أزمتا سوريا ولبنان فى المرآة - سمير العيطة - بوابة الشروق
السبت 22 يناير 2022 12:36 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما هي توقعاتك لمشوار المنتخب المصري ببطولة إفريقيا؟


أزمتا سوريا ولبنان فى المرآة

نشر فى : الأحد 28 نوفمبر 2021 - 7:40 م | آخر تحديث : الأحد 28 نوفمبر 2021 - 7:40 م
اختار لبنان وسوريا، منذ استقلالهما، مسارين مختلفين على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لكن البلدين بقيا على ارتباط وثيق على هذه الأصعدة الثلاث. وهكذا تكشف أزمتاهما الحالية العميقة أن كلا منهما صورة للآخر فى مرآة وإن كانت بملامح مختلفة.
الصعيد الاقتصادى هو الأكثر وضوحا. فأزمة لبنان الاقتصادية والمالية التى تفجرت فى أكتوبر 2019 وانهار معها سعر صرف الليرة اللبنانية قد أدت إلى انهيارٍ موازٍ لسعر صرف الليرة السورية أكبر بكثير من التدهور التدريجى الذى أخذت إليه ثمانى سنوات من الصراع المسلح. هذه ليست المرة الأولى التى يحدث فيها هذا الانهيار المتوازى. فقد جرى الأمر ذاته عام 1986 بُعَيد الانهيار الكبير لأسعار النفط وخلال الحرب الأهلية اللبنانية بينما كانت سوريا تعيش فى ظل عقوبات اقتصادية غربية. اختلف مسارا البلدين للخروج من تلك الأزمة السابقة، لكن المسارين أسسا، بالتوازى، للإشكاليات التى تعرضا لها لاحقا.
اختارت سوريا، منذ الأربعينيات، إدارة محكمة للاقتصاد من قبل الدولة، فى حين اختار لبنان صيغة الاقتصاد «الحر». لكن لبنان بقى دوما ملجأ مدخرات السوريين وتمويلات تجارة القطاع الخاص الدولية. وبقى لمرفأ بيروت دور أساسى فى الاقتصاد السورى. كما أن كُثرا من أصحاب المصارف اللبنانية سوريون وإن حملوا الجنسية اللبنانية، وكانوا أول من افتتح مصارفَ خاصة فى سوريا خلال سنوات الألفين. أضِف أن العمالة السورية شكلت دوما جزءا ملحوظا من قوة العمل اللبنانية، وقد وصلت إلى ثلثها، حتى قبل موجة اللجوء السورى الأخيرة.
اللافت أن النموذجين الاقتصاديين أديا إلى نتائج متشابهة، مثلا من حيث انعدام كبير للتوازن فى التنمية بين العاصمة والمدن والأطراف الأخرى. وكأن هم نخبهما بقى دوما وحصريا تنافسا بين صورة دمشق وصورة بيروت، وحدهما.
•••
الصعيد السياسى أقل بروزا للعيان. إلا أن البلدين وصلا إلى صيغتى حكمٍ متشابهتين: ذلك من حيث قيام سلطة سياسية فوق الدولة ومؤسساتها واستغلت هذه الدولة وأضعفتها فقط بهدف البقاء فى السلطة. الفارق أن السلطة فى سوريا مركزة فى شخصٍ ودائرة صغيرة، فى حين تتوزع فى لبنان على بضعة زعماء طوائف. واللافت أن هذه السلطة فى كلا الحالتين أثبتت قدرتها على إعادة إنتاج نفسها باستمرار، وعلى الهيمنة ومقاومة أى تغيير أو تداول، وعلى التلاعب بالدستور والقانون، وعلى خلق الريوع الاقتصادية لشراء الولاءات. ذلك، مهما حدث من أزمات وحتى لو كلف ذلك صراعا أهليا مسلحا واستدعاء قوى خارجية.
لا يُمكِن فى البلدين محاسبة السلطة على ممارستها ولا التطاول فى القول أن «العيب فى ذات أفندينا»، أى أن المشكلة والمسئولية تكمُن فى رأس السلطة. وفى البلدين، تظهر اليوم هشاشة مؤسسات الدولة وضعف قدراتها على أن تكون ضامنة لحقوق جميع المواطنين والمواطنات مهما كانت انتماءاتهم الموروثة. بل إن السلطة تعبث بآليات المجتمع التفصيلية المحلية كى تُحبِط أية محاولات إصلاح أو نهوض. فالاستزلام هو القاعدة. هكذا بقيت «ديموقراطية» لبنان صورية عصية على الاختراق السياسى رغم حرية الإعلام وانتشار وسائله ضمن الفضاء اللبنانى. وآليات الانتخابات تدار بدقة شديدة من قبل السلطة، كما فى سوريا حيث تُعتمَد قوانين تُعطى نصف المقاعد لمرشحى «العمال والفلاحين»... حتى فى وسط المدن. الاختلاف يكمُن فقط فى شكل «المهرجان» الانتخابى.
اللافت أيضا هو عمق التغلغل الخارجى فى الآليات السياسية فى كلا البلدين، سواء على صعيد السلطة... أو حتى المعارضة. فهذا يحظى على دعم إيران وآخر على دعم تركيا أو على الخليج، هذا على دعم روسيا والآخر على الولايات المتحدة، دون ذكر العبث الضمنى غير المباح... لإسرائيل. وفى الحالتين، يتم التذرع بالتدخلات والمؤامرات الخارجية لترسيخ الهيمنة. وقد وصل التغلغل الخارجى اليوم إلى حد أن حل أزمتى البلدين بات يُربَط بشرط وإمكانية حل التصادم بين روسيا وأمريكا، وبين أمريكا وإيران، وبين السعودية وإيران، وبين تركيا ومنافسيها،... وقبل كل شىء بموافقة إسرائيل!!!
•••
إن مجتمعى البلدين باتا يعيشان حالة تجاذب شديدة، طائفية ومناطقية وغيرها. هذا فى حين تستمر هجرة الموارد البشرية من كليهما، كى تُصبِح هذه الهجرة أساسا للنموذج الاقتصادى القائم على إرسال التحويلات من الخارج لإعالة الأهل والأقارب. بحيث باتت معيشة السكان وجزء كبير للاقتصاد يقومان فى كلا البلدين على تحويلات المغتربين واللاجئين وعلى المساعدات الخارجية.
البلدان يحتاجان اليوم إلى إعادة صياغة عقد اجتماعى جديد، يُطلِق صيغة جديدة للعلاقة بين السلطة السياسية والدولة والمجتمع، ويؤسس لعلاقة متوازنة بين المركز... والأطراف. والبلدان يحتاجان أيضا إلى «إعادة إعمار»، ما يعنى ما هو أهم من بناء المساكن، وهو إعادة خلق دورة اقتصادية ناجعة فيهما.
لبنان فقد دوره المالى والتجارى الاقتصادى السابق لصالح دبى ودول الخليج. ولا بد من دورٍ اقتصادى جديد له، ضمن حدوده وإلى حدٍ ما أبعد منها. ولا يُمكن لهذا الدور الجديد أن يبرُز دون عودة سوريا للنهوض الاقتصادى و«إعادة إعمارها». والعكس أيضا صحيح، لما فى لبنان من قدرات... سورية فى النهاية. والفترتان الزمنيتان لإعادة نهوض اقتصادى البلدين مرتبطتان ارتباطا وثيقا.
والبلدان يحتاجان اليوم، أولا وأساسا، إلى إعادة إرساء دولة قادرة، يتم فيها التداول على السلطة دون أزمات. دولة مهمتها الأساسية خدمة المواطنين والمواطنات بفعالية والخروج من الأزمة المستعصية. فى الحالتين، لا بد من ضبط السلاح بيد الدولة والتحرر من تغلغل الخارج والتعامل بعقلانية مع جميع الدول الصاعدة فى الجوار، خاصة إيران وتركيا والخليج، والتصرف بثقة تجاه المشروع الصهيونى الذى لا يحتل الأرض فقط وإنما يشكل نقيضا فى العمق لمشروعى دولتى مواطنة متساوية فى لبنان وسوريا.
المشكلة أن البلدين ضعيفان اليوم، ويحتاجان إلى مشروع مشرقى إقليمى تنخرط فيه مصر والأردن والعراق. فهما ليسا وحدهما المعرضين للأزمات الداخلية والتغلغل الخارجى، وفى النهاية لأزمة وجودية.
وصور المرآة المشوهة لا تعكس فقط ما هو أسوأ ما فى لبنان وسوريا فحسب.
سمير العيطة رئيس التحرير السابق للوموند ديبلوماتيك النشرة العربية ــ ورئيس منتدى الاقتصاديين العرب
التعليقات