الشجرة المباركة - رجائي عطية - بوابة الشروق
السبت 15 أغسطس 2020 12:59 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

الشجرة المباركة

نشر فى : الأربعاء 24 يونيو 2020 - 8:55 م | آخر تحديث : الأربعاء 24 يونيو 2020 - 8:55 م

بدأ الأستاذ العقاد حديثه عن الشجرة المباركة، بآيات اختارها من القرآن المجيد.. من سور النور، والأنعام، والنحل، والتين، وعبس.
يقول سبحانه وتعالى:
«اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ » ( النور 35 ).
«وَهُوَ الَّذِى أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ.. » ( الأنعام 141 ).
«هُوَ الَّذِى أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ » ( النحل 10 , 11 ).
«وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأمِينِ » ( التين 1 ـ 3 ).
«فَلْيَنظُرِ الإْنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا » ( عبس 24 ـ 30 ).
هذا الاختيار أعلن به العقاد، بلا إعلان، أن السيد المسيح عليه السلام موضع حفاوة وتكريم بالقرآن الكريم وفى الإسلام.
الشجرة المباركة فى التنزيل: شجرة الزيتون، شجرة البحر الخالد، شجرة الحوض الذى نبتت فيه حضارة الإنسان ودارت حوله، ولا تزال تدور.
عالية تعلو خمس قامات وتزداد
باقية تبقى خمسة قرون، ثم لا تصير إلى نفاد.
كريمة تؤتى من ثمارها ما تشتهيه الأنفس وتشتهى به طيب الطعام، سعيدة تؤتى من عصيرها النور والطيب ومسوح الإهاب وجبائر العظام، من خشبها صور المحاريب وأعواد المنابر، ومن ورقها أكاليل الأبطال وتحيات البشائر، وتتشابه بركتها على الأبطال الأقدمين فيتمسحون بطيبها طلبًا لقوة النفس وقوة الجسد وهم يقبلون على الصراع ويتناضلون، وتتشابه بركتها عليهم كرَّة أخرى فهم يعلنون السلم، ويرفعون غصن الزيتون!
يرى الأستاذ العقاد أنه لأمرٍ ما نبتت هذه الشجرة المباركة ــ فى فلسطين، وانتشرت فى منابت العالمين، وعلى نحوٍ من هذا وَهَبَت مسحتها للرسول الأمين، فطافت رسالته حيث طافت من أعلى عليين إلى غايتها من البلاغ المبين.
المسيح
يدل علم مقارنة الأديان على شيوع الإيمان بالخلاص وظهور الرسول المخلص فى زمن مقبل.. ولا غرابة، فالأمل فى الصلاح مادة من مواد الحياة الإنسانية.
هذا الأمل يشتد حين تشتد الحاجة إليه، فكان المصريون الأوائل يترقبون «المخلص» المنقذ بعد زوال الدولة القديمة، وروى «برستيد» عن الحكيم «إيبور» أن المخلص الموعود «يلقى بردًا على اللهيب ويتكفل برعاية جميع الناس ويقضى يومه وهو يلم شمل قطعانه»، وعلى خلاف عادة العقاد ــ ذكر هنا أن مرجعه ص 79 من كتاب «نور من الشرق القديم» لمؤلفه جان فينجان. أما «برستيد» فهو جيمس هنرى برستيد، عالم الآثار والمؤرخ الأمريكى الشهير، وقد ترجم عالمنا الكبير الدكتور سليم حسن كتابه «فجر الضمير» وطُبع أكثر من مرة بالقاهرة، منها طبعة مكتبة الأسرة ــ مهرجان القراءة للجميع، وهو كتاب يشهد للحضارة المصرية بالسبق فى رحلة الإنسان الطويلة التى نبت ونما فيها الضمير الإنسانى فى مصر التى وصفها برستيد بأنها «جزيرة المنعمين».
أما الإيمان بظهور رسول إلهى يسمى «المسيح» خاصة، فلم يعرف بهذه الصيغة قبل أسفار التوراة وتفسيراتها أو التعليقات عليها.
ومرجع هذه التسمية إلى الشعائر التى وردت فى سفر التكوين وسفر الخروج وما يليهما من أسفار الأنبياء بالعهد القديم، فإن المسح بالزيت المبارك شعيرة من شعائر التقديس والتكريم، وأول ما ورد ذلك فى الإصحاح الثامن والعشرين من سفر التكوين (الآية 18).
وجاء فى الإصحاح الثلاثين من سفر الخروج أن الرب كلم موسى قائلا: «... وأنت تأخذ أفخر الأطياب، دهنًا مقدسًا للمسحة، وتمسح بها خيمة الاجتماع وتابوت الشهادة والمائدة.... إلخ» ( الخروج 30: 23 ـ 33 ).
ومن أجل هذه الإشارات، كان الأحبار والأنبياء يسمون مسحاء الله، وتنهى التوراة عن المساس بهم، فجاء فى الإصحاح السادس عشر من سفر الأيام: «لا تمسوا مسحائى ولا تؤذوا أنبيائى» ( الأيام الأول 16: 22 ).
وكان مسح الملوك أولى شعائر التتويج والمبايعة، ثم أُطلقت كلمة «المسيح» مجازًا على كل مختار ومنذور، وجاء ذلك فى أكثر من موضع بأسفار العهد القديم، وتكررت هذه الإشارات فى كتب «الهجادا» أو كتب التعاليم.
* * *
وأخذ يَحْدُث ارتقاء فى فهم الرسالة المسيحية يصاحب أطوار الشعب الإسرائيلى، فيقوى الرجاء فى «المسيح الملك» كلما ضعفت الدولة المسيطرة على فلسطين، وتعاظم الأمل فى استقلال رعاياها، ويعود الرجاء إلى «المسيح الهادى» كلما استحكم سلطان الغالبين، وهكذا تراوح تفسير الرسالة المنتظرة بين رجعة الدولة وبعثة الهداية.
وعندما بلغ الكتاب أجله، وحانت البعثة المرتقبة ــ كان المعسكران المتقابلان المتحفزان على أهبة الاستعداد.
إن معرفة هذا الاستعداد، قد اقتضت طوافًا للإلمام بأحوال النبوة فى الشعب الإسرائيلى.
ونحن نعلم أن النبوات كانت تقدم على خارقة هائلة مستغربة، تمثل حجة الصدق التى يتقدم بها النبى إلى قومه، ثم نحن نعلم عن يقين أن الفترة ما بين إبراهيم وموسى ثم ما بين موسى وعيسى ثم ما بين عيسى ومحمد ــ بلغت المئات فى حساب السنين! فضلا عن أن ظهور الأنبياء حادث جلل لا يتكرر فى كل جيل، ولا يراه الإنسان فى عمره مرتين.
ونحن نعلم من تواريخ كبار الأنبياء أنهم لاقوا الأمرين وأقدموا على مصاعب هائلة تخيف المقدمين عليها، وشقوا بدعوتهم سبلا لا يسهل تذليلها.
بيد أن الملحوظ فى بنى إسرائيل، أن النبوات فيهم لم تكن نادرة، بل ونعلم من العهد القديم أن أنبياءهم تعددت الزمن الواحد، بلا «فترة» بين نبوة وأخرى.
وكان المعهود فى الأنبياء كما روت أسفار التوراة أن يطلب أنبياء إسرائيل حالة الكشف كما يطلبها المتصوفون والنساك.. ويضرب الأستاذ العقاد أمثلة لذلك بما جاء فى سفر دانيال، وفى سفر صموئيل الأول، وفى سفر الملوك الثانى، وفى سفر حزقيال.. ولا يمتنع عند هؤلاء أن يلهم الله بالرؤيا الصالحة أو الدليل البين ــ إنسانًا من غير الأنبياء بل ومن غير شعب إسرائيل.
ومع ذلك، ففى عصر الميلاد، ترقبت النفوس بشائر الدعوة الإلهية، يترقبونها ويرصدونها من كل جانب كما يترقب الراصدون كوكبًا حان موعد طلوعه.. ولا جرم إذن أن تتفتح الآذان لصون المبشر الموعود، ولا جرم كذلك أن يكون البرهان المطلوب منه على قدر الرجاء الكبير فى الخير المنتظر منه، وأن يمتحنه الناس فيعسروا غاية العسر فى امتحانه خوفًا من سهولة الدعوى على الأدعياء، وخوفًا من بطلان الرجاء فى إبان اللهفة على رجاء عظيم علقه المرتجون على برهان عظيم.

التعليقات