا من جحيم الاقتتال الأهلى بتقدير أولى (200) ألف إثيوبى، وذلك فوق طاقة السودان المنهك بأزماته الاقتصادية والاجتماعية.
هكذا تبدو انشغالات الجوار فى أوقات انفلاتات السلاح.
فى مثل هذه الأحوال والمستجدات لا يمكن الرهان على التوصل لأى اتفاق ملزم بشأن «سد النهضة».
لا وساطة الاتحاد الإفريقى مجدية، ولا الذهاب إلى مجلس الأمن ممكنا لحين اتضاح الحقائق الجديدة فى إثيوبيا المشتعلة بالنيران.
المأساوى فى التطورات الإثيوبية أن العالم غير مهيأ لتدخل جدى يوقف صدامات السلاح.
لا الولايات المتحدة بوارد استخدام نفوذها لوقف إطلاق النار انشغالا باستحقاقات نقل السلطة فيها، التى تعانى ارتباكا غير مسبوق فى إجراءاتها.
ولا الاتحاد الأوروبى بوارد التدخل بأكثر من نداءات وقف إطلاق النار وحفظ سلامة المدنيين.
ولا الاتحاد الإفريقى يمتلك القدرة على وضع حد لخلافات وصراعات مزمنة فى البيت الإثيوبى.
مع ذلك كله فإن الأطراف كلها تدرك، بصورة أو أخرى، أن ما يحدث فى إثيوبيا يضرب الأمن الإقليمى فى القرن الإفريقى داخلا فيه الأمن المائى للدول المتشاطئة على نهر النيل.
أخطر التداعيات «بلقنة إثيوبيا»، وهذا نذير فوضى ضاربة يضر بمصر، التى من مصلحتها الاستراتيجية سلامة إثيوبيا ووحدتها بقدر حفظ أمنها المائى.
إذا ما تكرر «السيناريو اليوغسلافى» فى إثيوبيا، وتفككت الدولة الواحدة إلى دول متنافرة بعد حروب طاحنة شهدت كوارث ومآسى إنسانية، فإن العواقب الاستراتيجية سوف تكون وخيمة.
هذه حقيقة تستدعى مقاربات جديدة.
لم يكن أحد يتوقع أن تدخل إثيوبيا حربا أهلية طاحنة، فيما أزمة السد تراوح مكانها منذرة بسيناريوهات تدخل عسكرى دفاعا عن الأمن المائى المصرى والحق فى الحياة ــ كما أشار الرئيس الأمريكى المنتهية ولايته «دونالد ترامب» قبل الانتخابات الرئاسية مباشرة.
على غير انتظار سرت رائحة البارود فى المكان بفعل التناقضات الإثيوبية الداخلية لا وفق إشارة «ترامب».