هل كان هيكل ناصريا؟ - عبد الله السناوي - بوابة الشروق
الخميس 22 أكتوبر 2020 8:25 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

هل كان هيكل ناصريا؟

نشر فى : الأربعاء 23 سبتمبر 2020 - 9:20 م | آخر تحديث : الأربعاء 23 سبتمبر 2020 - 9:20 م

فى الأيام الحزينة التى تلت رحيل الرئيس «جمال عبدالناصر» قبل خمسين سنة كتب الأستاذ «محمد حسنين هيكل» مقالا صادما على صفحات «الأهرام» عنوانه: «عبدالناصر ليس أسطورة».
بعد عقود طويلة راجعته فيما كتب وقصد إليه، وكانت إجابته: «خشيت فى أعقاب رحيل عبدالناصر، والحزن عميق عليه، من إضفاء طابع كهنوتى على تجربته السياسية والتاريخية، وأن يقف على أبوابها كهان وحراس، فالتجارب الكبرى بنت زمانها، ولدت على مسارحه، وتفاعلت مع تحدياته، نجحت وأخفقت، صعدت وتراجعت، لكنها حدثت فى سياق تاريخ يجرى لا أسطورة تنشدها قرائح شعراء ورواة».
«قيمته تؤكدها معاركه وقضاياه والأحلام التى حملها والمشروع الذى دعا إليه، وهذه وقائع تاريخ لا أساطير منسوبة».
فى تسجيل صوتى له ظروفه الخاصة ولم يكن للنشر ردد المعنى نفسه:
«لقد رأيناه رؤية عين لا بخيال رواة السير الشعبية».
«عشنا تجربته ولم نستمع إليها كسيرة الظاهر بيبرس».
«كان ثائرا عظيما وإنسانا بديعا».
فى حوار آخر سألته: «هل أعدت اكتشاف عبدالناصر من جديد بعد كل ما جرى فى مصر وعالمها العربى من تحولات وانقلابات على خياراته الرئيسية؟».
قال: «لا، فقد كنت أعرف قدر دوره، ما جرى بعده يؤكد ويثبت أنه رجل استثنائى، وما طالعته من وثائق غربية لم تكن متاحة فى أيام يوليو تؤكد وتثبت ما تعرضت له تجربته من مؤامرات».
لماذا اقترب من «عبدالناصر» إلى درجة التماهى؟
ولماذا ابتعد عن «السادات» إلى درجة الصدام؟
سؤالان فى التاريخ إجابتهما فى السياسات والتوجهات والخيارات الرئيسية.
لمرة نادرة ألمح فى حوار صحفى إلى أسباب إلحاحه فى معارضة «السادات»: «هو ظنى بأننى قمت بدور أساسى فى مجىء السادات رئيسا بعد رحيل عبدالناصر، وبدور كذلك فى تأييده بظروف أحاطت بمصر أيامها» ـ قاصدا أحداث (١٥) مايو التى تردد أنه مهندسها.
اختلف ـ أولا ـ على الإدارة السياسية لحرب أكتوبر.
واختلف ـ ثانيا ـ على التوجهات الاجتماعية الجديدة.
وقد كانت هناك صلة عند الجذور بين السلام مع إسرائيل والانفتاح الاقتصادى بالطريقة التى جرى بها.
«حاول السادات أن ينشىءطبقة جديدة تساند فكرة السلام».
«كان سؤال هنرى كيسنجر: أين الطبقة الاجتماعية التى يمكن أن تسند أى تحول استراتيجى؟».
«وأسفر الانقلاب الاجتماعى عن خلق طبقة أكثر تدينا وأقل أخلاقا».
«فى سنة ١٩٧٥ كنت أمام وضع اجتماعى يتغير دون أن يقول لنا أحد من أين جاءت القطط السمان، ولا كيف حصلت على ثرواتها؟».
هكذا تحدث نصا فى الشريط المسجل.
كان ذلك هو المشروع النقيض لما دعا إليه «عبدالناصر»، شارك فى صناعة حلمه وصاغ وثائقه الرئيسية.
فى الجانب الآخر من تجربة يوليو التزامات لم يتخل عنها تحت أى ظرف تجاه ما يعتقده من أفكار، فالوفاء للأفكار قبل الرجال.
لم يكن يدافع عن «عبدالناصر» بقدر ما كان يدافع عن أفكاره واعتقاداته هو.
ذات مرة عند إحدى أزماته ومعاركه قال: «أنت لا تدافع عنى بل عما تعتقد فيه من أفكار».
على جانب من غرفة مكتبه كان هناك تمثال صغير، ربما لنحات يوغوسلافى، نصف الوجه لـ«عبدالناصر» والنصف الآخر لـ«هيكل»، كأنهما واحد.
شىء من ذلك التصور الفنى هو صلب رؤيته لدوره فى تجربة يوليو.
قلت له عند «استئذانه فى الانصراف» بعد بلوغه الثمانين من عمره، والمشاعر العامة تغمره بفيض عرفانها: «أرجو أن تلتفت إلى أن الناس اختارتك بإرادتها الحرة أن تكون فى الصورة الأخيرة الرجل الثانى لثورة يوليو دون أن تكون من ضباط قيادتها، أو توليت أى منصب تنفيذى فى تجربتها، باستثناء فترة محدودة وزيرا للإعلام».
الاختيار الحر وزن تاريخ لا ثقل منصب.
«كان شعورى غريبا خلال ساعات الرحيل الحزينة: كيف رحل.. ولم أرحل معه؟» ـ كما كتب بمشاعره.
«إن جمال عبدالناصر أعطى ـ فيما أعتقد ـ إجابات صحيحة فى مجملها تجاه القضايا التى طرحها العصر. ثم إن جمال عبدالناصر أجرى ـ فيما أعتقد ـ ممارسات سليمة فى مجملها لتطبيق ما أعطاه من إجابات تجاه القضايا التى طرحها العصر» ـ كما كتب بعقله.
«لقد استعملت تعبير إجابات صحيحة فى مجملها، وممارسات سليمة فى مجملها ـ لأنه ليست هناك تجربة بلا أخطاء».
لم تعن له تجربة «عبدالناصر» «دروشة» فى الماضى بقدر ما كان إلهاما للمستقبل، فكل ما له قيمة يبقى، وأية أخطاء شابتها لا تسحب منها جدارتها حين غيرت وأحقيتها حين واجهت.
«جمال عبدالناصر هو الحقيقة الأساسية فى التاريخ المصرى الحديث»، لكنه كان يرى أن «هناك ناصريين ولا توجد ناصرية».
ربما أراد نفى الصفة الأيديولوجية، التى ترتبط بالضرورة مع مثل تلك الانتماءات، خشية الجمود بعدوى الصور النمطية، وربما أراد أن يؤكد اتساع رؤيته لمجمل الحركة السياسية العامة، دون انحياز إلى فريق أو آخر، غير أن أحدا لم يقتنع بالعمق، فهو شريك بالتجربة والكاتب الرئيسى لوثائقها.
فى أول حوار صحفى أجريته معه، جوار رئيس تحرير «العربى» آنذاك «محمود المراغى»، نشر يوم الاثنين (٢٦) يوليو (١٩٩٣)، دخلنا فى نقاش طويل لم يصل إلى شاطئ.
فيما قاله: «أتصور أن الخلاف بيننا خلاف مسميات، لا مانع عندى، من واجبك أن تبقى فى أدبياتك تفاصيل ما فعله عبدالناصر، لكن الانتساب إلى فرد فى العنوان يعيدك، حتى دون أن تقصد إلى كامل عهد، العهود تتغير، عندما تقول عبدالناصر، أو الناصرية، أو الناصريين، معناها أنك تتكلم فى حدود التطبيقات التى عملها… لكنى متفق معك فى قيمة الرمز».
«خشيت ـ وما زلت أخشى ـ أن التركيز على الرجل يدفع بالآخرين أن يردوا عليك بالتركيز على العصر، وعلى اللحظة، وعلى المناخ.. ويضيع المشروع والفكرة والتطبيق، وحتى الوصول إلى الناس».
بعد ثمانى سنوات كان الحوار بيننا ساخنا وممتدا بلا حواجز فى الشأن العام، فجأة أطلق «الأستاذ» عبارة بدت غريبة على قاموس مفرداته السياسية: «أنا كناصرى..».
قاطعت استرساله: «هذا اعتراف جاء أوان إعلانه على الرأى العام».
قال: «ليس الآن».
كان ذلك عام (٢٠٠١).
بعد ثلاث سنوات أخرى فى يناير (٢٠٠٤) نشرت اعترافه المتأخر بعد استئذانه:
[لم أصدق يوما أن هيكل ليس ناصريا، باعتقاد أن ما يكتبه من رؤى وأفكار تنتسب بصورة مباشرة لمشروع جمال عبدالناصر، الذى هو ـ كما يرى ـ المشروع القومى المتجدد.
قال هيكل: أنا ناصرى بهذا المعنى وحده.
قلت له على الفور: وأنا ناصرى بهذا المعنى وحده].
كانت قضيته المشروع باتساع حركة فعله، لا الأيديولوجيا بانغلاقها على مقولاتها.
لم يكن معنيا بالتصنيف الأيديولوجى بقدر ما كان متنبها إذا ما كان هناك فيما يسمع ويقرأ ويتابع شيئا له قيمة أو فكرة لها أثر.
قال له الدكتور «عبدالوهاب المسيري«: «لست ناصريا».
أجابه: «ليس مهما».
الواقعة جرت فى أواخر الستينيات من القرن الماضى عندما عرض وزير الإعلام «محمد حسنين هيكل» على الباحث الشاب الانضمام إلى دائرته الاستشارية.
حسب رواية أخرى لـ«المسيرى» فإنه سأله عن سر علاقته بـ«عبدالناصر» فـ«إذا به يتحول من كاتب صحفى إلى شاعر غنائى، كيف أن عبدالناصر بالنسبة لمصر هو المستقبل، وهو التنمية المستقلة، وكيف أن العروبة من الممكن أن تعطى لهذه المنطقة هوية حضارية وثقلا استراتيجيا يجعلها تواجه عالم التكتلات الكبرى».
لم يمنع انحيازه للمشروع من انتقاداته للنظام.
الأول، يمتد بالتجديد فى الزمن.. والثانى، تنقضى صلاحياته باختلاف زمنه.
سألته: «كيف تصنف نفسك فكريا وسياسيا؟».
أجاب: «يسار وسط».
قلت: «لماذا يعتقد بعض معاصريك أنك أقرب إلى اليمين؟».
قال: «كانوا يظنون أن تجربتى فى أخبار اليوم أثرت على تكوينى الفكرى والسياسى».
«كيف أكون يمينيا وأنا من صاغ فلسفة الثورة والميثاق الوطنى وبيان ٣٠ مارس والخطب التأسيسية للتجربة الاشتراكية، التى أعلن فيها عبدالناصر التأميمات».
«أنت تعرف أننى لا أكتب شيئا لا أقتنع به».
«ثم لا تنس أننى أول من كتبت عن زوار الفجر واستخدمت مصطلحات مراكز القوى والدولة داخل الدولة ودولة المخابرات لإدانة أسلوب فى الحكم بعد نكسة يونيو، وتلك كلها اختيارات فكرية وسياسية أؤمن بها».
«ثم إن انتمائى العروبى هو حصاد تجربة جيل بأكمله شاهد وتأثر بحرب فلسطين، واكتشف هويته تحت وهج النيران».