صباح جديد يولد فى نافذتى - محمد موسى - بوابة الشروق
السبت 7 ديسمبر 2019 2:23 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

صباح جديد يولد فى نافذتى

نشر فى : الثلاثاء 21 فبراير 2017 - 9:10 م | آخر تحديث : الثلاثاء 21 فبراير 2017 - 9:10 م
فى هدأة الفجر المهيبة يبدأ كل شىء، لكن فى الضباب الذى يأكل الحاضر والمستقبل معا يضيع كل شىء. كلهم عبروا من هنا: المناضل وتاجر الفراخ الفاسدة، اليساريون وأهل الله من الإخوان والجماعات الإسلامية، بجانب الرئيس المؤمن آخر الفراعين العظام، ثم الحرامى الذى اعتقل مصر ثلاثين عاما، وتركها جسدا مستباحا للفساد.

المنصورة مسرح الرواية من الثمانينيات، منذ وصول الأب عثمان النبرواى إلى المدينة حافيا، حتى دخول الأولاد والأحفاد فى رحاب الشتات المصرى الكبير. إنها رواية «السيدة القوقازية» التى صدرت أخيرا للأديب الطبيب عامر سنبل. التقيته شابا وأنا فى عامى الجامعى الأول، فى قاهرة الثمانينيات، للمرة الأولى والأخيرة.

عن أيامنا وما جرى لمصر فيها يكتب عامر، عن سنوات الهبوط الرأسى من دولة كبيرة إلى شبه دولة. من مجتمع يصنع الأحلام إلى كتلة تنقسم على نفسها مثل الأميبا، وتتكاثر بالحقد والجهل والمرض. عن أولاد وبنات مثل الورد، ينبتون فى طمى الدلتا الخصب، ثم تتخطفهم الطير والطرقات، وتلتهم أعمارهم الأفكار والأحلام.

سناء بنت الحلم الإخوانى تدخل التجربة من كتاب زينب الغزالى، وفى سجن القناطر تكتمل التجربة مع ورد التى تعرفت عليها على الانترنت، لأنها مهتمة بدراسة اللغة العربية وأصول الدين. فى السجن تعلمت أن تصحو بين الفجر والصبح، تصلى وتتلو الأذكار، فتتسلل إلى روحها بهجة غامضة، رغم ضياع الوطن والحبيب.

أوليفيا بنت الحلم اليسارى، تغنت للثورة مع أحد الشعراء المناضلين. تابعت معه معارك الطبقة العاملة ضد انفتاح السادات، كان العمال أول شهداء الرأسمالية المتوحشة فى السبعينيات. مؤتمرات حزب التجمع بالمنصورة كانت مزيج السياسة والفن، ولقاء الرفاق والأحبة. إلى المدينة حضر الشيخ إمام ونجم فى ذكرى انتفاضة يناير القديمة، وهنا ناضل الشرفاء ضد قانون الإصلاح الزارعى الجديد، الذى صدر بضغوط صندوق النقد، وهنا فقدت أوليفيا قلبها البرىء.

انهزم الحلمان، اليسارى والإسلامى، فى غياهب دولة مبارك المجرمة، ولم تشهد مصر من قبل هذا الاستعراض المخزى للثروات، والأعداد المتنامية للرازحين تحت خط الفقر أيضا. تموج القاهرة بمظاهرات ضد الطاغية فى سنواته الأخيرة، ويدور الحوار:

ــ البلد دخلت منذ ثلاثين عاما فى ثلاجة الموت البطىء.

ــ مصر فى قبضة أنصاف المتعلمين وأنصاف الكفاءات وأنصاف الفاسدين وأنصاف المستنيرين وأنصاف السياسيين وأنصاف الدعاة، طبقة الأنصاف تحكم.

ــ ألا تشم رائحة عفنهم، النظام يسقط، لا أحد قادرا على إيقاف سقوطه.

هكذا تقدم «السيدة القوقازية» شهادة نوعية بتوقيع عامر سنبل، عن مصر فى نصف قرن. الروائى يتنقل بين الشخصيات ببراعة روائى خبير. يتلاعب بالزمن، تدخل الشخصية إلى الأحداث بلا هوية، ثم تنهمر الحقائق، فيعود الزمن إلى الماضى، أو يندفع إلى المستقبل، لتكتمل الملامح، وتتشكل المصائر.

ولأن أولى علامات نهاية الحياة هى محبة الموت، فإن هذه الرؤية الملحمية ترفض الاستسلام لكابوس الانهيار المصرى الكبير على يد سلسلة من الفراعين وأشباه الفراعين. الحياة مستمرة لترفض الموت وتهزمه. إنه صباح جديد يولد فى نافذتى كما كانت سناء تقول بعد صلاة الفجر. «من بطن الألم والوحل والقذارة يولد الأمل، من منشية المصطفى تولد مصر الجديدة، وفى جحيم الاحياء الشعبية يولد الشعراء»، كما تقرر الرواية فيما يشبه الرؤيا.

نقرأ الرواية، فنعرف أن مصر وحشتنا، لأن «أقسى ما يتذكر المرء بعد الفراق هو كم كانت حبيبته جميلة»، كما قالها عامر سنبل.

 

محمد موسى  صحفي مصري