مصر مركز إقليمى للطاقة - بشير عبد الفتاح - بوابة الشروق
الإثنين 26 أكتوبر 2020 11:59 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

مصر مركز إقليمى للطاقة

نشر فى : الإثنين 28 سبتمبر 2020 - 9:50 م | آخر تحديث : الإثنين 28 سبتمبر 2020 - 9:50 م

من بين عديد أطراف شرق أوسطية تخوض منافسة ضارية لإدراك حلم التحول إلى مركز إقليمى للطاقة، وحدها مصر التى بدت قاب قوسين أو أدنى من اقتناص ذلك الدور الحيوى، الذى من شأنه أن يعيد تموضعها الجيوسياسى على خارطة المنطقة والعالم. وقد جاء ذلك الإنجاز التاريخى تتويجا لجهود جبارة تأطرت فى استراتيجية متكاملة لاستنهاض قطاع الطاقة المصرى، بمختلف مجالاته، ابتداء بالغاز الطبيعى، مرورا بالنفط، ووصولا إلى البتروكيماويات، كما برعت فى تحقيق الاستغلال الأمثل لحزمة من المقومات النوعية والإمكانات الهائلة، التى تنفرد بها البنية التحتية الطاقوية للبلاد.
فلوجيستيا، تصنف معلومات وكالة الطاقة الأمريكية قناة السويس وخط أنابيب سوميد، كأهم الممرات الإستراتيجية لشحن النفط الخام والمنتجات البترولية والغاز الطبيعى المسال من الخليج العربى إلى أوروبا وأمريكا الشمالية. ففى حين تكمن أهمية القناة فى الربط بين البحرين الأحمر والأبيض، بما يضعها فى صدارة الممرات الحيوية لأمن الطاقة العالمى، ينقل خط سوميد، الذى يعتبر الطريق البديل الوحيد لنقل النفط الخام بين البحرين الأحمر والمتوسط حالة تعذر عبور السفن قناة السويس، ذلك النفط من العين السخنة بخليج السويس إلى سيدى كرير على ساحل المتوسط بطول 200 ميل. وفى عام 2017، بلغ إجمالى تدفقات النفط عبر القناة وسوميد نحو 9٪ من الإمدادات العالمية المنقولة بحرا، والتى تشمل الخام والمنتجات البترولية المكررة، فيما تشكل تدفقات الغاز المسال عبرهما زهاء 8 ٪ من حجم تجارته عالميا.
وبخصوص الاكتفاء الذاتى الطاقوى، أعلن وزير البترول والثروة المعدنية رسميا فى سبتمبر 2018، تحقيق البلاد الاكتفاء الذاتى من الغاز الطبيعى والتوقف عن استيراد الغاز المسال، بعد سلسلة الاكتشافات الغازية المبهرة خلال السنوات الأخيرة، التى أدرجت أربعة حقول غاز مهمة ضمن خطة الإنتاج هى آتول ونورس وشمال الإسكندرية، فضلا عن حقل ظهر العملاق الذى يحوى 32 تريليون قدما مكعبة، حتى بلغ إنتاج البلاد من الغاز 7.2 مليار قدما مكعبة يوميا. وفى منتصف الشهر الجارى، أعلنت شركة «إينى» الإيطالية عن كشف غازى جديد بمنطقة نورس الكبرى بالمياه المصرية بالمتوسط، تتخطى احتياطياته، وفقا للتقدير الأولى، أربعة تريليونات قدما مكعبة، مؤكدة أنها ستبدأ مع شريكها «بى بى» البريطانى، بالتنسيق مع قطاع البترول المصرى، فى تجهيزه لتسريع البدء فى الإنتاج.
وبموازاة العمل على توسيع الاكتشافات الغازية عبر توقيع 12 اتفاقية للبحث والتنقيب بالصحراء الغربية والبحرين المتوسط والأحمر، وتنمية الحقول المتاحة لتحقيق الاكتفاء الذاتى، تستهدف القاهرة القفز بصادراتها الغازية من 1.1 مليار قدما مكعبا يوميا حاليا إلى مليارين. وإلى جانب الإنتاج الضخم لحقل ظهر، تتطلع القاهرة إلى زيادة مخزوناتها الغازية عبر السماح للشركات الخاصة بشراء كميات إضافية من دول الجوار، توطئة لتسييله وإعادة ضخة إلى الأسواق العالمية بأسعار أفضل. ففى فبراير 2018، أعلنت الشركات المالكة لحق استغلال حقل» تمار» الإسرائيلى عن توقيع مذكرة تفاهم لضخ 4.5 مليار مترا مكعبا من الغاز سنويا لمصر، لمدة 15 سنة، بقيمة 20 مليار دولار. وفى منتصف 2018، تم إبرام اتفاق لإقامة خط أنابيب بحرى مباشر لنقل الغاز من حقل «أفروديت» القبرصى، الذى يحوى نحو 4.5 تريليون قدما مكعبة، إلى محطات الإسالة بمصر لتسييله وإعادة تصديره إلى الأسواق المختلفة.
ودونا عن باقى دول شرق المتوسط، تنفرد مصر بامتلاكها بنية صناعية لتسييل الغاز الطبيعى تمهيدا لتسويقه عالميا عبرالسفن. وعلاوة على جدواها الاقتصادية، تعد هذه المزية مؤشرا قويا لاستعادة مصر ثقة المستثمرين الأجانب، بعد فترة اضطراب بدأت عام 2011 تخللها نقص إمدادات حقول الغاز الوطنية جراء توقف المستثمرين الأجانب العاملين بها، حتى تحولت مصر إلى مستورد له عام 2015، لسد عجز بين الإنتاج والاستهلاك، قدر حينئذ بستة مليارات قدما مكعبة يوميا. وتتمثل تلك البنية الصناعية فى ثلاث محطات إسالة تعد الأكبر من نوعها بين 634 محطة عالمية، تقع أولاها فى مدينة إدكو بمحافظة البحيرة، وتم افتتاحها فى 2006، وتضم وحدتين للإسالة وتعمل بطاقة استيعابية تصل إلى 1.35 مليار قدما مكعبا يوميا من الغاز الطبيعى، و4.1 مليون طن سنويا من الغاز. وتشتمل المحطة على ميناء لتصدير الغاز المسال لاستقبال ناقلات بسعة 165 ألف مترا مكعبا، كما تضم مستودعين لتخزين الغاز المسال بطاقة تخزينية تصل إلى 140 ألف متر مكعبا لكل مستودع. أما ثانيتها، فتقع فى دمياط، وبدأ العمل بها فى 2003، بطاقة استيعابية تبلغ قرابة 750 مليون قدم مكعب يوميا. وتضم وحدة إسالة واحدة.وهناك محطة ثالثة لكنها متعطلة حاليا، بينما تعمل الحكومة المصرية جاهدة لإعادة تشغيلها فى أقرب وقت.
ونفطيا، وبينما أعلنت الحكومة عزمها تحقيق الاكتفاء الذاتى من المنتجات البترولية «البنزين والسولار» عام 2023، افتتح الرئيس السيسى قبل أيام معمل تكرير «مسطرد» الجديد، بطاقة إنتاجية تصل إلى 4.7 مليون طن سنويا من مختلف المنتجات البترولية عالية القيمة، ستوفر للدولة واردات وقود بقيمة مليارى دولار سنويا، من إجمالى 5,2 مليار دولار، تشكل بدورها ضغطا على الاحتياطى النقدى وميزان المعاملات التجارية.وتمضى الجهود لتطوير معمل «ميدور» بالإسكندرية لزيادة طاقته الإنتاجية بنسبة 60%، من البوتاجاز والبنزين العالى الأوكتان ووقود النفاثات والسولار والفحم والكبريت من 4.6 مليون طن حاليا إلى 7.6 مليون. وبينما تستهلك مصر مليون برميل من النفط يوميا تنتج منها 700 ألف وتستورد 300 ألفا آخرين، فقد خطت خطوات مهمة على طريق التحول نحو الطاقة النظيفة، حيث جاءت فى المركز 84 عالميا بين 115 دولة فى 2020 وفق مؤشر التحول فى مجال الطاقة لنظام أكثر استدامة وأمنا. وبعد سنوات تسع من التراكم الاضطرارى للديون ومستحقات شركات النفط الأجنبية، إثر انتفاضة يناير 2011 لتصل إلى 6.3 مليار دولار فى السنة المالية 2011 ــ 2012، ما شكل عائقا أمام جذب الاستثمارات النفطية الأجنبية لمصر، تمكنت مصر من سداد نصيب الأسد منها، حيث أكدت وزارة البترول تراجع إجمالى المستحقات المتأخرة لتلك الشركات من 900 مليون دولار نهاية السنة المالية 2018ــ2019،إلى 850 مليون دولار آخر يونيو الماضى. وفى مجال البتروكيماويات، فتسابق الحكومة الزمن لإنشاء مجمع التحرير للبتروكيماويات بالعين السخنة على البحر الأحمر شرق القاهرة، بطاقة إنتاجية 4 ملايين طن من المنتجات البتروكيماوية تبلغ قيمتها 6 مليارات دولار سنويا، ما يتيح لمصر ولوج عصر تصدير البتروكيماويات.
وفى مسعى منها لمأسسة جهود الاستفادة من ثروات شرق المتوسط على نحو فاعل وآمن ومستدام، أطلقت مصر فى يناير 2019 إعلان القاهرة لإنشاء منتدى غاز شرق المتوسط بمشاركة إيطاليا، واليونان، وقبرص، والأردن، وإسرائيل، وفلسطين، كآلية تكفل الاستغلال الاقتصادى الأمثل للاحتياطيات الغازية عبر توظيف البنى التحتية لدول المنتدى وترشيد تكلفتها وإنشاء سوق إقليمية للغاز تقدم أسعارا تنافسية، كما ترسخ احترام حقوق الدول الأعضاء فى استغلال مواردها الطبيعية وفقا للقانون الدولى، ومنصة لإطلاق حوار منظم ودائم حول الغاز، عبر وضع جدول أعمال لصياغة استراتيجيات مشتركة وسياسات غاز إقليمية تستند إلى رؤية مشتركة للتعاون من أجل ازدهار المنطقة. وقد اكتسب المنتدى زخما هائلا مع حرص البنك الدولى على حضور جميع فعالياته، وعرض فرنسا الانضمام إليه كعضو عامل، والولايات المتحدة والاتحاد الأوربى بصفة مراقبين، ثم إضافة واشنطن ملف الطاقة إلى حوارها الاستراتيجى مع مصر، وإطلاقها استراتيجيتها للطاقة بشرق المتوسط. وفى 22 سبتمبر الحالى، وقع ممثلو الدول الست المؤسسة للمنتدى، فى القاهرة اتفاقية تحويله إلى منظمة إقليمية حكومية، تفتح أبوابها لكل من يلتزم بمبادئها ويحترم تقاليدها دونما إقصاء، بما يساعد على تحقيق الاستفادة المثلى من ثروات الإقليم، وتأسيس بورصة أو آلية لتسعير الغاز عالميا، بما يعزز التحول الكونى صوب الطاقة النظيفة ويرسخ دعائم استقرار أمن الطاقة العالمى.
وعلى الرغم من ضعف المنافسة المتوسطية للدور اللوجيستى المصرى، حيث تواجه مساعى تركيا بهذا الصدد مصاعب شتى ومتنوعة، أبرزها: الفقر المدقع فى موارد الطاقة، وتدهور البنية التحتية الطاقوية، وتدهور علاقاتها بمحيطها الإقليمى والدولى ومجافاتها لمنظمة غاز شرق المتوسط، فيما تقف عقبات متنوعة أمام المشروع المقترح لمد أنبوب لنقل الغاز الإسرائيلى إلى أوروبا عبر قبرص واليونان، لعل أهمها: تكلفته المادية الباهظة التى تناهز سبعة مليارات دولار، إذ سيمتد لزهاء ألفى كيلومتر، يمر أغلبها بالمياه العميقة للبحر المتوسط، ويعبر بعضها مناطق بحرية متنازع عليها، بينما تتخوف إيطاليا، التى ينتهى عندها الأنبوب، من تداعياته البيئية المحتملة، الأمر الذى دفع بخبراء لاستبعاد أن يبصر المشروع النور قبل العام 2027، لا تخلو مساعى مصر الحثيثة والمشروعة والمرحب بها دوليا، لتغدو مركز إقليميا للطاقة، من بعض بواعث القلق.
فعلاوة على تخمة الغاز العالمية المتنامية، وجنوح الأوربيين لتقليص اعتمادهم عليه تدريجيا ضمن خطتهم المناخية العشرية للتحول صوب الطاقة المتجددة، ربما تفضى المساعى المصرية إلى استنفار النزعات الانتقامية لدى تركيا وقطر، كونها ستنتزع دورا طالما كانت تصبو إليه الأولى، كما ستقتنص قرابة 70% من حصة الأخيرة بالأسواق الأوروبية والإفريقية، فى وقت تحتدم المنافسة بين مصدرى الغاز للعثور على أسواق جديدة مع انكماش صادرات دول شرق آسيا أخيرا، بالتزامن مع تفاقم تخمة المعروض واستمرار الركود الاقتصادى العالمى بجريرة جائحة كورونا. كذلك، من غير المستبعد أن يثير تعاظم الدور المصرى اللوجيستى بمجال الغاز حفيظة روسيا، عملاق الغاز العالمى الذى ما برح يعانى حصارا أطلسيا قاسيا لتحركاته الهادفة لتعزيز هيمنته على مصادر الطاقة المختلفة بمنطقة أوراسيا، مثلما يكابد ملاحقة أمريكية شرسة لدوره المتعاظم فى أمن الطاقة الأوروبى والعالمى، الأمر الذى قد يضع التقارب الاستراتيجى، الحيوى والحذرفى ذات الوقت، بين القاهرة وموسكو أمام اختبار ليس بالهين.

التعليقات