سُمعت فى الأسابيع الأخيرة تصريحات على لسان نائب الرئيس الأمريكى جى دى فانس، مفادها بأن المساعدة الأمنية التى تقدمها الولايات المتحدة تمنح واشنطن حق مطالبة إسرائيل بالامتثال لسياستها، بل أطلق تلميحات بشأن فرض قيود، أو تأخير فى توريد السلاح، إذا لم تتصرف إسرائيل وفقًا لذلك. هذه الرؤية إشكالية؛ ففى أفضل الأحوال، تدل على معرفة جزئية بالواقع، وفى أسوأ الأحوال، تعكس محاولة غير منصفة لممارسة ضغط سياسى، عبر عرض صورة غير مكتملة.
تبلغ المساعدة الأمنية الأمريكية لإسرائيل اليوم نحو 3.8 مليار دولار سنويًا؛ أمّا الاتفاق الحالى، الذى وُقّع فى سنة 2016 للعقد الممتد بين سنة 2019 وسنة 2028، فيبلغ مجموعه نحو 38 مليار دولار. لكن خلافًا للانطباع الذى يحاولون بثّه أحيانًا، لا يتعلق الأمر بأموالٍ تُرسَل لإسرائيل من دون مقابل، بل وفق ترتيب استراتيجى يخدم مصالح أمريكية واضحة.
على مرّ السنين، وصف مسئولون أمريكيون كبار إسرائيل بأنها «حاملة الطائرات الأمريكية التى لا يمكن أن تغرق». ولم يولد هذا الوصف بالصدفة، فإسرائيل هى الحليف الأكثر استقرارًا والأقوى للولايات المتحدة فى الشرق الأوسط، وهى منطقة تستثمر فيها واشنطن موارد هائلة للحفاظ على نفوذها وأمن حلفائها فيها.
عندما تتحرك إسرائيل ضد إيران، أو حزب الله، أو «حماس»، أو الحوثيين، فإنها لا تدافع عن نفسها فقط. وهى تساعد على حماية طرق التجارة الدولية، والحفاظ على استقرار سوق الطاقة، وكبح الجهات المتطرفة التى تهدد النظام الإقليمى. وبعبارة أُخرى، لولا الدور الإسرائيلى، لَكان الأمر سيتطلب وجودًا عسكريًا أمريكيًا واسعًا وأكثر تكلفةً وخطورة.
يسمع الجمهور الأمريكى، مرارًا وتكرارًا، أن الولايات المتحدة تمنح إسرائيل مليارات الدولارات؛ أمّا ما يُقال بدرجة أقل، فهو أن جميع أموال المساعدة اليوم تقريبًا من المُلزِم إنفاقها على شراء معدات دفاعية أمريكية. فإسرائيل تشترى بها طائرات F-35 وF-15، ومروحيات أباتشى، وأنظمة رادار، وذخائر متقدمة، وقنابل ذكية، ومعدات اتصالات من صنع أمريكى.
والمعنى واضح: المال لا يبقى فى إسرائيل، بل يتدفق عائدًا إلى الصناعة الأمريكية، ويعزز سلسلة الإنتاج الدفاعى، ويدعم عشرات الآلاف من فرص العمل فى أنحاء الولايات المتحدة. وتستفيد شركات عملاقة، مثل لوكهيد مارتن، وبوينغ، وRTX، ونورثروب غرومان، وجنرال دايناميكس، من طلبيات بمليارات الدولارات؛ لذلك، فإن تصوير المساعدة على أنها مكرمة أحادية الجانب يناقض الحقائق. ففى الواقع، هى أيضًا برنامج تشغيل أمريكى بكل معنى الكلمة.
• • •
هناك أيضًا بعدٌ آخر يميل كثيرون إلى تجاهُله، وهو المساهمة الأمنية والتكنولوجية التى تقدمها إسرائيل للولايات المتحدة. فمنذ أعوام، تُستخدم إسرائيل كمختبر عملياتى فريد، تُختبر فيها أنظمة الأسلحة، والدفاع الصاروخي، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، ووسائل الاستخبارات فى ظروف حقيقية. والخبرة العملياتية المتراكمة تُنقل بصورة مستمرة إلى المؤسسات الأمنية الأمريكية وتساهم مباشرة فى قدرات الجيش الأمريكى.
ومنذ هجوم السابع من أكتوبر 2023 أصبحت إسرائيل مصدرًا ذا قيمة كبيرة للمعرفة العملياتية، بالنسبة إلى جيوش الغرب. فالتعامل مع «الإرهاب» تحت الأرض، وهجمات الطائرات المسيّرة، وإطلاق الصواريخ والقذائف، ودمج الذكاء الاصطناعى فى ساحة القتال، يوفّر خبرة عملياتية لا يكاد يكون لها مثيل فى العالم. وهذه الدروس تُدرَّس اليوم فى المؤسسات الأمنية الأمريكية، وتؤثر فى تطوير مفاهيم القتال المستقبلية للولايات المتحدة. كما أن أنظمةً، مثل القبة الحديدية، ومقلاع داود، وحيتس 2، وحيتس 3، طُورت فى إطار تعاوُن إسرائيلى ــ أمريكى. ويُنتَج جزءًا من مكوناتها فى الولايات المتحدة، وجزءًا آخر فى إسرائيل. والمعرفة التى تراكمت فى تطويرها تخدم أيضًا القوات الأمريكية، وتساعد على حماية المصالح الأمريكية فى أنحاء العالم.
فى مجال الاستخبارات أيضًا، تُعد المساهمة الإسرائيلية كبيرة. فعلى مرّ السنين، زودت إسرائيل الولايات المتحدة بمعلومات حيوية عن إيران، والتنظيمات «الإرهابية»، وتهريب الأسلحة، والتهديدات الدولية. وأقر مسئولون أمريكيون، أكثر من مرة، بأن الاستخبارات الإسرائيلية ساعدت على إحباط هجمات وإنقاذ أرواح، بما فى ذلك أرواح مدنيين وجنود أمريكيين.
أخذ وعطاء
من المهم أن يفهم نائب الرئيس دى فانس أن المساعدة الأمنية لإسرائيل ليست عبئًا أحادى الجانب على دافع الضرائب الأمريكى، ومن المناسب أن ينظر أيضًا إلى تكاليف الوجود العسكرى الأمريكى فى الشرق الأوسط. فالقاعدة الأمريكية الكبرى فى العديد فى قطر تضم آلاف الجنود والطائرات والقيادات العملياتية، وتُقدَّر تكاليف تشغيلها وصيانتها بنحو مليار دولار سنويًا، وذلك إلى جانب استثمارات ضخمة فى القواعد، والخدمات اللوجستية، والقوات الأمريكية المنتشرة فى أنحاء المنطقة.
أمّا إسرائيل، فعلى نقيض ذلك، لا تطالب بنشر قوات أمريكية على أراضيها، بل توفّر للولايات المتحدة معلومات استخباراتية، وتكنولوجيا، وخبرة عملياتية، وقدرة ردع إقليمية من أعلى المستويات. ومن نواحٍ كثيرة، تمنح إسرائيل واشنطن مزايا استراتيجية كان تحقيقها ببديل آخر سيتطلب استثمارات أمريكية أكبر كثيرًا.
لذلك، فإن السؤال الحقيقى ليس: كم تكلّف المساعدة لإسرائيل؟ بل: كم كانت ستكلف الولايات المتحدة حماية هذه المصالح نفسها من دون إسرائيل كشريك استراتيجى رئيسى؟ وعندما تُطلَق تصريحات توحى بأن الولايات المتحدة «تمسك» إسرائيل بالمساعدة الأمنية، فمن الملائم أن يُسأل: مَن هو المستفيد الحقيقى من هذا الاتفاق؟
تحصل إسرائيل على سلاح متطور وتفوّق عسكرى نوعى. وتحصل الولايات المتحدة على حليف مستقر فى منطقة حساسة، واستخبارات عالية الجودة، وتطويرات تكنولوجية، ونفوذ إقليمى، وصناعة دفاعية أقوى. وهذه ليست علاقة بين متبرع ومتلقٍّ للصدقة، بل هى صفقة استراتيجية وأمنية واقتصادية تستفيد منها الولايات المتحدة بقدر ما تستفيد منها إسرائيل.
أُقيمت دولة إسرائيل لكى لا يبقى الشعب اليهودى معتمدًا على قرارات الآخرين فيما يتعلق بأمنه. والحكومة الإسرائيلية منتخَبة من مواطنى إسرائيل، وواجبها الأول هو حمايتهم. وعندما يلمّح مسئولون أمريكيون إلى أن توريد السلاح قد يكون مشروطًا بالامتثال لسياسة معينة، فإنهم يطلبون عمليًا من دولة ذات سيادة أن تتخلى عن تقديرها الأمني. وهناك شك فى أن الولايات المتحدة كانت ستقبل معاملة مماثلة من دولة أُخرى.
وهنا يجدر توجيه سؤال بسيط إلى نائب الرئيس دى فانس: كيف كانت الولايات المتحدة ستتصرف لو قُتل مئات المواطنين الأمريكيين فى هجمات «إرهابية»، أو بقصف صاروخى بعد وقف إطلاق نارٍ فُرض عليها من الخارج؟ وهل كانت واشنطن ستقبل أن يمنعها طرف أجنبى من الدفاع عن مواطنيها؟ الجواب واضح؛ قبل التهديد بفرض حظر على السلاح، أو استخدام المساعدة الأمنية كوسيلة ضغط سياسى، من المهم أولًا معرفة الحقائق. فالتحالف بين إسرائيل والولايات المتحدة لا يقوم على الشفقة، أو الكرم من جانب واحد، بل على مصالح وقيَم مشتركة، ومنفعة متبادلة واضحة.
إن المساعدة الأمنية ليست هدية، بل هى استثمار أمريكى ذو عائد استراتيجى وأمنى واقتصادى مرتفع للغاية. ومَن يريد إدارة نقاش جدى بشأن مستقبل العلاقات بين البلدين، عليه أن يدرك أن المساعدة لإسرائيل ليست مجرد دعم لحليف، بل هى أيضًا استثمار أمريكى فى أمن الولايات المتحدة نفسها. وتدل الحقائق على أن هذه الشراكة تُعَد واحدة من أنجح الشراكات الاستراتيجية التى عرفتها الولايات المتحدة خلال العقود الأخيرة وأكثرها استقرارًا وجدوى.
دافيد بن بسط
معاريف
مؤسسة الدراسات الفلسطينية