العامل الإنسانى فى مسيرة العلم والتكنولوجيا - محمد زهران - بوابة الشروق
الجمعة 21 يونيو 2024 3:22 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

العامل الإنسانى فى مسيرة العلم والتكنولوجيا

نشر فى : الجمعة 19 أبريل 2024 - 7:00 م | آخر تحديث : الجمعة 19 أبريل 2024 - 7:00 م

يقوم الإنسان بالبحث العلمى إما بدافع الفضول، أو لمواجهة مشكلة، أو لتطويع الطبيعة، أو من أجل الشهرة والمجد والمال. بعض الاكتشافات العلمية تجد طريقها لحياة الناس عن طريق اختراعات تكنولوجية. الطريق من العلم للتكنولوجيا يقع تحت سيطرة الاقتصاد وفى بعض الأحيان السياسة. من التكنولوجيا إلى أيدى وحياة الناس هناك خبراء فى علوم النفس والاجتماع والتسويق يقودون المسيرة. فى هذا المقال نتحدث عن هذا الطريق خاصة فيما يتعلق بالبحث العلمى لكن من الجانب الإنسانى حتى نزيل تلك الهالة من القدسية التى يضعها الناس حول العلماء الكبار ورواد الأعمال... إلخ. هم كبار فيما قدموه للعالم لكنهم بشر فى النهاية.

...

أول نقطة أن العلم لا يتوقف على أحد، وأن جملة مثل «لولا هذا الشخص لتأخر العلم عشرات السنين» ليست صحيحة. من النظريات التى لسبب ما يتم تجاهلها فى تاريخ العلوم أن أغلب الاكتشافات العلمية إن لم تكن كلها تم الوصول إليها عن طريق عدد من العلماء لا يعملون معًا، أى أن كلا منهم وصل إليها منفردًا أو مع مجموعته البحثية. لذلك فى الكثير من الأحيان تجد أن من يتشاركون فى جائزة نوبل لنفس السنة لم يعملوا معًا. إذا نظرنا فى تاريخ العلوم خارج نطاق جوائز نوبل سنجد أمثلة كثيرة:

     •    علم التفاضل والتكامل اخترعه نيوتن ولايبنز كل على حدة، وكان هناك تراشق بالاتهامات بينهما على صفحات الجرائد عمن وصل إليه أولًا. علامات التفاضل والتكامل فى الرياضيات التى نستخدمها الآن هى العلامات التى استخدمها لايبنز.

     •    اكتشاف الأكسجين تم عن طريق عدة علماء كل منهم على حدة: مايكل سانديفوجيوس وكارل ويليام شيل وجوزف برايستلى وانطوان لافوازيه.

     •    اكتشاف فيتامين «أ» تم على يد المر ماكولم ومارجريت دافيس من ناحية و توماس اوسبون ولافايت مندل من ناحية أخرى، كل مجموعة على حدة.

     •    نظرية الانفجار الكبير لنشأة الكون تم الوصول إليها عن طريق العالم الروسى ألكسندر فريدمان والعالم البلجيكى جورج لوميتر كل على حدة.

     •    اختراع التليفون تم على يد ألكسندر جراهام بل واليشا جراى كل على حدة، بل إنهما قدما على براءة اختراعه فى نفس اليوم.

القائمة ممتدة وتغطى اكتشافات فى كل مجالات العلوم التطبيقية والنظرية والإنسانية أيضًا. أى أن عدم وجود عالم معين لن يبطئ من مسيرة العلم. إذا فكيف ترتبط أسماء بعض العلماء باكتشافات معينة على الرغم من وجود علماء آخرين وصلوا لنفس الاكتشاف؟ يقودنا هذا السؤال إلى النقطة الثانية: العامل البشرى.

الكثيرون يظنون أن مجتمع العلماء هو مجتمع مثالى من أشخاص لا همَّ لهم إلا الوصول للحقيقة وإسعاد البشرية بتجرد كامل. ما أبعد الحقيقة عن ذلك. من يمتهن البحث العلمى فى الأغلب يكون مدفوعًا بأحلام الشهرة والمجد وجوائز نوبل وفيلدز وآبل وتيورنج وأيضًا الفضول العلمى. من أجل ذلك قد يقوم بأعمال تعتبر فى أقل تقدير خاطئة وفى أقصى تقدير غير أخلاقية. وهنا لا أقصد الحياة الشخصية لهؤلاء العلماء فهذا خارج موضوعنا وإن كان يمثل نقطة هامة فى الحديث عمن نعتبرهم مُثلا عُليا.

سنة 2004 نشر جون وولر كتابًا بعنوان (Fabulous Science: Fact and Fiction in the History of Scientific Discovery) أو «العلم الرائع: الحقيقة والخيال فى تاريخ الاكتشاف العلمى». المفيد فى هذا الكتاب أنه يعيد هؤلاء الأيقونات أو الأبطال الخارقين إلى حجمهم الإنسانى. ستجد مثلًا فصلًا عن الكيميائى العظيم لويس باستور (أحد مكتشفى التطعيم) وكيف كان يحجب النتائج التى لا تعضد فكرته وكيف يستخدم اتصالاته للاختيال المعنوى للخصوم. هناك فصل آخر عن جريجور مندل الذى يعتبره الكثيرون رائد علم الوراثة وكيف أنه لم يفهم الكثير مما تم الصاقه به فيما بعد.

عندما تقرأ مذكرات الكثير ممن يمتهنون البحث العلمى ستجد مثلًا كلامًا عن لينوس باولنج (حاصل على جائزتى نوبل إحداهما فى الكيمياء والأخرى فى السلام) وكيف كان يطلب وضع اسمه على أبحاث لم يشارك بها بالكثير من الجهد.

هناك علماء يحاولون عرقلة طلبتهم الموهوبين حتى لا يتخطوهم. هناك علماء تنبئوا باكتشافات علمية وصدقت تنبؤاتهم لكن حين تقرأ أحاديثهم وقتها سترى أنهم تنبئوا بها عن طريق استنتاجات خاطئة لكن الحظ خدمهم، والكتاب الذى ذكرناه أعلاه يعطى بعض الأمثلة. طبعًا لن نتكلم عن الغش العلمى فقد تحدثنا عنه باستفاضة فى مقال سابق منذ عدة سنين، لكننا نتكلم عن علماء كبار لأن الغشاش ليس بعالم.

العامل الإنسانى يظهر بوضوح أكثر عندما يتم تحويل الاكتشاف العلمى إلى تكنولوجيا، وهذا يقودنا للنقطة التالى.

...

النقطة التالية تقول لنا إنه كما أن العالم الكبير قد يكون مدرسًا سيئًا فإنه أيضًا قد يكون رائدًا سيئًا للأعمال، وسنأخذ مثالا. وليم شوكلى العالم الفيزيائى العبقرى الذى حصل على جائزة نوبل فى الفيزياء سنة 1956 عن اختراعه للترنزيستور مشاركة مع جون باردين (الذى سيحصل على نوبل أخرى فى الفيزياء سنة 1972) ووالتر بارتين. إلى هنا القصة طبيعية.

وليم شوكلى قرر إنشاء شركة لتسويق هذا الاختراع الجديد الترنزيستور الذى سيدخل فى أغلب الأجهزة الكهربائية. وأنشأ شركته هذه فى مكان جديد بكاليفورنيا لم يكن يعج بالشركات بعد، هذا المكان سيعرف لاحقًا باسم وادى السيليكون (Silicon Valley). شركة شوكلى هذه أصبحت إحدى الدروس المهمة فى كتب الإدارة. هذا العالم الفذ كان ألعن مدير رأته الشركات فى العصر الحديث لدرجة أنه كان يضع من يعملون معه على جهاز لكشف الكذب. بالطبع فشلت تلك الشركة، بل إن أفضل ثمانية مهندسين عنده تركوا العمل فى يوم واحد وسماهم الخونة الثمانية (ويمكنك عزيزى القارئ أن تبحث فى الإنترنت على عبارة «traitorous eight»). اثنان من هؤلاء الثمانية سيقومون بعد عدة سنوات بإنشاء الشركة التى تعرف الآن باسم إنتل (Intel).

الموهوب فى شىء لا يعنى أن يعرف كل شىء. وهذه نقطة نراها عندنا للأسف فى بعض البرامج التليفزيونية عندما تجد برنامجًا يستضيف رياضيا موهوبا ويسأله عن الاقتصاد مثلا. الموهبة والإنجاز فى مجال لا تعنى بالقطع المهارة فى كل شىء.

...

هذا المقال ما هو إلا جولة سريعة جدًا عن العامل الإنسانى فى العلم والتكنولوجيا وأن الأمر لا يعتمد على أبطال خارقين، بل بشر لهم نقاط ضعف كما أن لهم نقاط قوة.

محمد زهران عضو هيئة التدريس بجامعة نيويورك فى تخصص هندسة وعلوم الحاسبات، حاصل على الدكتوراه فى نفس التخصص من جامعة ميريلاند الأمريكية، له العديد من الأبحاث العلمية المنشورة فى الدوريات والمؤتمرات الدولية، بالإضافة إلى الأبحاث والتدريس.. له اهتمامات عديدة بتاريخ وفلسفة العلوم ويرى أنها من دعائم البحث العلمى، يستمتع جداً بوجوده وسط طلابه فى قاعات المحاضرات ومعامل الأبحاث والمؤتمرات، أمله أن يرى الثقافة والمعرفة من أساسيات الحياة فى مصر.
التعليقات