عن الحروب والديون والعملة «الصعبة» 3 - محمود محي الدين - بوابة الشروق
الأحد 25 فبراير 2024 1:09 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

عن الحروب والديون والعملة «الصعبة» 3

نشر فى : الأربعاء 29 نوفمبر 2023 - 6:55 م | آخر تحديث : الأربعاء 29 نوفمبر 2023 - 6:55 م

شهد هذا الشهر تناولا متفاوتا بين السلبية والإيجابية للأصول المالية المشفرة (ولأغراض هذا المقال نستعمل اصطلاح «الكريبتو» عليها) والعملات الرقمية للبنوك المركزية. وانشغل المتابعون لشئون المال والتكنولوجيا بملحمة خروج ودخول المدير التنفيذى لشركة الذكاء الاصطناعى «أوبن إيه أى» التى تثير تساؤلات حول قواعد الحوكمة المعمول بها ومدى كفايتها لتحقيق الأهداف التجارية للشركات التكنولوجية، وكذلك المنصات الرقمية بما فيها المعنية بتداول المعلومات وتنفيذ المعاملات والصفقات، ومدى انصياعها لقواعد حماية المتعاملين وحقوقهم والالتزام بالمعايير الأخلاقية وأمن المجتمع وأفراده من انفلات الذكاء الاصطناعى بما يهدد السلم العام، وهو ما حذر منه جمع من العلماء والباحثين فى خطاب مفتوح نشر فى شهر مارس، وتوصيتهم «بهدنة» فى سباق تطوير نماذج جديدة أكثر تقدما وخطرا من المتعارف عليه حاليا حتى يتم إرساء قواعد فعالة للحوكمة.
وفى مقال لجون ثورنيل، الكاتب المتخصص فى المشروعات الناشئة، أكد أن حمى التسارع فى تطوير أنواع من تلك النماذج المتقدمة للذكاء الاصطناعى العالية المخاطر قد ارتفعت منذ اقتراح تلك الهدنة. هذا يثير مجددا قضية قدرة نظم الحوكمة المعمول بها على تحقيق التوافق المطلوب بين الابتكار وتحقيق الأرباح وضرورة توفير الضمانات المطلوبة للأمن الداخلى للمجتمعات والسلم الدولى اللذين صارا أكثر عرضة للمخاطر والتهديد أكثر من أى وقت مضى منذ الحرب الباردة، بل منذ الحرب العالمية الثانية؛ نظرا لتأجج الصراعات الجيو ــ سياسية.
وفى هذه الأثناء واقترابا أكثر من موضوعنا عن مستقبل العملات فى ظل الحروب والديون مع التركيز على البعد التكنولوجى فى تطوير العملات؛ أشير إلى ما نشرته فى هذه الصحيفة الغراء عن ما يعرف بـ«الكريبتو» تحت عنوان «أزمة مشفرة» فى عام 2018 ومحاولات شركة «فيسبوك» لإصدار عملة «الليبرا» فى عام 2019 على أن يبدأ العمل بها فى العام التالى؛ وهو ما قوبل باعتراضات من الجهات الرقابية لاعتبارات الاستقرار المالى والنقدى وحماية الخصوصية والحقوق، رغم حجج ومبررات سيقت لمطورى العملات الرقمية المشفرة المستقلة من نوع زيادة الكفاءة وتخفيض التكلفة وتحقيق الشمول المالى، وقد استعرضت فى حينها دوافع الجانبين وما انتهى إليه الأمر من عدم السماح «الليبرا» بالظهور. وقد ذكرت فى مقال نشر فى أبريل 2021 عن مستجدات دور الدولة وعملتها، أن «المجال الأكثر احتمالا للتطور هو (العملات الرقمية للبنوك المركزية)، ومن خلالها ستكون للبنوك المركزية صيغة إلكترونية لعملاتها التى يمكن أن يستخدمها عموم الناس مباشرة من دون وسيط مصرفى لإجراء المدفوعات وتسوية المعاملات من خلال محفظة أو تطبيق إلكترونى؛ وبهذا تكون قد استفادت البنوك المركزية من المستجدات التكنولوجية التى تتميز بها الأصول المشفرة والعملات المستقرة مع قوة الإبراء والسند السيادى الذى تتمتع به البنوك المركزية. فلم تكن البنوك المركزية لتفرط فى احتكار ريع الإصدار النقدى لعملتها، أو تزيد من تعقيدات إدارتها للسياسة النقدية».
ولكن هذا لم يمنع انتشار «الكريبتو» مثل «بيتكوين» وأخواتها رغم التقلب العنيف لأسعار هذه الأصول المالية المشفرة. وما يصيب متعاملى «الكريبتو» بمزيد من الذعر هو ما تعرضت له منصات تداولها مثلما حدث أخيرا فى منصة «بينانس» من تلاعبات استوجبت إقالة رئيسها تشانج بينج زاو، الذى قدم نفسه يوما بأنه المنقذ النظيف لهذه الصناعة. وتم تغريمه منفردا بمبلغ 50 مليون دولار من قبل المحكمة الفيدرالية لسياتل، والتى أصدرت أيضا حكما بغرامة على الشركة من الأعلى فى تاريخ غرامات الشركات فى الولايات المتحدة؛ إذ بلغت 4.3 مليار دولار. وتشير مناقشة وقائع التلاعب فى منصة «بينانس» على النحو الذى أوردته الكاتبة جيليان تات فى صحيفة «الفاينانشيال تايمز» منذ أيام إلى أمرين: الأول، هو أن تتبع المعاملات التى تجرى على «الكريبتو» رغم صعوبته أيسر بكثير من تتبع المعاملات النقدية بالبنكنوت رغم احتفاء مصدرى المشفرات بسرية المعاملات وخصوصية المتعاملين، وأن تظل أسماؤهم مجهولة، وهو ما لم يعد مضمونا فى ظل تطور تكنولوجيا الرصد والتتبع. الأمر الآخر، هو عدم وجود تشريعات قانونية كافية حتى الآن لتنظيم هذه الصناعة حماية المتعاملين فيها، بما يضطر جهات الرقابة إلى إعمال ما يستطيعون من إجراءات محددة فى حدود سلطاتهم الإشرافية لحماية الأسواق.
ومن ناحية إيجابية فى تطور الأسواق الرسمية ودور البنوك المركزية فى إصدار عملاتها الرقمية المشفرة بما شهده الملتقى السنوى للتقنية المالية الذى عقد فى سنغافورة منتصف هذا الشهر، حيث أعلن من قبل مديرة صندوق النقد الدولى كريستالين جورجيفا، أن 60 فى المائة من البنوك المركزية هى للبلدان النامية. والتى أشارت أيضا إلى أن نجاح هذه العملات سيعتمد على تكامل السياسات وتجاوب القطاع الخاص معها، وأضيف أهمية الإدراك المبكر من خلال التوعية المالية طبيعة احتياجات عموم الناس. فالتوعية المالية طريق ذو اتجاهين كان يظن خطأ أنه ينساب فى اتجاه واحد من الحكومات ومؤسسات الرقابة المالية والبنوك المركزية، ولكن التجربة بخاصة منذ الأزمة المالية العالمية أوضحت الحاجة المتبادلة إلى التواصل بشأن المستجدات التكنولوجية والابتكارات المالية وتأثيرها على المجتمعات والأسواق. والحاجة اليوم إلى هذا التواصل أكبر مع تسارع استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعى.
وفى حديث مديرة صندوق النقد ما يلفت النظر إلى الحاجة إلى بناء العملات الرقمية للبنوك المركزية أنها يجب أن تيسر المدفوعات المالية عبر الحدود لتيسير التجارة والاستثمارات والتحويلات «فهى الآن مكلفة وبطيئة ومتاحة للقلة». وهو ما يؤكد أهمية استمرار البحث عن البدائل فى ظل أوجه القصور القائمة من الاستخدام المعتاد لما يسمى بالعملة الصعبة.
ومع أهمية ما سنتتبعه من تغيرات تكسبها التكنولوجيا للعملة والأبعاد المختلفة للتعامل بها، لكن شكل العملة لا يغير من الأسس البديهية التى يسترشد بها لتقدم الاقتصاد، فليس منها حتما نوع العملة سلعية أو معدنية أو ورقية أو بلاستيكية أو حتى رقمية.

التعليقات