عسل أسود.. ولكن - بهجت قرني - بوابة الشروق
الأحد 19 مايو 2024 8:02 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

عسل أسود.. ولكن

نشر فى : الإثنين 22 أبريل 2024 - 6:40 م | آخر تحديث : الإثنين 22 أبريل 2024 - 6:40 م

على الرغم من هيمنة السياسة العنيفة والحرب هذه الأيام، لا يزال بإمكاننا أخذ قسط من الراحة والنظر إلى السياسة والمجتمع بطريقة مختلفة، حتى بطريقة مضحكة ولكنها هادفة. وتذكرت خلال شهر رمضان موضوعا ذا صلة ولكن لا نعرف عنه كثيرا ألا وهو «المسلمون الصائمون خارج الديار»، خاصة فى البلاد غير الإسلامية فى أوروبا وأمريكا الشمالية. ذكرتنى بعض التعليقات بالفيلم المشهور «عسل أسود»، تابعت بالطبع هذا الفيلم الذى تم عرضه فى 2010 ولكن لم أشاهده فى ذلك الوقت رغم أهمية الموضوع لى شخصيا، ونجحت فى تعويض هذا التأخير عن طريق صديقة كبيرة وأستاذة متميزة فى الجامعة الأمريكية.

الشاب المصرى - الأمريكى (الذى يقوم بدوره أحمد حلمى) فى الثلاثينيات من عمره والذى هاجر إلى أمريكا مع أبويه وهو طفل فى عامه العاشر، ولكن مع وفاة أبيه وأمه، يأتى إلى مصر بعد عشرين عاما للزيارة تمهيدا للاستقرار كمصور، ويختار موعد الزيارة هذه فى شهر رمضان ليعيش طقوس هذا الشهر الكريم.

•  •  •

فى الحقيقة، الفيلم رائع لأنه يعالج موضوع الساعة فى مصر والمنطقة العربية ألا وهو الهجرة وخاصة اللحاق بالحلم الأمريكى والنجاح فى وطنه الجديد، ولكن مع الاشتياق إلى وطنه القديم وأصوله الماضية، أى الحيرة بين ثقافتين. إلا أن الفيلم يعالج هذا الموضوع الهام بأسلوب كوميدى، ويثبت بوضوح أن الكوميديا ليست مجرد تهريج بل ذات رسالة، حتى لو كان الأداء مسليا وفى أحيان كثيرة يهدف إلى الضحك وحقيقة ينجح.

بالنسبة لهذا التمزق الثقافى، اسم الفيلم ذو مغزى. العسل الأسود هو البقايا بعد تكرير وتصنيع السكر من القصب حتى يصبح أبيض، ورغم شعبيته إلا أنه يقترب إذن من النفايات، وكان فى الماضى يباع مع البائعين الجائلين فى البلاص.

وفى الواقع، فإن فيلمنا يبين الأسود أكثر من العسل وحلاوته، والذى يهزم مبدئيا مثالية هذا المواطن المصرى فى التمسك بأصوله؛ فهو يختار أن يصل مصر بجواز سفره المصرى فقط ويترك الأمريكى فى وطنه الثانى، ويفاجأ فى المطار بسوء المعاملة التى يتعرض لها المصرى وينجو منها الأجنبى، بل يجد صعوبة فى الحصول على غرفة فى الفندق بسبب اعتماده على الباسبور المصرى وليس الأمريكى.

ثم يواجه مشاكل المجتمع المصرى، بداية من الخروج من المطار حيث يقع ضحية للسواق الذى يؤكد له وجود ليموزين له بدلا مما يشبه ميكروباصا ويبالغ فى سرقته عن طريق محاسبته فيسعر الدولار أكثر من ضعف المتداول، ويستمر ليرى تدهور التعليم حيث مدرّسة الإنجليزى الجاهلة التى لا تعرق نطق اللغة، ولكنها لا تود أن تسمع وتتعلم لكى تساعد نفسها وتلاميذها، ثم معاملة رجال الأمن له كمصرى وسجنه دون أدنى معايير إنسانية، على العكس تماما من معاملة الأجنبى والتسامح معه. يفيض الكيل به ويضطر لبذل المجهود لاستعادة جواز سفره الأمريكى، حيث المعاملة تختلف إذن، من الفندق إلى مستويات الأجهزة الحكومية المختلفة.

الفيلم يظهر فى الحقيقة منظرا غاية فى التعبير عندما يقوم هذا المواطن الأمريكى الذى يتخلص من مصريته ويرمى باسبوره المصرى بكل انتقام فى أعلى الفضاء من بلكونة فندقه. ولكن يحدث أثناء أحد احتجاجات الشارع المصرى أن يفقد جواز سفره الأمريكى، ويصبح دون أية وثائق رسمية تثبت شخصيته، وبالرغم من عدم التوضيح فى الفيلم، فمن الممكن تفسير وضعه إذن أنه بدون هوية؛ لا هو أمريكى ولا مصرى.

تستمر مغامرات مصرى سيد العربى، فيذهب إلى جامع المعز الذى تم تجديده للصلاة، وعندما يخرج يكتشف سرقة حذائه، ولكن خادم الجامع يعطيه قبقابا لكى يصرف أموره. ويقفز من الأتوبيس بعد التحرش به، ويجلس على الرصيف منهكا، فيتصور أحد المارة إنه أحد المتسولين، فيعطيه إحسانا كنوع من صدقة رمضان. والمغزى أنه برغم كل هذه المشاكل فى بلد فقير، فإن أهل الخير موجودون. وهو ما نراه بصورة أكبر عندما يجد أخيرا بيت أسرته القديم ويلتقى بصديق طفولته سعيد - الذى لا يستطيع أن يتزوج من خطيبته لأنه لا يجد عملا - بل إن سعيد لا يزال يأخذ المصروف من أمه، وبالرغم من ضيق اليد فى هذه الأسرة الشعبية إلا أنها تئويه وتقدم له الطعام، بل تتبناه كأحد أفرادها، وهو ما يجعله يصر على ارتداء خاتم يحمل علم مصر.

•  •  •

الفيلم شديد الثراء ولا تسمح مساحة المقال بعرض تفاصيل هامة مثل مناقشة البطل مع المصور القديم عم جلال (يوسف داوود) الذى لا يزال مقتنعا بمصر رغم التدهور المستمر. كما أن الفيلم مكتمل الأداء من تأليف وحوار وموسيقى تصويرية وتمثيل. فالبطل أحمد حلمى نجح فى نطق العربية بلكنة أجنبية. وبالرغم من اعترافه فى برنامج تليفزيونى أنه لا يجيد الإنجليزية، فإننا لا نلحظ ذلك فى تكرار كلماته القليلة بهذه اللغة، حتى عندما ينفعل ويكرر غاضبا اللعنة الشعبية shit، التى نستطيع ترجمتها تأدبا ومجازا «زفت».

البعض قد يحتج على الفيلم على أساس أنه ينشر الغسيل الوسخ عن مصر وسلبياتها، بل نضحك على خيبتنا كما قال أحد النقاد، ولكن رد البعض الآخر هو عدم تجاهل الواقع المر، بل نشر السلبيات للفت النظر بعدم التعود عليها وقبولها بل الاعتراض عليها ومحاولة تغييرها. وهذا الانقسام الداخلى هو ما يعانيه البطل نفسه. إذ فى الطائرة فى طريق العودة لأمريكا، يقرر الرجوع لمصر ويتظاهر بالمرض، ولكن الطيار يرفض العودة بالطائرة، ثم يغير رأيه عندما يكتشف أن الراكب يحمل جواز السفر الأمريكى.

الرسالة واضحة حتى نهاية الفيلم، وقد يكون هذا تحفظى على الفيلم، فى وقت يشتد فيه حلم الهجرة؛ وهو الإيحاء من خلال جواز السفر أن أمريكا هى الجنة على الأرض، لكن هذا يختلف تماما عن أمريكا الحقيقية حتى بالنسبة لدول متقدمة أخرى ومتجاورة مثل كندا، وأيضا لدى العديد من الأمريكيين الذين ولدوا فيها ولم يتركوها.

وحتى دون التفكير فى السلوك السياسى الحالى مثل توريد السلاح لإسرائيل لمواصلة الإبادة الجماعية فى غزة، فهى بلد العنصرية ضد السود، السماح بحمل السلاح وانتشار العنف والقتل داخل مدارس الأطفال، استمرار التأييد الشعبى لعودة رئيس مثل ترامب المدان فى عدة قضايا من التحرش الجنسى إلى الغش المالى، والذى يهدد بأنه إذا لم يعاد انتخابه عن طريق صندوق الانتخابات، سيكون هناك حمام دم. وقد يكون هذا موضوع مقال آخر لتوضيح أنه إذا كانت مصر بلد العسل الأسود، فقد تكون أمريكا أحيانا العسل المر.

 

التعليقات