إفريقيا الواعدة التى نعرفها بالكاد - عبد الله السناوي - بوابة الشروق
الأحد 15 ديسمبر 2019 5:41 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

إفريقيا الواعدة التى نعرفها بالكاد

نشر فى : الأحد 27 أكتوبر 2019 - 8:15 م | آخر تحديث : الأحد 27 أكتوبر 2019 - 8:15 م

ثمة حالة تنبه قصوى فى المراكز الدولية لما يمكن أن تصبح عليه إفريقيا فى المدى المنظور كواحدة من أفضل مناطق النمو والاستثمار فى العالم، وأن القارة الواعدة على وشك أن تفارق الصورة التى استقرت عنها كموطن للفقر والجفاف والحروب الأهلية.
تلك الحالة من التنبه تستند على متابعات لمؤشرات النمو ودرجات العناية بالتعليم والبحث العلمى والانفتاح على التقنيات الحديثة والثروات الطبيعية التى لم تستثمر على نحو صحيح من قبل، أو جرى نهبها من القوى الاستعمارية القديمة فى مراحل سابقة.
هكذا بدأ السباق الدولى إلى الأسواق الإفريقية وفرص الاستثمار فيها وتعالت دعوات بناء علاقات من نوع جديد معها تختلف عما عهدته القارة فى تاريخها الحديث كله، قبل الاستقلال وبعده.
لم يكن الكرملين أول من تنبه إلى إفريقيا الواعدة، ولا أول من استضاف منتدى اقتصادى يضم قادة القارة وأعدادا كبيرة من الشركات الاستثمارية ورجال الأعمال تحت عنوان «منتدى إفريقيا ــ روسيا»، الذى استضافه منتجع «سوتشى»، فقد سبقته الولايات المتحدة وفرنسا والصين إلى الفكرة نفسها.
لكل لاعب دولى حسابات تختلف عن الآخر، فالولايات المتحدة تطلب الحفاظ على درجة نفوذها الدولى فى معادلات القوة الاستراتيجية والاقتصادية، أن تسبق إلى حيث الفرص الواعدة وأن تفتح المجال لشركاتها للتمركز قبل الآخرين.
فرنسا بإرثها الاستعمارى القديم وعلاقاتها الثقافية والسياسية بالدول الناطقة بالفرنسية لم تضع وقتا طويلا قبل أن تحتذى الفكرة خشية أن تضيع فرصها فى القارة الواعدة، وبصورة ما عبرت عن مصالح الاتحاد الأوروبى.
ولم تتأخر الصين فى الدعوة إلى قمة مماثلة سعيا لتثبيت أقدامها الاقتصادية فى القارة خشية إزاحتها بالنفوذ السياسى والاقتصادى الغربى، بما قد يؤثر بالسلب على فرصها فى اضطراد نموها الاقتصادى.
أخيرا دخل الكرملين على خط القمم الاقتصادية، بنفس الآليات ونفس الطقوس والأجواء.
مقاربة «سوتشى» تختلف عما خبره الروس من قبل فى سنوات الاتحاد السوفيتى السابق بخياراته الاستراتيجية والأيديولوجية.
العالم اختلف وقضايا القارة اختلفت.
فى سنوات الاتحاد السوفيتى دعمت موسكو بعض حركات التحرر الوطنى الإفريقية بالسلاح، أو بما تقدر عليه فى ظروف الحرب الباردة والاستقطاب الدولى، ووفرت بعثات تعليمية لأعداد كبيرة من الطلاب الأفارقة فى جامعاتها.
فى ذلك الوقت امتلكت مصر ناصية القيادة فى حركات التحرير، واحتضنت عاصمتها القاهرة قادتها المطاردين، وفرت الدعم السياسى والإعلامى عبر إذاعاتها الموجهة، وأتاحت بدرجة لا تقارن بعثات تعليمية للطلاب الأفارقة.
بعد الاستقلال انتبهت مصر مبكرا إلى ضرورات الاقتصاد فى بناء الدول الوطنية الجديدة فى القارة المحررة، أنشئت شركة «النصر للتصدير والاستيراد» التى بنت فى كل مكان، ووفرت سلعا رئيسية من الثلاجات إلى المشروبات المحفوظة.
القارة الآن اختلفت، ونحن فى حاجة حقيقية إلى دراسة فرص الاستثمار والتعاون الاقتصادى فى إفريقيا الواعدة بالجدية اللازمة لا بالدعايات المرسلة.
بذات الدرجة نحن فى حاجة إلى قراءة متأنية للمقاربة الروسية، التى تمازج بين ما هو استراتيجى وما هو اقتصادى، فلا مصالح اقتصادية تتأسس على فراغ استراتيجى.
المقاربة الروسية نوع من الاستثمار الاقتصادى فى نفوذها الاستراتيجى المتصاعد بالمعادلات الدولية بعد سنوات من التراجع الفادح عقب انهيار الاتحاد السوفيتى، وسقوط المنظومة الاشتراكية وتفكك حلف «وارسو» العسكرى الذى كانت تقوده أثناء فترة توازن الرعب النووى.
بمعنى آخر فإن منتدى «سوتشى» ترجمة بلغة الاقتصاد والاستثمار والعقود التجارية لمدى ما حازته السياسة الروسية من اختراقات جوهرية فى معادلات الشرق الأوسط، خاصة فى الأزمة السورية، حيث تمسك بأغلب أوراقها، تبنى التحالفات بين متضادات وتكتسب نفوذا على حساب تراجع القوة الأمريكية وارتباكاتها وخذلانها لحلفائها، وآخرهم الأكراد.
هيبة القوة من مقومات الاختراق الاقتصادى.
هذه حقيقة يراهن عليها الكرملين الآن، وهو يعرض على مصر التى تترأس الدورة الحالية للاتحاد الإفريقى وإثيوبيا التى تحتضن مقره أن يتدخل بالتوسط لإنهاء أزمة بناء سد النهضة.
ثم إنه يعرض نفسه باعتباره شريكا اقتصاديا مأمونا بلا شروط ومطالب تتعدى المصالح المتبادلة، أسقط (20) مليار دولار ديونا على القارة، وأبدى استعداده أن يوفر معاملة تجارية تفضيلية لا تقدمها الدول الكبرى الأخرى، كما أن يوفر فرصا مفتوحة للتعليم والتدريب فى بعثات تستعيد خبرة الاتحاد السوفيتى السابق.
أين نحن من إفريقيا الواعدة؟
نحن جزء من القارة، من تاريخها ومستقبلها.
لأى شعب موارد تاريخية تنتسب إلى معارك خاضها مع شعوب أخرى وفواتير دم دفعها من أجل قضايا بعينها.
إهدار الموارد التاريخية خطيئة لا تغتفر.
التاريخ حاضر فى الذاكرة العامة، فالإفريقى يعتد بمعاركه للانعتاق من التمييز العنصرى، ويعتز بأبطاله التاريخيين من أمثال «عبدالناصر» و«نكروما» و«لومومبا» و«نيريرى» و«مانديلا»، لكنه لا يعيش فى الماضى.
لديه تطلعاته وتساؤلات عن مستقبله.
موارد التاريخ ضرورية بقدر ما تبنى على ما بنيت، وأن تكون حاضرا ومؤثرا ومستجيبا لتحديات عصرك.
موارد التاريخ تفسح المجال لكنها ليست المجال ذاته.
فى سنوات السبعينيات وما بعدها أخلينا مواقعنا عن استهتار بالغ بالمصالح المصرية العليا وزحف آخرون على المواقع التى أخليت.
فى وقت واحد تزامن تفكيك مقومات الاقتصاد الوطنى والقرار الوطنى، ورهن البلد كله لخيار وحيد وضع (٩٩٪) من أوراق اللعبة فى يد الولايات المتحدة.
كانت تلك دعوة لإسرائيل وغيرها أن تملأ الفراغ.
وكانت تلك مأساة كاملة لبلد قاد حركات تحريرها، ولعب الدور الأكثر جوهرية فى تأسيس «منظمة الوحدة الإفريقية» «الاتحاد الإفريقى الآن».
تحت وطأة أزمة سد النهضة ارتفع منسوب الاهتمام بالقارة من جديد، لكن قضاياها أكبر من أن تلخص على هذا النحو الضيق، جرت محاولات للتصحيح على مدى السنوات الأخيرة، لكنها تحتاج إلى نفس آخر يعترف أننا نكاد نعرف بالكاد القارة وما يحدث فيها من تحولات وما تنطوى عليه من فرص.
ثم إن أحدا لا يمكن أن يتعاطف مع قضاياك، أيا كانت درجة عدالتها، إذا لم تبد تضامنا مع قضاياه هو التى تزعج وجوده ومستقبله.
فى سنوات سابقة توفرت لمصر نخبة من أفضل العقول السياسية والبحثية، جابت القارة ورسمت خرائطه دعما لحركات التحرير ونداءات الاستقلال.
نحتاج الآن إلى نظرة جديدة فى أزمان مختلفة تتأسس على المعرفة والسياسات المضطردة حتى نلتحق بإفريقيا الواعدة.