مستقبل مصر بين الإسلاموفوبيا والطبقية - محمد المنشاوي - بوابة الشروق
الإثنين 15 يوليه 2024 8:23 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

مستقبل مصر بين الإسلاموفوبيا والطبقية

نشر فى : الأحد 24 يونيو 2012 - 8:35 ص | آخر تحديث : الأحد 24 يونيو 2012 - 8:35 ص

هل هى الإسلاموفوبيا أم الطبقية؟ سؤال أستدعيه كلما رأيت قوة رد الفعل الرافض للصعود الكبير للأحزاب والحركات ذات المرجعية الإسلامية منذ تنحى الرئيس السابق يوم 11 فبراير 2011.

 

لقد خبرت واطلعت عن قرب من خلال معيشتى ودراستى وعملى فى الولايات المتحدة على مظاهر الإسلاموفوبيا فى صورها القبيحة المختلفة والتى زادت بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، أى قبل عشر سنوات من سقوط مبارك. ويمكن تعريف الإسلاموفوبيا ببساطة بأنها خوف أو كراهية مبالغ فيه ضد الإسلام والمسلمين فى الغرب. وتهدف بصورة أساسية إلى تقديم صور نمطية سلبية تؤدى للتحيز ضد المسلمين فى العمل والسكن والتعليم، وتهميشهم فى الحياة العامة. وساهمت خبرة الثورة الإيرانية فى نهاية سبعينات القرن الماضى وأزمة الرهائن الأمريكيين فى توفير بيئة مرحبة بهذه الظاهرة. ويقف وراء هذه الحركات بالأساس مجموعات يمينية متشددة من المحافظين الجدد تعبئ وتحشد قواها ليبدو المسلمون وكأنهم خطر شديد على أمريكا.

 

إلا أن ما يثير الدهشة حقا هو تنامى ظاهرة الإسلاموفوبيا بسرعة كبيرة داخل مصر، تلك الدولة التى يدين أغلبية سكانها بالإسلام.

 

وقد لاحظت الدور الذى لعبته النخبة المصرية، والتى تتكون أساسا من الطبقة العليا والشريحة العليا من الطبقة المتوسطة Upper Middle وراء انتشار هذه الظاهرة. تلك النخبة التى سيطرت على زمام الأمور فى مصر خلال الثلاثين أو الستين عاما الماضية، ولم تسهم فى تقدمها. يعرف علم الاجتماع مصطلح الصفوة بأنهم جماعة من ذوى النفوذ والسلطة يمتلكون مقاليد القوة فى الجهاز السياسى والإدارى للدولة نتيجة قربهم وخدمتهم لدوائر صنع القرار. وقد سمح النظام السابق بوجود تلك الطبقة التى عاشت وكبرت فى كنف نظام اعتمد على تزاوج المال والسلطة فى أبشع صورة ممكنة. وتم استخدام جهاز الدولة والحزب الحاكم للحفاظ على شبكة المصالح الضيقة لهذه الفئة.

 

ولم تهتم تلك النخبة بتعرض أبناء الطبقات الدنيا لقمع منظم فى أقسام الشرطة أو السجون. لم تعترض تلك الطبقة على القمع الوحشى للمعارضين السياسيين، ولا المحاكمات العسكرية، ولا وضع آلاف المعتقلين السياسيين فى السجون قبل وبعد الثورة.

 

خلال العقود الثلاثة الماضية لم يستطع أحد تغيير هذه الطبقة أو تغيير سلوكها أو تركيبتها بسبب غياب وجود آلية ديمقراطية تسمح بتداول السلطة. ونأت هذه النخبة بنفسها عن مصر الحقيقية ومشكلاتها التى يعانى منها غالبية ملايين الشعب المصرى وظهر ذلك جليا فى قطاع التعليم، فلم تمانع هذه النخبة فى تدهور نظام التعليم المدرسى والجامعى الحكومى منه والخاص. وأوجدت لنفسها تعليما بديلا يعتقدون أنه جيد فى المدارس الخاصة ذات المناهج الأجنبية من بريطانية وأمريكية وفرنسية، وحتى تركية. ونفس النموذج تكرر فى قطاع الصحة والنقل والإسكان.

 

 

ومع سقوط الرئيس مبارك، استطاعت أحزاب الإسلام السياسى، معتمدة على تصويت أبناء الطبقات الدنيا والوسطى بالأساس، أن تنتزع أغلبية واضحة فى كل الانتخابات التى أجريت سواء فى مجلس الشعب أو الشورى أو الرئاسة. وعكس ذلك قوة تنظيمية كبيرة ووجود حقيقى على الأرض فى مختلف محافظات مصر، يقابله تشرذم وتنافس بين التيارات غير الإسلامية من ليبراليين ويساريين ووفديين ووسطيين وغيرهم.

 

وساهم ذلك كله فى انتشار مقولات منها أن الإسلاميين يريدون السيطرة على كل نواحى الحياة، ونحن خائفون على مصر من مصير أفغانستان وإيران، ونحن خائفون على الحريات. ودعمت ظاهرة الشيح حازم أبو إسماعيل من انتشار هذه المقولات على نطاق واسع. وظهرت أيضا مقولات تعبر عن مخاوف من «تغلغل الإسلاميين فى أجهزة الدولة». وتناسى البعض أن مصر لم يكن بها حريات حقيقية خلال الستين عاما الأخيرة، كما أن أحدا لم يحتج على استبعاد أبناء وأقارب المنتمين لحركات الإسلام السياسى من تعيينات أجهزة الدولة المختلفة.

 

ومثلما يحدث فى الولايات المتحدة تقوم ماكينة الإعلام المصرية الحكومية وغير الحكومية بجهود كبيرة منتظمة لشيطنة حركات الإسلام السياسى، ووصفهم بالخطر الداهم على مستقبل مصر.

 

ورغم ما أثبتته نتائج المرحلة الأولى من الانتخابات الرئاسية من وجود تيار وسطى مصرى عريض، إلا أن صعود التيار السلفى على الساحة السياسية، وتبنيهم خطابا مزعجا، وفشل جماعة الإخوان المسلمين فى التعاون مع القوى السياسية الأخرى، إضافة للخبرة الأليمة لحكم قوى إسلامية فى المنطقة العربية، مثل السودان، أدى لتقوية الإسلاموفوبيا. وبدا الموضوع كله وكأنه قضية سياسية محضة.

 

إلا أنه ومع توارد أنباء احتمال فوز الدكتور محمد مرسى بالرئاسة، ونشر بعض الصحف والمواقع الإخبارية لصور زوجته، السيدة نجلاء على، أيقنت تماما أن الإسلاموفوبيا هى أيضا فى شق هام منها تعكس طبقية قبيحة تعانى منها النخبة المسيطرة. وكان ذلك واضحا من تهكم الكثير من التعليقات وسخريتها من ملبس ومظهر السيدة نجلاء. وتمادى الهبوط لدرجة ذكرت معها إحداهن أن السيدة نجلاء لا تشبه نساء مصر!

 

الطبقية المريضة هى محرك أساسى لرفض قطاعات مصرية لنتائج صناديق الانتخابات رغم أنها جاءت عاكسة لرغبات غالبية المصريين. المخاوف من «الدولة الدينية» تكتسب جانبا من قوتها من رفض النخبة لوجود برلمان يفوز بعضويته مواطنون فقراء أو من أبناء الطبقة الوسطى.

 

لم تقم ثورة 25 يناير فقط لإسقاط الرئيس السابق حسنى مبارك، بل هدفت لتغيير أنماط التفكير والسلوك فى المجتمع عموما. ولن يبدأ ذلك التغيير طالما ظلت النخبة الطبقية المرتبطة بالنظام السابق بمنأى عن رياحه. ما يحدث الآن من مناقشات حول هيئة «سيدة مصر الأولى» يكشف لنا عوار الكثير من ممارساتنا القديمة. مبدأ العدالة الاجتماعية الذى نادت به ميادين مصر سيبدأ حين تتكون نخبة جديدة أكثر تمثيلا وشبها بجموع الشعب المصرى.

محمد المنشاوي كاتب صحفي متخصص في الشئون الأمريكية، يكتب من واشنطن - للتواصل مع الكاتب: mensh70@gmail.com
التعليقات