بعد ثلاثة أسابيع من الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، ينقسم الأمريكيون عمومًا حول هذه الحرب، مع وجود أغلبية ترفضها، إلا أن الجمهوريين يدعمونها بشكل ساحق، بأغلبية تتخطى 80% فى أغلب استطلاعات الرأى.
ورغم التشكيك فى مبررات الذهاب إلى الحرب، والتى لم يستطع ترامب توصيلها إلى الشعب الأمريكى، أو تعمده اتباع سياسة التأرجح والغموض والتناقض فى تصريحاته حول إيران، لا يزال مؤيدو ترامب أوفياء له، حتى وإن كانت هناك بعض الأصوات المعارضة التى تظهر من حين لآخر بين أتباع هذا التيار.
ولا تتوقف وسائل الإعلام التقليدية، مثل «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» و«سى. إن. إن»، عن الحديث عن عمق الخلافات بين مستشارى ترامب حول جدوى خوض الحرب ضد إيران، وطبيعة الأهداف المراد تحقيقها. ومع وجود هذا الاختلاف فى بعض الآراء، تتحد النخبة الجمهورية، سواء فى مجلس النواب أو الشيوخ، تحت راية موقف الرئيس ترامب، فتأتمر بأمره وتذهب إلى حيث يشير.
يضم الحزب الجمهورى عدة تيارات متنافسة تتبنى سياسات قد تختلف فى بعض القضايا غير المحورية لبنية الحزب الأساسية. ولا يعرف الخلاف داخل الحزب الجمهورى طريقًا فيما يتعلق بقضايا اجتماعية مهمة توحد الحزب وتشكل هويته الفكرية؛ مثل رفض الإجهاض، وخفض الضرائب، ومكافحة الهجرة غير الشرعية، وقضايا الهويات الجنسية. فى المقابل، تختلف تيارات الحزب فى سياساتها الخارجية؛ إذ يدعم المحافظون الجدد لجوء أمريكا إلى القوة العسكرية لضمان هيمنتها الدولية، بينما يتردد أنصار تيار «أمريكا أولًا» فى التدخلات العسكرية الخارجية، ويميلون إلى سياسات أكثر انعزالية ترفض الحروب.
• • •
يرتفع صوت العديد من رموز تيار «أمريكا أولًا» مشككًا فى منطق حتمية العلاقة الخاصة التى تجمع بلادهم بإسرائيل، وفى مبررات شن الحرب على إيران. وبالفعل تساءلت المعلقة المحافظة ميجان كيلى، التى يتابعها ما يقرب من 16 مليون شخص، عما إذا كانت الولايات المتحدة تنجرف مرة أخرى إلى حرب لا تنتهى بلا هدف أو معنى فى الشرق الأوسط. وقالت كيلى فى البودكاست الخاص بها: «لا ينبغى لأحد أن يموت من أجل بلد أجنبى. لا أعتقد أن هؤلاء الجنود ماتوا من أجل الولايات المتحدة، بل أعتقد أنهم ماتوا من أجل إيران أو إسرائيل».
كما شن الإعلامى الشهير تاكر كارلسون، الذى يتابعه ما يقرب من 70 مليون شخص على وسائل التواصل الاجتماعى، حملة ضد الحرب، منتقدًا ضغط إسرائيل على ترامب لدخولها، والتى يراها مضرة بمصالح واشنطن فى المنطقة. فى حين تحدث جو روجان، أشهر مقدمى البودكاست فى الولايات المتحدة، عن العواقب الكارثية وغير المقصودة للحرب.
إلا أن الثلاثة، وغيرهم كثيرون، لم ينتقدوا ترامب بصورة صريحة ومباشرة، بل أكدوا حسن علاقتهم بالرئيس ودعمهم له كرمز وقائد لتيار «ماجا - فلنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى».
من جانبه، يسخر ترامب، رغم غضبه فى بعض الأحيان، من رفض هؤلاء المؤثرين لقرار الحرب على إيران. ومع ذلك، لا يهاجمهم بصورة مباشرة، لإدراكه حجم نفوذهم ومدى وصولهم إلى ملايين من مؤيديه. ويرفض ترامب الأصوات المخالفة، ويقول لهم: «بالنظر إلى أننى الشخص الذى طوّر مفهوم أمريكا أولًا، وبالنظر إلى أن المصطلح لم يُستخدم حتى جئت، أعتقد أننى الشخص الذى يقرر طبيعة هذا المصطلح».
ويخدم ترامب أن الحزب الجمهورى فى الفترة الحالية يلتئم ويتحد خلفه بالأساس، وهو ما يدركه جيدًا؛ إذ يعلم أن مواقفه سيدعمها أغلبية الجمهوريين، فى الوقت الذى ترفضها أغلبية الديمقراطيين والمستقلين. كما يدرك أن تيار «أمريكا أولًا» يتمحور حول شخصه وكاريزميته وطبيعته، ويمكنه تعديل وتحديث توجهاته كما يريد دون خسارة دعم قيادات التيار.
• • •
منذ ظهوره على الساحة السياسية عام 2015، تمكن ترامب من اختبار حدود هيمنته على الجمهوريين. وقد صمدت هذه الهيمنة رغم خسارته انتخابات 2020 لصالح جو بايدن، وابتعاده عن البيت الأبيض لأربع سنوات. كما صمدت أمام محاولتين لعزله عامى 2020 و2021، وأمام فضائح أخلاقية، آخرها ما تشير إليه وثائق وملفات جيفرى إبستين من ممارسات غير أخلاقية.
واتُّهم ترامب بعشرات الجرائم بين عامى 2020 و2024، وأدين فى عدد منها، ووجدته هيئات المحلفين المستقلة مذنبًا، إلا أن ذلك لم يؤثر على هيمنته على الجمهوريين، بل ربما مهد وسهّل عودته إلى البيت الأبيض.
فيما يتعلق بالحرب على إيران، وإذا ما كانت ستكلف ترامب سياسيًا، فلا أتصور أن هذا السؤال يقلقه على الإطلاق، رغم اهتمامه الكبير بانتخابات الكونجرس فى نوفمبر المقبل. يهتم الأمريكيون عادة بالقضايا الخارجية فقط إذا شملت حربًا تشارك فيها قوات أمريكية، ويزداد الاهتمام إذا عاد الكثير من الجنود الأمريكيين فى أكفانهم. وحتى الآن، سقط 13 جنديًا قتيلًا، وأصيب ما يقرب من مئتى جندى، وهو ما يمثل خسارة "مقبولة" بمعايير الحروب.
أما تأثير ارتفاع أسعار وقود السيارات وتبعاته على التضخم، فيبدو أن ترامب يدرك أهمية هذه النقطة، إلا أن هناك سبعة أشهر تفصلنا عن الانتخابات، وهى فترة قد تنخفض فيها أسعار الطاقة بعد وقف القتال فى الخليج، كما يتصور. كما توجد أصوات معارضة للحرب، ظهرت إرهاصاتها فى استقالة جو كينت، مدير المركز الوطنى لمكافحة الإرهاب، الذى قال إنه «لا يستطيع بضمير مرتاح دعم الحرب المستمرة فى إيران»، مضيفًا: «من الواضح أننا بدأنا هذه الحرب بسبب ضغط من إسرائيل ولوبيها الأمريكى القوى».
ورغم ذلك، يبدو أن ترامب لم يكترث بهذه الاستقالة، أو بأى استقالات مستقبلية. ما يخشاه ترامب فقط هو تكرار نمط خسارة حزب الرئيس فى انتخابات الكونجرس، وما يتبع ذلك من انتزاع الديمقراطيين أغلبية أحد المجلسين، بما يحول ترامب إلى «بطة عرجاء» خلال آخر عامين من فترته الرئاسية الثانية والأخيرة، وهو ما يجعله، وعائلته وأصدقاءه، عرضة لتحقيقات وتربص من الديمقراطيين، بما يفسد عليه استمتاعه بالحكم وهيمنته الشخصية على أجندة القضايا العالمية.