طائر الطباشير وذاكرة الوطن - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
السبت 20 أبريل 2024 10:19 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

طائر الطباشير وذاكرة الوطن

نشر فى : السبت 17 فبراير 2024 - 8:50 م | آخر تحديث : السبت 17 فبراير 2024 - 8:50 م
رسخت فى ذاكرتى من سنوات الطفولة فى السبعينيات رسوم الكاريكاتير التى كانت تمتلئ بها صحف ومجلات ذلك الزمان، وكان من بين تلك الرسومات كاريكاتير الصفحة الأولى فى العدد الأول من جريدة «الأهالى» الذى اقتناه أبى، يسارى الهوى، والمنفتح على كل التيارات، إلى درجة اقتناء مجلة «الدعوة» الإخوانية أيضا.
ما زلت أتذكر ضحكات أبى العالية، وهو يشير إلى كاريكاتير عز العرب البليغ، الذى يقارن بين أسلحة ترسلها أمريكا إلى إسرائيل، ومرطبات ترسلها أمريكا إلى مصر.
ظلت «الأهالى» بكاريكاتير عز العرب، وزملائه من الرسامين الكبار، عنوانا على تلك الفترة، مثلما ظلت أنباء مصادرة أعدادها من معالم تلك السنوات، والتى رصدت تحولاتها العجيبة فى كتابى «كنت صبيا فى السبعينيات».
استعدت تلك الذكريات بسعادة، وأنا أطالع كاريكاتير أحمد عز العرب الساخر عن معونات أمريكا، على صفحات كتابه البديع «حكايات طائر الطباشير»، الصادر عن دار المحروسة، والفائز بجائزة ساويرس، والذى أراه من أمتع كتب السيرة الذاتية، بمزيجه الفريد الذى يجمع بين الحكايات المكتوبة، والرسومات المدهشة.
لم أكن أعرف الاسم الأول لـ «عز العرب»، مثلما ظللت سنوات طويلة لا أعرف الأسماء الكاملة لكثير ممن أحببت رسوماتهم مثل حجازى، وزهدى، وإيهاب، وبهجت، ولم أكن أعرف أن عز العرب بالأساس طبيب بيطرى، عمل فى مركز البحوث والرقابة الدوائية، ودرس بشكل حر فى كلية الفنون الجميلة، ولكنه استجاب منذ طفولته لنداهة الرسم، ونداهة الكتب والصحف، واهتم بالسياسة والثقافة، مثل كل أبناء جيله، الذين عاشوا أحداثا وتحولات كبرى، تحديدا فى سنوات الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين.
المفاجأة لم تكن فى رسومات عز العرب التى عرفتها وأحببتها منذ الصبا، ولكن فى قدراته السردية الممتازة، فهو يمتلك أسلوبا سلسا، يحتفى بالصورة والحركة والتفاصيل والأصوات، ولدية قدرة هائلة على اختيار ووصف اللحظات الدرامية التى شهدها، كما أنه بارع فى رسم البورتريهات الشخصية لأسماء عرفها، سواء من الشخصيات العادية، أو من نجوم السياسة والصحافة والكاريكاتير.
يدعم ذلك كله ثقافة معتبرة، خصوصا وهو يحكى عن تاريخ فن الكاريكاتير، أو وهو يتوقف عند محطات تاريخية معينة، أو وهو يحلل مواقف سياسية بعينها من منظوره اليسارى، دون أن تتغافل حاسته النقدية عن رؤية العيوب والأخطاء داخل الحزب الذى انتمى إليه لعدة سنوات.
أحببت الاستهلال الذكى والدرامى للسيرة كلها، بوصف الطفل أحمد، الذى يعانى شللا فى أحد ساقيه، نتيجة حمى أصابته، أخطأ الطبيب فى علاجها، ولكن الطفل الذى لا يستطيع أن يشارك فى حصة الألعاب، يعود إلى الفصل الخالى، يتأمل كلاما مكتوبا بالطباشير على السبورة، فيوصل بين الكلمات، راسما طائرا عملاقا، ويضع أسفله بيوتا ومزارع جميلة. يعود الطلاب ومدرس الألعاب، فينبهرون بالطائر، ويصبح الرسم عنوان تحقق الطفل، ويكون «طائر الطباشير» بوابة أحمد عز العرب لتحقيق ذاته، ثم مدخله إلى الذاكرة كلها: ذاكرته الشخصية، والصحفية، والفنية، والسياسية، وذاكرة الوطن أيضا.
لا يعبأ طائر الطباشير بالترتيب، ولكنه يحلق عاليا، ثم يحدد مكانا أو موقفا أو شخصا يختاره، يقترب منه ويتأمله، يرسمه بالكلمات، وقد يحكيه بالرسوم، فيتيح لنا هذا البناء الحر، أن نشارك ونتأمل الجدارية فى اتساعها وتفاصيلها، وأن نساهم معه فى الترتيب والإنشاء، وأن يمتزج الخاص بالعام، والرسم بالكلمات، والنكسات باللحظات الحلوة.
يحكى عز العرب بمحبة كبيرة عن جدته مهجة، وعن جده المنحاز لأحمد عرابى، ويحكى كذلك عن والده الذى عرف منه قيمة طه حسين والعقاد، وعن شقيقه الطبيب الذى كان ينكر ذاته، ويؤدى واجبه فى تغيير المجتمع للأفضل.
يتأمل الكاتب الرسام اكتشافه لنجيب محفوظ و«الثلاثية»، وانبهاره بشخصية سوسن حماد بالذات فى رواية «السكرية».
يكتب عن عبدالغنى أبو العينين الفنان الكبير الذى كان المشرف الفنى لجريدة «الأهالى»، كما يرسم بورتريهات نابضة بالحياة لشخصيات شهيرة مثل خالد محيى الدين، وجورج البهجورى، وأحمد حجازى، وبهجت عثمان، ويحكى كذلك عن رواد الكاريكاتير الكبار مثل عبدالمنعم رخا، وعبدالسميع عبدالله.
تجربة جريدة «الأهالى»، وقصة منبر اليسار، الذى أصبح حزب التجمع، حاضرة دائما فى قلب الصورة، بكل كواليسها ومشكلاتها، بتأخير لحظات طبع الجريدة اليسارية الشهيرة، وبأوامر مصادرتها، وباستدعاء عز العرب للتحقيق، بحضور عضو مجلس نقابة الصحفيين بهيرة مختار، بسبب رسوم كاريكاتير، منها رسم شخصية زبدة هانم، تلك المرأة التى تتحدث عن حياتها المرفهة، وكأن عصر الملك فاروق قد عاد من جديد.
استدعى خالد محيى الدين نفسه عز العرب لكى يسأله عما إذا كان يقصد جيهان السادات بشخصية زبدة هانم، لأن هذا ما فهمه السادات أيضا، فاعتبره تجاوزا للخط الأحمر بالحديث عن «أهل بيته». ورغم أن عز العرب لم يكن يقصد جيهان بالتحديد، ورغم أن الشخصية ولدت أصلا على صفحات «روز اليوسف»، قبل نشرها على صفحات «الأهالى»، فإن خالد محيى الدين رأى ألا تظهر زبدة هانم مرة أخرى، حتى لا تدخل الجريدة فى معركة فرعية، تبعدها عن معاركها الأصلية.
تتمثل هذه المعارك الأصلية بأن تكون الأهالى «صوت من لا صوت له»، ويسجل عز العرب بالفعل أن أفواجا من الناس العادية كانت تذهب إلى الجريدة، ومعها مستندات لكشف الفساد، أو لتقديم شكاوى تخص العمال أو الفلاحين، كما ينقل كواليس معركة مهمة خاضتها الجريدة لكشف تهافت أدلة اتهام اليسار بتفجير مظاهرات 18 و19 يناير 1977.
طائر الطباشير يميز كذلك بين مدرستين هامتين فى فن الكاريكاتير المصرى: الأولى مدرسة روز اليوسف، التى تجعل الرسام صاحب الفكرة، والثانية مدرسة أخبار اليوم، والتى تجعل الرسام منفذا لأفكار الرسومات، وأشهر نموذج لهذه المدرسة ثنائية أحمد رجب ومصطفى حسين.
هذه حكاية ممتعة بالرسم والكلمة عن ذاكرة الوطن من خلال ذاكرة فنان كبير.
محمود عبد الشكور كاتب وناقد سينمائي وأدبي مصري
التعليقات