ما رأى النائب العام؟ - فهمي هويدي - بوابة الشروق
الإثنين 18 أكتوبر 2021 7:07 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح التبرع بالأعضاء بعد الوفاة؟

ما رأى النائب العام؟

نشر فى : الجمعة 22 يناير 2016 - 11:25 م | آخر تحديث : الجمعة 22 يناير 2016 - 11:25 م

أدعو إلى التعامل مع الرأى العام بقدر من الحذر والاحترام. ليس فى مصر وحدها ولكن أيضا فى العالم العربى كله. ذلك أننى ألاحظ أن بعض القرارات التى تصدر تعبر عن الاستهانة بالإدراك العام وسوء الظن بوعى الناس وذكائهم. فضلا عن تجاهلها لما حققته ثورة الاتصال وانتشار التعليم من تقدم وتطور ليس فقط فى الوعى ولكن أيضا فى فنون التواصل ونقل المعلومات، وهو ما يسوغ لى أن أقول بأن الناس ليسوا بالسذاجة أو البلاهة التى يتصورها البعض، وأنهم أصبحوا يملكون القدرة على التمييز بين الغث والثمين، وبين الصدق والإخلاص والنفاق والتدليس. وعلى من يشك فى ذلك أن يلقى نظرة على مواقع التواصل الاجتماعى وصفحات الفيس وغير ذلك من الوسائط والمنابر غير الخاضعة للسيطرة والغربلة والتوجيه وإن كانت قابلة للاختراق. لذلك أزعم بأن مجتمعاتنا أصبحت تطالع خطابين يتكلمان بلسانين مختلفين وأحيانا متناقضين. أحدهما يتمثل فى وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة وهذه تعبر عن وجهة النظر الرسمية بدرجة أو أخرى. والثانى يتمثل فى مواقع التواصل الاجتماعى التى أصبحت المنبر الأوسع الذى يعبر عن وجهة نظر المجتمع. ورغم أن تلك المواقع تتعرض للمراقبة والملاحقة وربما الإغلاق والمصادرة، فإن تلك تظل إجراءات عقابية لاحقة، فضلا عن أن من يحاصر بعض المواقع وقمعها، فإنه لا يستطيع أن يحاصر كل المواقع.
أقول ذلك بمناسبة ما شهدناه فى مصر أخيرا حين فوجئنا ذات صباح بحملة تنديد شرسة فى اتجاه معين، تبنتها وسائل الإعلام بمختلف منابرها مروجة لسيل من الادعاءات والاتهامات.
واستمرت تلك الحملة بذات الوتيرة يومين أو ثلاثة، ثم حين أتيح للرأى الآخر أن يعبر عن نفسه فى تصحيح المعلومات التى ذكرت أو كشف التدليس الذى جرى الترويج له، إذا فوجئنا بقرار أصدره النائب العام يحظر النشر فى الموضوع ويلزم الجميع بالصمت على أمور بالغة الخطورة تمس سمعة الدولة وهيبتها. حين يحدث ذلك، دون أن يبين النائب العام الأسباب التى دعته إلى فرض الحظر، فإن ذلك يفتح الباب لإساءة الظن بموقفه وبالأسباب التى دعته إلى ذلك. ذلك أنه فى غيبة الأسباب التى كان عليه أن يوردها لإقناع الرأى العام بالكف عن الحديث فى الموضوع يجد الناس أنفسهم أمام احتمالين لا ثلاث لهما. الأول أن إغلاق الباب أريد به التستر على فضائح معينة منسوبة إلى المؤسسات المهمة فى الدولة التى هى فوق القانون وفوق الحساب. الثانى أن النشر كان مباحا ومرحبا به طالما ظل يعبر عن خطاب التشهير والاتهام والاغتيال المعنوى، ولكن حين بدأت الحقائق تظهر من خلال صوت الرأى الآخر تمت المسارعة إلى إغلاق الباب وطولب الجميع بالصمت. وفى الحالتين فإن الإساءة تصبح من نصيب السلطة التى يظن البعض أنها تتستر على وقائع الفساد فى مؤسساتها. كما أنها تسىء إلى النائب العام نفسه الذى قد يظن به أنه استخدم صلاحياته لحماية طرف وتشويه طرف آخر. دون أدنى احترام لحق الناس فى المعرفة.
الذى لا يقل خطورة عن هذا وذلك أن الذين أداروا العملية كلها لم ينتبهوا إلى أن هناك جمهورا ذكيا ومفتوح الأعين يرفض ابتلاع مثل هذه الرسائل، ولديه من الوعى ما يمكنه من أن يلتقط المعانى والدلالات الكامنة وراء قرار الحظر، وهو ما حدث. ولا تنس أن الجمهور ذاته الذى يفهمها وهى «طائرة» كما نقول، فما بالك بها حين تكون مكتوبة ومقروءة ومسموعة؟!
من المصادفات أن قرار النائب العام بحظر النشر فى إحدى قضايا الفساد الشهيرة صدر بعد قرار محكمة القضاء الإدارى بإبطال حظر النشر الذى أصدره النائب العام السابق فى تحقيقات قضية انتخابات الرئاسة. التى جرت عام ٢٠١٢، وقال قرار المحكمة التى رأسها المستشار يحيى الدكرورى نائب رئيس مجلس الدولة أن قرار النائب العام اغتصب سلطات قاضى التحقيق المخول له قرار حظر النشر فى قضية معينة ما دام هو من يباشر التحقيق فيها. وأوردت الحيثيات رأيا شجاعا ونزيها ذكرت فيه أن كل تقييد لحق المواطنين ووسائل الإعلام فى الوصول إلى المعلومات الصادقة على غير سند من القانون ودون مبرر يستند إلى المصلحة العامة يعد مخالفا للدستور ويهدر الحقوق التى أقرها للمواطنين ووسائل الإعلام. وأن كل ساحة تخلو فى وسائل الإعلام من المعلومات والحقائق تمتلئ بالأكاذيب والأضاليل. وكل خصم من العلم الصحيح بالحقائق يؤدى إلى زيادة الجهل والانتقاص من الوعى العام.
إن ما ذكره المستشار الدكرورى لم يعبر فيه عن احترام الرأى العام فحسب، ولكنه جاء معبرا عن نص القانون وروحه ــ ما رأى النائب العام فى هذا الكلام؟

فهمي هويدي فهمى هويدى كاتب صحفى متخصص فى شؤون وقضايا العالم العربى، يكتب عمودًا يوميًا ومقالاً اسبوعياً ينشر بالتزامن فى مصر وصحف سبع دول عربية اخرى. صدر له 17 كتابا عن مصر وقضايا العالم الاسلامى. تخرج من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1961 ويعمل بالصحافة منذ عام 1958.