ما الذى يبقى منا بعد الرحيل؟ - عمرو حمزاوي - بوابة الشروق
السبت 22 يونيو 2024 1:38 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

ما الذى يبقى منا بعد الرحيل؟

نشر فى : الجمعة 17 مايو 2024 - 7:35 م | آخر تحديث : الجمعة 17 مايو 2024 - 7:35 م

تبادر هذا السؤال إلى ذهنى حين تواصلت معى مجموعة من خريجى المدارس الكاثوليكية فى مصر الذين شاركوا فى معسكرات وبرامج التوعية الصيفية التى كان صديقى العزيز والغائب الحاضر دائما جورج إسحق ينظمها. طلب منى، وكنت قد شاركت فى معسكر من المعسكرات وعلى شىء من الدراية بعمل جورج مع الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية، أن أسجل بعض الملاحظات حول ما شاهدت وعرفت لكى تضاف إلى شهادات أخرى ستجمعها دفتا كتاب عن حياة الراحل.

حين رحل جورج عن عالمنا فى ٩ يونيو ٢٠٢٣، كُتب الكثير والجميل عنه وعن مواقفه الوطنية وعمله السياسى والحقوقى الذى امتد عبر سنوات عديدة، وخلف سجلا رائعا للدفاع عن المواطنة المصرية الجامعة وعن العدل والحرية والديمقراطية والدولة المدنية. غير أن ما نشر من مرثيات تراكمت وما قيل من كلمات فى مناسبات تأبين توالت قل أن يتعرض للجهود الكبيرة التى بذلها أستاذ التاريخ جورج إسحق فى مجال التعليم المدرسى وتوعية الشباب بواجباتهم تجاه بلادهم التى تنظر إليهم كمواطنات ومواطنين كاملى الأهلية، وحقوقهم فيها دون تمييز لا على أساس الدين ولا النوع ولا اللون.

كان فى تواصل مجموعة خريجى المدارس الكاثوليكية وفى مشروع الكتاب الذى يعدونه الدليل البين على أن جورج، وبجانب العمل السياسى والحقوقى، ترك إرثا تعليميا وتوعويا باقيا وهاما ويستحق الاحتفاء به. وتحت عنوان «جورج فى مرسى مطروح»، دونت أنه وبينما هو يتحرك على امتداد مصر فى أعقاب ثورة يناير ٢٠١١ مساهما فى العمل الوطنى والسياسى الذى كان قد دفعه إلى واجهة الحياة العامة مع تأسيس حركة كفاية فى ٢٠٠٤ وتوليه مهام منسقها العام، لم يكن اهتمام جورج يتراجع بمعسكرات توعية وتدريب الشباب وبرامج النشاط الصيفى التى كان ينظمها مع أمانة المدارس الكاثوليكية.

فقد ظل شغوفا بالتواصل مع الشباب ومخلصا لمهنته كمدرس للتاريخ يعمل على نقل معارفه ومناقشة دروس تاريخ مصر المعاصر مع الأجيال الجديدة، ولم تبعده السياسة أبدا عن ذلك. بل إن جورج كان يرى خيطا ناظما لعمله السياسى ولامتهانه تدريس التاريخ وتوعية الشباب، ألا وهو الدفاع عن حقوق جميع المصريات والمصريين فى وطن دون تمييز وفى مجتمع يحقق المساواة الكاملة بين الأقباط والمسلمين وفى دولة مدنية تدار وفقا لقاعدة الاختيار الحر ووفقا لمعايير علمانية كالتنمية المستدامة والشفافية والأمن وليس استنادا لحكم أبدى أو لرغبة فى توريث مقعد الحكم أو لمقولات دينية.

•  •  •

فى صيف ٢٠١١، شاركت كمتحدث فى معسكر صيفى نظمه صديقى الراحل مع أمانة المدارس الكاثوليكية فى مرسى مطروح وشارك فيه أيضا من المتحدثين الأستاذ الدكتور محمد عفيفى أستاذ التاريخ بجامعة القاهرة، والصديق الأستاذ ناصر عبد الحميد من الجمعية الوطنية للتغيير، والصديق المهندس سمير عليش من حركة كفاية والجمعية الوطنية للتغيير. كان المعسكر معدا لطلاب المراحل الثانوية فى التعليم المدرسى، وقائما على مشاركة عابرة لحدود النوع والدين، أى مشاركة شابات وشباب منهم الأقباط ومنهم المسلمون دون تمييز، ومستهدفا توعية الحضور عبر مداخلات المتحدثين والأهم عبر النقاشات المفتوحة والحرة فيما خص هوية مصر وعمقها الحضارى، ودور شبابها فى صناعة التغيير على امتداد العصور.

لم يكن معسكر مرسى مطروح مكانا للتلقين التقليدى الذى يحاضر فيه متحدثون يقولون ما عندهم ويمضون دون نقاش مع الطرف المتلقى. بل كان، على النقيض من ذلك تماما، ساحة مفتوحة للحوار بين المشاركين من الشباب والشابات وبين المتحدثين بهدف ممارسة فضيلة التعبير الحر عن الرأى والتفكير النقدى واحترام الرأى الآخر وتجاوز الخطوط الحمراء الكثيرة التى كانت تحيط بالنقاش العام آنذاك. فصيف ٢٠١١ كان الصيف الأول بعد ثورة يناير ٢٠١١، والصيف الأول بعد نجاح التيارات الدينية الأصولية فى تمرير التعديلات الدستورية (مارس ٢٠١١) التى عرقلت مسار التحول الديمقراطى فى مصر، والصيف الأول للتنازع العلنى بين الإسلام السياسى وبين القوى والحركات المدنية بشأن هوية البلاد وحدود دور الدين فى الحياة العامة والمضامين الفعلية لمواطنة الحقوق المتساوية بين الأقباط والمسلمين، وكان كذلك الصيف الأول لسيولة سياسية غير مسبوقة أرهقت الناس، وقضت مضاجعهم خوفا ورجاء.

نظم جورج معسكر مرسى مطروح فى تلك الفترة، وشاركت فيه محملا بتساؤلاتها وهمومها وآمالها ومناقشا لقضايا المواطنة والحقوق والحريات فى بلد كان يتملس مسار بدايات التغيير السياسى والمجتمعى فى ظل تراجعات وأخطار وأزمات متتالية. شاركت فى جميع جلسات وأنشطة وليالى سمر المعسكر، وتعرفت على شابات وشباب جمعهم حب الوطن وحب المعرفة وحب النقاش الحر مثلما جمعهم حب جورج إسحق والانبهار به.

•  •  •

كان الراحل الجميل عن حق فى أسعد حالاته وهو محاط بالشباب وفى وارد الحديث معهم ومعنا عن قضايا الوطن وهمومه، لا تفارقه الابتسامة البشوشة المعهودة عنه ولا يتجاهل صناعة المواقف الطريفة لكسر الجليد بين المشاركات والمشاركين من الطلاب وبينهم وبين المتحدثين وهو ما أضاف إليه وإلى شخصيته الآسرة قبولا عاما. والشاهد أن جورج، وبعد عمله وخبرته المهنية ونضاله السياسى الواسع وتجرده المعروف، لم يكن يحتاج لأن يحبب مشاركة أو متحدثا فيه. فقد كان حب من أسس حركة كفاية ورفع دون خوف شعارات مواطنة الحقوق المتساوية ومدنية الدولة وخاطب وحاور جميع الفرقاء السياسيين دون تمييز وانخرط بشجاعة وقوة فى العمل الحقوقى والدفاع عن الحريات الشخصية والمدنية دون بحث عن مجد شخصى أو ميزة خاصة طاغيا، والانبهار به وبمواقفه متجاوزا لكل اختلاف فى المبدأ والرأى.

والشاهد أيضا أن معسكرات وبرامج الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية، وفى موقع القلب منها كان جورج والمبادئ التى جسدها والآراء التى عبر عنها على امتداد حياته المهنية وعمله السياسى، مثلت تجربة رائدة فى التعليم المدنى المستند إلى مبادئ المواطنة والمشاركة السلمية فى الشأن العام والاهتمام بقضايا الوطن دون خلط بين دين ووطن أو دين وسياسة أو دين ودولة. مثلت تلك المعسكرات والبرامج أيضا تجربة رائدة فى الاشتباك الإيجابى مع الشباب والشابات، وتمرير قيم مركزية حول الهوية المصرية، وفضائل التفكير النقدى، وإعمال العقل فى تجاوز الخطوط الحمراء التى يكثر منها أى مجتمع يمر بلحظات تأزم وتكثر منها أى سياسة تمر بفترات التحولات الكبرى.

وبين هذا وذاك كان حال وطننا العظيم فى سنوات، بل وعقود، مسيرة جورج إسحق المهنية وعمله السياسى.

عمرو حمزاوي أستاذ علوم سياسية، وباحث بجامعة ستانفورد. درس العلوم السياسية والدراسات التنموية في القاهرة، لاهاي، وبرلين، وحصل على درجة الدكتوراة في فلسفة العلوم السياسية من جامعة برلين في ألمانيا. بين عامي 2005 و2009 عمل كباحث أول لسياسات الشرق الأوسط في وقفية كارنيجي للسلام الدولي (واشنطن، الولايات المتحدة الأمريكية)، وشغل بين عامي 2009 و2010 منصب مدير الأبحاث في مركز الشرق الأوسط لوقفية كارنيجي ببيروت، لبنان. انضم إلى قسم السياسة العامة والإدارة في الجامعة الأميركية بالقاهرة في عام 2011 كأستاذ مساعد للسياسة العامة حيث ما زال يعمل إلى اليوم، كما أنه يعمل أيضا كأستاذ مساعد للعلوم السياسية في قسم العلوم السياسية، جامعة القاهرة. يكتب صحفيا وأكاديميا عن قضايا الديمقراطية في مصر والعالم العربي، ومن بينها ثنائيات الحرية-القمع ووضعية الحركات السياسية والمجتمع المدني وسياسات وتوجهات نظم الحكم.
التعليقات