الخلاف السعودى الأمريكى بين التهويل والتهوين - إيهاب وهبة - بوابة الشروق
الخميس 21 نوفمبر 2019 8:20 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

الخلاف السعودى الأمريكى بين التهويل والتهوين

نشر فى : السبت 28 ديسمبر 2013 - 8:25 ص | آخر تحديث : السبت 28 ديسمبر 2013 - 8:25 ص

كثر الحديث فى الفترة الأخيرة عن الخلافات التى ظهرت على السطح بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية. نزع البعض إلى تضخيم هذا الخلاف، بينما لجأ البعض الآخر إلى التهوين من شأنه، باعتبار أن الأمر ليس إلا سحابة صيف، لا تلبث أن تنقشع. ولكى نتمكن من ترجيح كفة أى من الاحتمالين على الآخر، علينا أن نحصر أولا الأسباب الكامنة وراء هذا الخلاف، ثم نخضعها للتدقيق والتحليل.

•••

دعاة التهويل يرون أن السعودية قد طفح بها الكيل بسبب السياسة الأمريكية فى المنطقة. وفى نظر هؤلاء أن الولايات المتحدة قد وجهت طعنة نافذة إلى حلفائها فى منطقة الخليج، بل وألحقت ضررا بليغا بأمنها، عندما توصلت، من خلال مباحثات 5+1 مع إيران بشأن برنامج الأخيرة النووى إلى صفقة أسبغت صفة شرطى المنطقة على إيران مرة أخرى، هو الوصف الذى كان يطلق على إيران فى عهد الشاه. ساهم مسئولون سعوديون حاليون وسابقون فى حملة التهويل هذه، فرأينا الأمير بندر بن سلطان، رئيس المخابرات الحالى والسفير السابق فى واشنطن، يعلن أن بلاده فى سبيل إحداث تحول جوهرى فى علاقاتها بالولايات المتحدة!. أما سفير السعودية فى لندن فقد شن هو الآخر حملة شعواء على سياسة الغرب عموما فى المنطقة، واعتبر أنها تهدد الأمن والاستقرار فيها. وذكر أن السعودية لا تستطيع السكوت أمام هذه المقامرة الخطيرة، ولن تقف موقف المتفرج حيالها! ثم أكد أن الخيار الوحيد أمام السعودية هو الحرص على أن تكون فاعلا أساسيا فى الشئون الدولية، وأن تتمسك أكثر من أى وقت مضى، بالمحافظة على استقرار الخليج. ووصل الحد بدعاة التهويل إلى القول بأن السعودية ستحصل على السلاح النووى من الشقيقة الإسلامية باكستان، وذلك بناء على تفاهم سابق أمدت فيه السعودية باكستان بالأموال اللازمة لتطوير برنامجها النووى فى نهاية الثمانينيات، فى مقابل حصول السعودية على ذلك السلاح حين يجد الجد!

أمام حملات التهويل هذه، كان هناك من يهون من المشاكل القائمة بين السعودية وأمريكا. يشير هؤلاء إلى حقيقة وجود علاقات استراتيجية قوية بين البلدين امتدت إلى أكثر من ثمانين عاما، كما أن أزمات أخرى أكثر خطورة تعرضت لها العلاقات بين البلدين ومع ذلك تم تجاوزها، وعادت الأمور إلى سابق عهدها، مثل الحظر البترولى الذى فرضته السعودية على الولايات المتحدة أثناء وبعد حرب أكتوبر 1973. يضاف إلى ذلك من وجهة نظر هؤلاء، أن الخيارات أمام السعودية، إن هى أدارت ظهرها للولايات المتحدة خيارات محدودة للغاية، ولا تستطيع أى دولة أخرى مهما كبرت أن تحل محل الشريك الاستراتيجى الأمريكى، لا أوروبا الغربية، ولا روسيا الاتحادية، ولا الصين، إذ لكل من هؤلاء اهتماماته وأولوياته المختلفة.

•••

على أية حال علينا الآن أن نتناول عددا من القضايا الخلافية بين البلدين بالتحليل اللازم، ومعرفة ما إذا كانت هذه الخلافات قابلة للاحتواء، أم سيصعب السيطرة عليها.

تمثل سوريا أولى هذه المشكلات. فى نظر السعودية أن موقف الولايات المتحدة كان متخاذلا إلى أبعد الحدود. فبعد التهديد والوعيد لسوريا فى حالة تجاوز الأسد للخطوط الحمراء (وهو استخدام السلاح الكيماوى) إذ بالولايات المتحدة تقنع بالاتفاق مع روسيا على تدمير هذا السلاح، تاركة آلة الحرب التى حصدت وتحصد عشرات الآلاف من أرواح السوريين، كما هى دون أن تُمس. ثم ألم يُطل الاتفاق الكيماوى فى حقيقة الأمر من أمد بقاء الأسد فى الحكم بعد أن أصبح شريكا لا غنى عنه فى تنفيذ الاتفاق فى مراحله المختلفة؟! ثم أين هى تلك المساعدات الأمريكية إلى المعارضة السورية التى تستطيع بها أن تواجه قوات النظام من ناحية، وقوات حزب الله والحرس الثورى الإيرانى من ناحية أخرى؟

غير أننا إذا قمنا بتقييم الموقف السعودى السابق والذى يركز على الحل العسكرى فى سوريا وتسليح المعارضة، لوجدنا أن هذا الخيار إنما يؤدى فى واقع الأمر إلى تفاقم المشكلة السورية وليس إلى حلها. فالجهاديون يتدفقون على سوريا من كل حدب وصوب، وفى المقابل تدفقت العناصر الشيعية من لبنان والعراق بل من إيران نفسها. للأسف تتناحر هذه الفصائل فيما بينها حول مناطق النفوذ، بدلا من أن توجه ضرباتها إلى النظام. الحل الناجع يكمن فى إطلاق النار والتوجه إلى مؤتمر جنيف الثانى دون إبطاء.

•••

أما الخلاف بين السعودية والولايات المتحدة الخاص بإيران فلم ينشأ بتوقيع الانفاق النووى مع الأخيرة، إنما يرجع إلى المخاوف السعودية من نوايا إيران وممارساتها فى المنطقة. وعليه فإن إقدام الولايات المتحدة على فتح صفحة جديدة فى العلاقات مع إيران قبل وجود ضمانات بإقلاع إيران عن مخططاتها فى مد نفوذها بالمنطقة، من اليمن إلى البحرين، ثم من العراق إلى سوريا إلى لبنان، يمكن أن يقلب موازين القوى فى المنطقة.

وتبذل الولايات المتحدة جهودا مضنية لطمأنه السعودية ودول الخليج على وقوف الولايات المتحدة بصلابة معهم، وتتعاقد مع هذه الدول على المزيد من صفقات السلاح، كما تبرز قدرات القواعد الجوية والبحرية المتواجدة فى بعض دول الخليج على التصدى لأية تهديدات، كل ذلك للتأكيد بأن علاقاتها بدول الخليج هى علاقات استراتيجية راسخة فى كل الظروف.

ولا يمكن أن نترك موضوع إيران قبل أن نوجه سؤالا للسعودية عما إذا كانت تفضل أن تصبح الجارة إيران دولة نووية (فى غياب الاتفاق) أم من الضرورى إعطاء الفرصة لإيران لإثبات حسن نياتها، وتعاونها بإخلاص وشفافية حول كل ما يحقق المصلحة للجميع؟

•••

وتحتل القضية الفلسطينية مكانة متقدمة على قائمة الخلافات مع الولايات المتحدة، بل إن السعودية أبرزت هذه القضية كأحد الأسباب التى دعتها لرفض الجلوس على مقعد مجلس الأمن، بعد أن فشل المجتمع الدولى فى معالجتها، والوقوف بحزم أمام الممارسات الإسرائيلية. وتشير السعودية إلى أنها كانت تتوقع أن تدفع الدول الغربية مبادرة السلام العربية، التى أطلقتها السعودية عام 2002، قدما إلى الأمام وذلك من أجل التوصل إلى حل عادل ودائم للمشكلة الفلسطينية.

•••

ومن الأمور التى تثير قلق السعودية بالطبع ذلك التوجه الأمريكى نحو منطقة شرق آسيا وجنوب شرقها. المسئولون الأمريكيون ذكروا صراحة أن للولايات مصالح فى مناطق أخرى، ولا تنحصر هذه المصالح فى منطقة الشرق الأوسط. ويأتى ذلك فى الوقت الذى نجحت فيه التكنولوجيا الحديثة فى زيادة إنتاج الولايات المتحدة من البترول عن طريق حقن الصخور Fracking. وتشير التقديرات إلى أن الولايات المتحدة ستتفوق على السعودية فى إنتاج البترول عام 2020 حيث سيصل الإنتاج الأمريكى إلى 15 مليون برميل يوميا بينما لا يتجاوز الإنتاج السعودى 12 مليونا. يعنى هذا التقليل اعتماد الولايات المتحدة على بترول الشرق الأوسط فى المستقبل غير البعيد.

•••

بقى القول إن السعودية قد ساءها تخلى الولايات المتحدة بسهولة عن حلفائها فى المنطقة على إثر ثورات الربيع العربى فى تونس ومصر وغيرها من دول المنطقة العربية. واعتقادى أن السعودية ليست مستاءة لفقدان الزعامات فى تلك الدول بقدر تخوفها من امتداد إشعاعات هذه الثورات إلى الجزيرة العربية. وأخذا بالسوابق فلا ينتظر الزعماء فى دول الخليج أن تأتى التصرفات الأمريكية فى هذه الحالة مختلفة عن تصرفاتها فى دول الربيع العربى والتى تمثلت فى النأى بالنفس بأى ثمن.

نذكر كيف أسرعت السعودية إلى إرسال قوات درع الجزيرة إلى البحرين عندما تعرضت الأخيرة لاضطرابات داخلية. استوقفتنى موافقة الحكومة السعودية مؤخرا على مشروع قانون لمكافحة الإرهاب يُجرم أى عمل يخل بالنظام العام، أو يمس مكانة الدولة، أو يهدد وحدة المملكة. فى نظر البعض أن نصوص هذا المشروع الفضفاضة تسمح بملاحقة أى نشاط للمجتمع المدنى يدعو إلى إصلاحات ديمقراطية بالمملكة.

•••

إذن، ومن واقع ما تم استعراضه فى السابق فإن الخلاف بين السعودية وأمريكا وهو خلاف حقيقى، غير أن مصلحة البلدين تملى عليهما الحفاظ على علاقتهما الاستراتيجية، التى لا يملك أى طرف منهما رفاهية التخلى عنها.

إيهاب وهبة  مساعد وزير الخارجية السابق
التعليقات