خالد عبدالناصر من قريب - عبد الله السناوي - بوابة الشروق
الأحد 17 أكتوبر 2021 3:14 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح التبرع بالأعضاء بعد الوفاة؟

خالد عبدالناصر من قريب

نشر فى : الأحد 19 سبتمبر 2021 - 7:45 م | آخر تحديث : الأحد 19 سبتمبر 2021 - 7:45 م
ران صمت طويل قطعته نوبات بكاء، كأن «جمال عبدالناصر» مات الآن.
بدا الموقف مفاجئا فيما كان صديقى الراحل الدكتور «خالد عبدالناصر» يدقق بعض تفاصيل ما جرى فى بيت منشية البكرى يوم (28) سبتمبر (1970).
كانت الساعة تقترب من الرابعة صباحا مطلع عام (٢٠٠٣).
على خط هاتفى آخر من داخل نفس البيت كان معنا شقيقه «عبدالحميد».
انهار هو الآخر ودخل فى بكاء مرير.
لم أعلق بكلمة واحدة وتركت المشاعر تأخذ مداها لعل البكاء يريح.
بعد ثورة «يناير» بشهور قليلة، قبل عشر سنوات بالضبط، رحل «خالد» بعد معاناة مضنية مع المرض.
لم نجلس مرة واحدة نستقصى وقائع ما كان يجرى خلف الأبواب المغلقة وفق خطة معدة سلفا، كل شء ترك لتيار التذكر وكتب بنفس الطريقة.
فى أى وقت يتصل حتى لو كان فجرا، يروى ما يكون قد تذكره توا والكلام يوضع على أية أوراق يتصادف وجودها أمامى.
غلبت البكائيات على ما كان يتذكره من وقائع حتى خشيت عليه من التوحد مع الماضى.
لسنوات طويلة استقر داخله شعور غامض أنه سوف يغادر الدنيا مبكرا كوالده، الذى توفى فى الثانية والخمسين من عمره.
عاش أطول من هاجسه حتى الثانية والستين، قاوم الأمراض التى داهمته، سأل أصدقاؤه المقربون إذا كان ممكنا أن يساعدوه فى البحث عن عمل، هكذا بالحرف: «أنا عاوز اشتغل»، غير أن حياته انقضت بعد أسابيع قليلة من ذلك السؤال.
أعاد اكتشاف والده فى ثمانينيات القرن الماضى، أراد أن يؤكد لنفسه قبل الآخرين أنه «ناصرى» بالاعتقاد لا بالوراثة.
أثبتت التجربة جديته وصدقه، أدخل قفص الاتهام على خلفية تأسيسه لـ«تنظيم ثورة مصر».
ذهب إلى منفى اختيارى فى يوغوسلافيا مطلع تسعينيات القرن الماضى، لم يمش فى جنازة والدته.
فى هذه الجنازة هتف مواطنون مصريون فى وداع زوجة «عبدالناصر»: «ثورة مصر لما هبت، مصر من وراها ردت. عاشت الإيد اللى ربت».
حمل «عبء التاريخ» على كاهله، فهو النجل الأكبر لـ«جمال عبدالناصر»، وتصرفاته محسوبة على اسم والده.
يتحدث على راحته، كأى شاب آخر، مع أصدقائه، لكنه ما إن يخرج إلى المجال العام حتى يضبط تصرفاته وأقواله، فكل تصرف تحت المجهر وكل قول محل فحص.
لم يكن مقتنعا بسيناريو «التوريث»، ذات مرة قاصدا أن يصل صوته إلى مركز القرار قال لى على الهاتف صارخا: «ليه.. ليه.. يدخل الجحيم برجليه».
التعبير نفسه استخدمه الرئيس الأسبق «حسنى مبارك» فى سياق آخر: «لن أضع ابنى فى الجحيم بيدى»، غير أنه لم يوقف السيناريو وكان ما كان.
يكاد صوته إذا ما ارتفع أن يطابق صوت «جمال عبدالناصر»، كان ذلك يسعده إلى حدود غير متصورة.
قبل رحيل «عبدالناصر» بأسابيع قليلة خطر لوالدته أن تسأل: «خالد حيتخرج السنة الجاية، وأنا عارفة إنك حتبعته للجبهة الأمامية».
ــ «أيوه يا تحية».
كان تقديره أن الواجب الوطنى يقتضيه أن يدفع بابنه لخطوط القتال الأمامية، وفى أول نقطة مواجهة مع «إسرائيل». فماذا يقول الناس إذا دفع «عبدالناصر» بأولادهم لخطوط القتال الأمامية، وأعفى ابنه من ضريبة الدم.
كان يتذكر باعتزاز أنه لم يحصل على أى ميزة نسبية لكونه نجل الرئيس، تعرض لاعتداء بدنى من بعض زملائه أثناء تمرين رياضى فى المدرسة، أصيب وجهه بإصابات ظاهرة، طلب «عبدالناصر» من سكرتيره الخاص «محمد أحمد» أن يبلغ مدير المدرسة ألا يتعرض أى من زملائه للعقاب، أو المؤاخذة.
كان طالبا متفوقا حصد درجة الدكتوراه فى الهندسة من الجامعات البريطانية بعد رحيل والده وعمل أستاذا فى كلية الهندسة جامعة القاهرة التى تخرج منها.
ذكرياته فى منشية البكرى صاغت الخطوط العريضة فى تجربته الإنسانية، غير أن مشهدا واحدا قبع فى الذاكرة لا يغادرها، مشهد يوم الرحيل مساء (٢٨) سبتمبر (١٩٧٠).
كان قد انتهى لتوه من تدريب كرة يد بنادى هليوبوليس فى ضاحية مصر الجديدة.
لم يكن هناك شىء غير عادى.
رأى أمامه فجأة «عصام فضلى»، وهو ضابط من قوة الحراسة الخاصة بالرئيس.
قال له: «تعالى.. عايزينك فى البيت». لم يزد حرفا.
كانت هناك حركة غير عادية فى الدور الثانى بغرفة الرئيس.
«أبى أمامى على السرير مرتديا بيجامة، طبيبه الخاص الدكتور الصاوى حبيب يحاول إنقاذ حياته بصدمات كهرباء للقلب.
السيد حسين الشافعى بزاوية الحجرة يصلى ويبتهل إلى الله.
الدكتور الصاوى قال بلهجة يائسة كلمة واحدة: خلاص.
الفريق أول محمد فوزى نهره بلهجة عسكرية: استمر.
ثم أخذ يجهش بالبكاء.
نفذ أمر الله.
أخذت الأصوات ترتفع بالنحيب.
لم أبك.
وقفت مصدوما. بكيت بمفردى بعد أسبوعين لثلاث ساعات مريرة.
لم أصدق أن أبى رحل فعلا.
أمى أخذتها حمى أحزانها، أخذت فى البكاء والنحيب كأى زوجة تنعى رجلها وجملها.
جاء أنور السادات وتبعته ــ على عجل ــ السيدة جيهان بفستان أزرق.
السادات نهرها: «امشى البسى أسود وتعالى.
بدأ توافد كبار المسئولين فى الدولة على البيت.
حملت قوة الحراسة الشخصية جثمانه على نقالة إسعاف، بلا غطاء، وجهه مكشوف، ابتسامة رضا تعلوه، رائحة الموت كريهة، لكنها بدت لى مِسكا.
تابعت أمى الجثمان المحمول على نقالة إسعاف بنحيب دوى فى المكان الذى كان للحظات قليلة مضت المقر الذى تدار منه مصر وصراعات المقادير على المنطقة.
قال لها السادات على طريقة أهل الريف فى مثل هذه الأحوال: يا تحية هانم.. أنا خدامك.
مضى أبى أمام عيوننا محمولا على نقالة إسعاف، لم يعد. لم نره مرة أخرى.
لم تذهب معه أمى ولا أحد من أبنائه لقصر القبة.
أمى جلست على السلم تنتحب.
ما زال يدوى فى وجدانى بكاء أمى الملتاعة وهى تجرى وراء الخروج الأخير لعبدالناصر من بيت منشية البكرى: «وهو عايش خدوه منى. وهو ميت خدوه منى».
كان ذلك مشهدا تراجيديا مقتطعا من التحولات والانقلابات التى أعقبت الرحيل.
وسط تلك التحولات والانقلابات أعاد «خالد عبدالناصر» اكتشاف نفسه ومعنى حياته، وشاءت أقداره أن يعيش حتى يرى ثورة «يناير» (2011) التى أيدها بحماس بالغ قبل أن يرحل فى نفس العام.