إسرائيل تحت الحصار - إيهاب وهبة - بوابة الشروق
الجمعة 22 نوفمبر 2019 3:57 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

إسرائيل تحت الحصار

نشر فى : السبت 22 فبراير 2014 - 4:20 ص | آخر تحديث : السبت 22 فبراير 2014 - 4:20 ص

«أؤمن بأن إسرائيل تواجه حملة للنيل من شرعيتها، وهى حملة فى تصاعد. الشعوب أصبح لديها حساسية كبيرة حيال هذا الأمر. هناك حديث عن المقاطعة، وكذلك اتخاذ إجراءات أخرى. أؤكد لكم، وبشكل قاطع، أن الوضع الراهن لا يمكن الابقاء عليه، وغير قابل للاستمرار إنما هو مجرد وهم!».

ما سبق هو قليل من كثير مما قاله وزير الخارجية الأمريكى جون كيرى أثناء مؤتمر الأمن الذى انعقد فى مدينة ميونيخ الألمانية يوم 2 فبراير الحالى. الوزير الأمريكى زار منطقتنا، والتقى القيادات فيها، عشر مرات منذ أن تولى منصبه، لذلك فهو يعى تماما ما يقول. وواضح أنه قد طفح به الكيل، وأن صدره قد ضاق بمالا يقال!

قامت الدنيا ولم تقعد فى إسرائيل فى أعقاب كلام كيرى. نتنياهو أعلن على الفور أن أى محاولة لفرض المقاطعة على دولة إسرائيل، هى عملية غير أخلاقية، وغير عادلة، ولن تؤتى ثمارها. مضيفا أنه لا يمكنه أن يضحى بمصالح إسرائيل الحيوية وأمنها تحت أى ضغوط تمارس عليها.

•••

لم يكن كيرى وحده الذى قام بتحذير الإسرائيليين، بل وجدنا محررا له وزنه وعلاقاته، وهو توماس فريدمان، ينشر بصحيفة النيويورك تايمز يوم 4 فبراير الحالى مقالا مهما يحمل عنوانا لابد أنه قد أصاب المتطرفين الإسرائيليين فى مقتل، حيث جاء كالآتى «الانتفاضة الثالثة». ووجه فريدمان كلامه للإسرائيليين قائلا إن انتفاضة ثالثة قد قامت بالفعل، هذه المرة لم تكن عن طريق إلقاء الحجارة فى وجوه قوات الاحتلال، ولا بإطلاق الصواريخ، إنما انتفاضة سلمية قائمة على المقاطعة، ويقودها هذه المرة الاتحاد الأوروبى، وكل المناوئين للاحتلال الإسرائيلى فى أنحاء العالم، ويضيف فريدمان أن وزير الخارجية كيرى كان محقا تماما فيما قاله فى ميونيخ، وأنه إذا ما فشلت المفاوضات الحالية فإن حملة المقاطعة، ونزع الشرعية عن إسرائيل، ستشتد وتقوى. ثم أعاد فريدمان ذكر ما قاله وزير المالية الإسرائيلى يوم 3 فبراير لراديو الجيش الإسرائيلى بأنه إذا لم يتم التوصل إلى حل الدولتين، فإن الضرر المادى سيصيب كل إسرائيلى. فأى مقاطعة، ولو محدودة، سيترتب عليها انخفاض صادرات إسرائيل إلى الدول الأوروبية بنسبة 20٪ مما يعنى خسارة لإسرائيل تصل إلى 5 مليارات دولار، وفقدان آلاف من العمال لوظائفهم.

•••

وقبل أن نتحدث عن كيفية بدء حركة المقاطعة هذه، وأبعادها الحالية، يجدر أن نشير إلى أن سفير الاتحاد الأوروبى لدى إسرائيل سار على نفس نهج الوزير الأمريكى فى حديث أدلى به إلى القناة التليفزيونية الثانية فى إسرائيل. حذر فيه السفير إسرائيل من أنها ستعانى عزلة متزايدة إذا ما انهارت المباحثات مع الجانب الفلسطينى. وتصريحات السفير جاءت صدى لبيان الاتحاد الأوروبى الذى صدر أخيرا، والذى عبر عن قلق الاتحاد البالغ تجاه عزم إسرائيل على التوسع فى العملية الاستيطانية فى الضفة الغربية وفى القدس الشرقية، وأعاد البيان تأكيد الاتحاد بأن المستوطنات هى عمل غير قانونى وفقا للقانون الدولى، وتشكل عقبة كأداء أمام عملية السلام، وتهدد بتقويض حل الدولتين. الجدير بالذكر أن عدد المستوطنات الإسرائيلية، التى أقيمت فى الضفة والقدس الشرقية قد بلغت حتى الآن 131 مستوطنة، تضم ما يقرب من نصف مليون مستوطن!

•••

أمر آخر أجد من الضرورى الإشارة إليه ويتعلق بالضعف والوهن الذى أصاب اللوبى الإسرائيلى فى الولايات المتحدة بقيادة «الأيباك» ذلك اللوبى الذى عرف عنه قدرته على تمرير مشروعات القوانين فى الكونجرس، بل والتلاعب بأعضاء الكونجرس ورسم السياسة التى عليهم اتباعها، فقد سطوته فى الفترة الأخيرة. الدلائل على ذلك كثيرة، حيث فشل اللوبى الإسرائيلى فى دفع الكونجرس إلى حث أوباما على توجيه ضربات جوية لسوريا، كما فشل اللوبى فى حث الكونجرس على منع أوباما من التفاوض مع إيران حول برنامجها النووى وفشل أيضا فى فرض عقوبات جديدة على إيران أثناء عملية التفاوض.

والسؤال الذى يطرح نفسه الآن، هو الموقف الذى سيجد هذا اللوبى نفسه فيه إذا ما رفض نتنياهو المقترحات الأمريكية بشأن النزاع الإسرائيلى الفلسطينى، وهل سيكون فى مقدور اللوبى الإسرائيلى الذى أثبت ضعفه مؤخرا، وفقد الكثير من مصداقيته، أن يدخل فى مواجهة جديدة مع الإدارة الأمريكية حول هذا الموضوع!

نعود الآن إلى نشأة الدعوة إلى المقاطعة. قامت الدعوة عن طريق المجتمع المدنى الفلسطينى عام 2005 الذى بدأ حملة من أجل «المقاطعة، ووقف الاستثمار فى الشركات الإسرائيلية، وكذلك فرض العقوبات عليها» The Boycott Divestment and Sanctions (B.D.S، ولاقت الحملة دعما كبيرا فى العديد من الدول الأوروبية وفى الولايات المتحدة وفى كندا. وشملت المقاطعة الجوانب الاقتصادية، والتجارية، والاستثمارية، والثقافية. وفى الفترة الأخيرة وحدها قرر أضخم صندوق للمعاشات فى هولندا PGGH سحب كل استثماراته فى خمسة بنوك إسرائيلية بسبب وجود فرع لهذه البنوك فى الضفة الغربية، بالإضافة إلى مساهمة هذه البنوك فى عملية بناء المستوطنات. كما قرر أكبر بنوك الدنمارك Denmark Bank مقاطعة بنك هيوعليم الإسرائيلى بسبب نشاط الأخير فى المستوطنات الإسرائيلية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أن الكنيسة البروتستانتية فى كندا قررت مقاطعة منتجات المستوطنات الإسرائيلية فى الضفة والقدس الشرقية. وفى ديسمبر الماضى قررت رابطة الدراسات الأمريكية مقاطعة الجامعات الإسرائيلية، كما اتخذت رابطة الدراسات الآسيوية الأمريكية قرارا مماثلا.

•••

اللافت للنظر إلى أن هذه الحملة تسير بالتوازى مع الجهود الحثيثة التى تبذلها الولايات المتحدة للدافع قدما بالمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، وكأن هذه الحملة تدعم هذه الجهود، وتهدف إلى التأثير على الإسرائيليين، وتُذَكرهم بأن البديل عن التقدم فى عملية السلام سيكون مُكْلفا وباهظ الثمن.

•••

والسؤال المشروع ولاشك هو إلى أين وصلت جهود المفاوضات هذه، وما الأفكار المطروحة من قبل الطرفين ومن قبل الوسيط الأمريكى؟، لم تعلن الولايات المتحدة رسميا حتى الآن عن مشروعها أو خطتها، إنما قد يمكن من خلال ما ترشح حتى الآن عن الخطة تصور بعض الخطوط العريضة لها:

1ــ الاتفاق على إطار للمفاوضات المقبلة يحدد معالم التسوية النهائية فيما يتعلق بالحدود، والأمن، والقدس، والاعتراف المتبادل، وحق العودة، على أن يتم الاتفاق على عناصر الوضع النهائى هذه مع نهاية العام الحالى.

2ــ يحق لأى من الطرفين إبداء التحفظات على أى من بنود الاطار.

3ــ يتم الاتفاق على تبادل للأراضى بما يضمن ضم الكتل الاستيطانية الضخمة إلى داخل حدود إسرائيل والتى يقطنها من 75٪ إلى 80٪ من المستوطنين فى الضفة.

4ــ تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح، لكن مع وجود قوات فلسطينية تحفظ الأمن.

5ــ تتواجد قوات إسرائيلية محدودة غرب نهر الأردن ولفترة من ثلاث إلى خمس سنوات، داخل «منطقة أمن» يبلغ عرضها نحو 2 ميل، ويتم تجهيزها بسياج مكهرَب، وبأحدث التقنيات الإلكترونية، لرصد أى تسلل أو عمليات إرهابية.

6ــ تحل قوات من حلف الأطلنطى، بقيادة أمريكية، محل القوات الإسرائيلية بعد انتهاء مدة تواجدها فى غرب نهر الأردن.

7ــ يتم تعويض اليهود الذين تم اجبراهم قسرا على مغادرة الدول العربية فى أعقاب إنشاء إسرائيل والذين يقدر عدد من توجه منهم إلى إسرائيل بنحو نصف المليون وفقا لما تدعيه إسرائيل.

8ــ تتحمل الولايات المتحدة العبء المالى الأكبر لتوطين اللاجئين، وإنشاء المنطقة الأمنية وإعادة انتشار القوات الإسرائيلية.

•••

وكما أننا لا نعلم على وجه اليقين ماهية المقترحات الأمريكية، فإننا لا نعلم أيضا ما سيكون عليه رد الفعل الفلسطينى عليها. غير ان بعض التسريبات التى أشرنا إليها فى السابق لابد وأن تثير القلق، وقدرا كبيرا من التساؤلات، مثل حجم الأراضى التى سيتم تبادلها وطبيعتها ونوعيتها، وحجم التواجد العسكرى الإسرائيلى على الضفة الغربية لنهر الأردن، علاوة على اقتراح تعويض اليهود الذين غادروا الدول العربية بعد عام 1948، وهو الأمر الذى يثار لأول مرة فى محاولة لكسب رضاء الإسرائيليين. كما أن قضية الاعتراف المتبادل تثير هى الأخرى إشكالية كبيرة نتيجة إصرار إسرائيل على الاعتراف بها كدولة يهودية، الأمر الذى يرفضه العرب بشكل قاطع.

وتصورى أن هذه الموضوعات والمقترحات لابد وأن تطرح أولا للبحث والنقاش داخل جامعة الدول العربية، ومضاهاتها بقرارات الشرعية الدولية، وبمشروع السلام العربى لعام 2002. وعلى نفس القدر من الأهمية ضرورة التوصل إلى المصالحة التى طال انتظارها بين السلطة الفلسطينية فى رام الله، وحكومة حماس المقالة فى غزة، فالقضية الفلسطينية هى وحدة واحدة لا تتجزأ.

•••

أما إذا ما تعثرت المفاوضات، أو فشلت، وهو أمر غير مستبعد، فلابد أن تعد السلطة الفلسطينية العدة لطلب الانضمام إلى مختلف المنظمات والوكالات المتخصصة للأمم المتحدة، وعلى رأسها المحكمة الجنائية الدولية. كذلك لابد من التوجه إلى الأمم المتحدة لاتخاذ القرارات العقابية اللازمة ضد إسرائيل، أسوة بما تم اتخاذه حيال الحكم العنصرى فى جنوب أفريقيا.

الصراع مع إسرائيل صراع طويل وممتد، ولابد أن نتسلح فيه بسياسة النفس الطويل. العالم من حولنا يتغير كما أشرنا، وقد ضاق ذرعا بالممارسات الإسرائيلية، لذلك فإن صراعنا يلقى ولاشك الدعم والتأييد باستمرار، فلن يضيع حق ووراءه مُطالب.

إيهاب وهبة  مساعد وزير الخارجية السابق
التعليقات