التاريخ السياسي لإسرائيل.. لماذا دولة يهودية؟ - أحمد عبدربه - بوابة الشروق
الثلاثاء 16 أبريل 2024 7:08 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

التاريخ السياسي لإسرائيل.. لماذا دولة يهودية؟

نشر فى : السبت 17 فبراير 2024 - 8:45 م | آخر تحديث : السبت 17 فبراير 2024 - 8:45 م
كنت فى المقالة السابقة قد شرحت لماذا أرى أنه من واجبى كتابة هذه السلسلة عن التاريخ السياسى لدولة إسرائيل، ولماذا علينا – نحن المهتمون بالقضية الفلسطينية ــ أن نقلل من جرعة الأيديولوجيا أو الدين فى تناول الأمر بسبب عملية «الفلترة» التى تحدث لنا فى تناول المعرفة الخاصة بالدولة العبرية وشعبها وأرضها بسبب ضيق النظرة، ومحدودية المدخل التى تقدمها الأيديولوجية السياسية أو الدينية للموضوع!
فى هذه المقالة الثانية من السلسلة، أطرح تساؤلا بسيطا، لماذا وكيف نشأت فكرة أن يكون هناك دولة لليهود؟
للإجابة المختصرة – بغير إخلال ــ على هذا السؤال لابد أن نتناول أمرين؛ الأول هو فكرة نشأة الدول القومية فى التاريخ الحديث، والثانى هو وضع اليهود نفسه فى العالم بدءا من نهاية القرن السابع عشر وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية! فى هذا المقال أتناول الأمر الأول، وفى مقال الأسبوع القادم نتناول الأمر الثانى!
• • •
فى التاريخ السياسى الحديث ظهرت فكرة الدولة القومية ذات السيادة، أى الدولة التى تتكون من حدود وأرض وشعب وحكومة تمارس أعمال السيادة على هذه الأرض دون السماح بالتدخل من الدول الأخرى بدءا من القرن السابع عشر، وتحديدا بعد المعاهدة الأوروبية التى عرفت باسم صلح ويستفاليا وتم توقيعها فى ١٦٤٨ بعد فترة دموية من الحروب الدينية فى أوروبا، عرفت باسم حرب الثلاثين عاما، كانت هذه الاتفاقية هى بداية فكرة الدولة الحديثة وذلك لتمييزها عن فترة الإمبراطوريات التى كانت تقوم على مركزية دور الكنيسة أو الدين بشكل عام فى ترتيب الحقوق والواجبات، ولم تكن تعرف فكرة المواطنة بالشكل الحديث!
كانت هناك إمبراطوريات عدة، أهمها الإمبراطورية الرومانية المقدسة، التى انقسمت لاحقا إلى إمبراطوريتين، إحداهما غربية خضعت لسيطرة الكنيسة الكاثوليكية، والأخرى شرقية خضعت لسيطرة الكنيسة الأرثوذكسية والتى لفترات طويلة اتخذت من القسطنطينية (إسطنبول حاليا) عاصمة لها وعرفت أيضا باسم الإمبراطورية البيزنطية! كما كانت هناك أيضا الإمبراطورية (الخلافة) العثمانية والتى سيطرت لقرون طويلة على شمال إفريقيا ومنطقة شبه الجزيرة العربية وأوروبا الشرقية وبعض بلدان شمال ساحل البحر المتوسط، وغيرها الكثير من الإمبراطوريات القديمة!
قطعا، لم تتأسس فكرة المواطنة ولا العلمانية مباشرة بعد صلح ويستفاليا، والمدقق فى شروط الصلح يمكنه أن يلاحظ كيف أن الدين كان لا يزال يلعب دورا هاما فى شروط تأسيس هذه الدولة القومية الحديثة، ولكن بدلا من إطلاق يد الكنيسة، تم حدها عن طريقة سلطة الأمير أو الحاكم التى جعلت الاتفاقية من دينه هو دين هذه الدولة الوليدة. بعبارة أخرى، لم تكن ويستفاليا ميلادا للعلمانية، بقدر ما كانت تأميما للدين ووضع حدود لسيطرة الكنيسة السياسية على رعاياها!
ورغم ذلك، فقد ظل الدين – وحتى اللحظة ــ يلعب فى مخيلة الكثير من شعوب العالم دورا هاما فى إلهام فكرة قيام دولة على أسس دينية، فالأمر لم يكن قاصرا فقط على اليهود، ولكن له أمثلة ومحاولات سياسية فى المسيحية ــ حتى بعد انتهاء عصر الإمبراطوريات المقدسة فى أوروبا ــ وقطعا فى العالم الإسلامى بعد انهيار الخلافة العثمانية فى ١٩٢٣!
لكن فى الحالة اليهودية، فإن حلم الدولة له خصوصية، كون أن اليهودية فى النهاية ديانة إثنية، وليست ديانة عالمية أو أممية مثل الإسلام والمسيحية! ففى حين أن دعوة السيد المسيح هى دعوة أممية ورسالة لخلاص العالم أجمع، ومن ثم يبشر من يدينون بالمسيحية غيرهم بها ويسعدون بتحول غير المسيحيين إليها وتعميدهم للعبور إلى السيد المسيح، كما أن دعوة الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) هى دعوة أممية للناس أجمعين، ومن ثم يقوم من يدينون بالإسلام بالحرص على الدعوة إلى دينهم ويسعدون بدخول غير المسلمين فى الإسلام، إلا أن الديانة اليهودية بحسب تطوراتها التاريخية تعتقد بتمايز العرق اليهودى، عن غيره من الأعراق، وتعتبر أن اليهود هم شعب بخصائص مميزة اختارهم الله واصطفاهم على غيرهم، ومن ثم فرغم قبول اليهودية بتحول غير اليهود إليها، إلا أن الأمر لا يتم عبر الدعوة أو التبشير، لأن فكرة اليهودية هنا هى فكرة مخصصة لما يفترض أنه العرق اليهودى المتمايز عن غيره، لا دعوة أممية كما أوضحنا فى حالة الإسلام والمسيحية!
من هنا، فإن المثير فى موضوع الديانة اليهودية وخاصة فيما يتعلق بتقاطعاتها السياسية، هو أن اليهودية يتم التعامل معها منذ البداية كدين وقومية فى نفس الوقت! بعبارة أخرى، فإنه مثلا يتم مقابلة اليهودية، ليس فقط مع الإسلام والمسيحية باعتبارها جميعا أديانا، ولكن فى ذهن اليهود يتم مقابلتها أيضا مع الأعراق والقوميات الأخرى، كأن نتحدث عن العرب واليهود، أو الفرس واليهود! ورغم أنه من الناحية التاريخية يمكن القول أن هناك يهودا عربا، فإنه من وجهة نظر اليهودية، فإن اليهودية ليست فقط ديانة، ولكنها قومية متمايزة بذاتها، ولذلك تختلف الطوائف اليهودية بشدة بشأن كيفية التعامل مع غير اليهود الذين تحولوا إلى اليهودية، وما إذا كان يمكن اعتبارهم يهودا كاملين اختارهم الله أم لا، ولهذا حديث معقد منفصل على أى حال.
• • •
تقوم فكرة الدولة اليهودية إذن على فكرة وحدة وتمايز من يدين بالديانة اليهودية، ولكن قطعا هذا تصور غير دقيق وبه من الدعاية أكثر بكثير من الواقع، فالواقع أن اليهود فى مجتمعات العالم تأثروا بهذه المجتمعات وتغيرت شخصياتهم وتصوراتهم ولغتهم، بل وشرائعهم بحسب الدول والحضارات التى عاشوا فيها عبر الأزمنة المختلفة!
فمثلا كما يحلل بدقة الدكتور عبدالوهاب المسيرى فى كتابه القيّم «من هم اليهود؟ وما هى اليهودية؟ أسئلة الهوية وأزمة الدول اليهودية» الصادر عن دار الشروق فى عام ٢٠٠٨، فإن اليهود السفارديم الذين عاشوا لفترات طويلة فى إسبانيا والبرتغال فى كنف المسلمين ــ قبل أن يتم طرد عدد كبير منهم بعد استعادة الإسبان لدولتهم واتهام اليهود بالتآمر ضدهم مع المسلمين فهاجروا إلى الدولة العثمانية وإلى عدد كبير من الأقطار العربية ــ يختلفون فى سماتهم وشرائعهم ولغتهم العبرية وفى انفتاحهم الحضارى عن اليهود الأشكيناز الذين انتقلوا من بولندا إلى باقى الدول الأوروبية وعاشوا فى مجتمعات منعزلة ومنبوذة إلى حد كبير، وهو الأمر الذى لا يزال يشكل الكثير من الحساسيات فى الدولة العبرية إلى اللحظة، حيث ينظر السفارديم لأنفسهم باعتبارهم الأكثر انفتاحا والأكثر تحضرا والأكثر دراية بفلسطين التاريخية من نظرائهم الأشكيناز الغربيين!
يشرح المسيرى عن الكثير من الاختلافات والخلافات بين الأشكيناز والسفارديم إلى حد اعتبار الكثير من حاخامات كل منهما أن التزاوج المشترك بينهما غير جائز مثلا!
يتفق هذا أيضا مع السيرة الذاتية للراحل ألبير آريه المعنونة «مذكرات يهودى مصرى» والصادرة أيضا عن دار الشروق فى ٢٠٢٣، عندما تحدث عن تاريخ عائلته لأبيه وعائلته لأمه وكيف أن زواج أبيه من أمه الذى تم فى عشرينيات القرن الماضى لم يكن بالأمر التقليدى وكان خارجا عن المألوف، كون أنه زواج بين طائفتى السفارديم والأشكيناز!
ولكن وبغض النظر عن هذه الصورة المثالية عن وحدة اليهود وهى بكل الأحوال صورة غير واقعية وتقوم على الدعاية السياسية – كما هو الحال بالمناسبة بالنسبة للكثير من الأديان وفى مقدمتها أيضا التصورات المثالية عن وحدة الأمة الإسلامية ــ فلماذا وكيف جاءت فكرة الدولة اليهودية؟ هنا علينا العروج على الأمر الثانى، وهو شرح التطورات السياسية لليهود فى العالم بدءا من نهاية القرن السابع عشر وهو ما أتناوله الأسبوع القادم.
أحمد عبدربه مدير برنامج التعاون الدبلوماسي الأمريكي الياباني، وأستاذ مساعد العلاقات الدولية بجامعة دنفر.