تَجريفُ القَّـلب - بسمة عبد العزيز - بوابة الشروق
الخميس 2 أبريل 2020 9:38 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

تَجريفُ القَّـلب

نشر فى : الجمعة 21 فبراير 2020 - 8:10 م | آخر تحديث : الجمعة 21 فبراير 2020 - 8:10 م

بين عشَّية وضُحاها تحوَّلت الأرضُ الطيِّبةُ إلى جَدب، انطفأ اخضرارها وانقلب إلى لونٍ كالح. خليطٌ مِن تراب، وبقايا أوراق وثِمار ذابلة، وبعضُ أغصان، وجذور نخيل وسِيقان، بل وحبيباتُ طَمي؛ كانت كافيةً ذات يوم للحفاظِ على ساحات بَهجةٍ غير مُفتَعَلَة وَسطَ العتمة.
***
"أخدوها يا دكتورة". قالها الكَّهلُ الذي قضى عمرًا يُنظِّم وقوفَ العربات، ينادي قاطني المَنطقة كُلٌّ باسمِه، ويعرف عنهم كثيرَ التفاصيل. كان يتحدث بأسى عن حديقةٍ خَبَرَت مِن حياتِه أعوامًا طِوال. لعب فيها طفلًا وتسلَّق أشجارَها صبيًا، وجلس يشكو همَّه على حشائِشها الخشنةِ شابًا يافعًا، واستحكَمَت صداقتُه لها رجلًا ناضجًا. اعتاد مُناوشات قططِها وكلابِها، وتعايش مع نوباتِ جفافِها، كما شهد مَواسِمَ ازدهارِها وتألُّقها، ثم إذا بها تتركه اليومَ عاريًا بلا تاريخ.
***
كانت حدائقُ الحيِّ المَغدور مُتنفَّسًا لمَن لا مُتنفَّس لهم. مَن لا يرتادون سَلاسِلَ المَقاهي والمَطاعم الكُبرى، ومَن لا يملِكون عضوِيَّةً في أنديةٍ رياضيَّة تفتح لهم مَلاعبَها، ومَن لا طاقة لهم على ارتياد المُنتزهات التي صار رَسمُ دخولِها مُعضِلةً لا يُمكِن حلُّها؛ خاصةً وعائلةً صَغيرةً في رحلة لا مَناص مِن أن تكون اقتصاديةً؛ تضطر إلى ابتياع تذاكر بما لا يقل عن ثمانين جُنيهًا، فقط لاجتياز البوابة.
***
يقول مَحمود حارسُ البنايةِ الصغيرةِ التي لم تلحقها مَعاولُ الهَدمِ بعد: "كنا نذهب مَرَّات للجلوسِ في الحديقةِ القريبةِ، قعدة حلوة وكوبَين شاي.. راحَت". أعرف الحديقةَ التي تحدَّث عنها حَقَّ المَعرفةِ إذ أمرُّ بها في طريقي يَوميًا، وأدرك جيدًا أنها مَثَّلت مَلجأ لكثيرين؛ لم تعد الحياةُ تُسعِفهم بتمضيةِ أوقاتٍ أكثر رَفاهة. وسَط هذه الحديقةِ المَفتوحةِ التي توسَّطَت شارعًا رئيسًا ذا اتجاهين؛ اعتاد رجُلٌ في أواسِط العُمر أن يَضعَ بِضعةَ مَقاعِد بلاستيكية مُتناثِرة وأمامها مَناضِد صغيرة مُتنوِّعة الهيئة، مُتواضِعة الحال؛ بعضُها يقفُ مُعتدلًا والبعضُ الآخر يَمِيل لعَيبِ أو آخر على جانِبه؛ لكنَّه يُؤدِّي الغَرضَ ويَحمِل الأكواب. يضَع الرجلُ مَوقدًا وبَرادًا وكنكاتِ قهوة نحاسيةٍ صَغيرة، وعلى أحجارٍ كبيرةٍ رَصَّها فوقَ بعضِها البعض في دِقَّة؛ يَصُفُّ برطمانات الشاي والبُنِّ والسُّكَّر، ويَحرص في العادةِ على توفير ما تيسَّر مِن أكياسِ الأعشابِ؛ يانسون فَتلة ونعناع وأحيانًا قرفة، ولا ينسى بالطبع عبوات النسكافيه السادة وعلبة اللَّبن.
***
كثيرًا ما فضَّلت الجلوسَ في وَسعِ هذه الحديقة على دخول مكانٍ مُغلق؛ له مَقاعد أكثرَ راحةً ومَناضِد أكثرَ ثباتًا. فضَّلت أن أتفرَّجَ على السياراتِ المارَّة أمامي، وتلك التي تتباطأ أمام مَحل البقالة الشهير ومَطعَم الفول الأشهر؛ مُتحيِّنةً مَكانًا للوقوفِ، وخَطفِ دقائق لشراءِ ما يلزم. فضَّلت هواءً طبيعيًا وسماءً مَفتوحة، وارتبطُّت برائحةِ الحشائش المُبتلَّة، المَحمُولة برِفق يُحيطُ المُتسامِرين. جعلتها في شهر رمضان مَقصدًا مسائيًا دائمًا، ومِثلي فَعَلَ عديدون؛ حتى لم تعد هناك أماكنٌ شاغرة.
***
لم ألتقِ مَحمودًا في تلك الحديقة مِن قبل رغم أننا كُنا مِن زبائِنها ومُحبِّيها؛ فأوقات الزيارات قد تبايَنت، والأكيد أنني لن ألتقيه وزوجَه الشابة وطفليه مُستقبلًا فيها؛ فقد مُحِيَت الحديقةُ كاملةً مِن على وجه الأرضِ، وصارت مَنزَلًا لكوبري ضِمن عشرات الكباري التي غَزَت الحيَّ وشوَّهَت مَعالمَه، ومع اكتساح المكانِ اختفت "نصبة" الشاي، وتبخر صاحبُها، واستحالت مساحات الوِدِّ التي قامت بين ناسِها سرابًا.
***
لا مَكان في نَمَط الحياةِ الجديد الذي يتم تخليقُه عنوَة تحت عنوانِ "التطوير" لأناسٍ بُسطاء. لا مَكان للسائرين على أقدامِهم، العازفين عن التكلُّف، لا مَكان في بيئةٍ مُصطَنَعةٍ تحتقر الطبيعةَ وتزدريها؛ لبشرٍ مُتمسِّكين حتى النهاية بأهدابِ آدميتهم.

بسمة عبد العزيز طبيبة وكاتبة
التعليقات