تبدو الوعود التى يحملها الذكاء الاصطناعى لسوق العمل والإنتاجية مجالين متوازيين. فالذكاء الاصطناعى فى إطاره النموذجى محله الشركات الكبرى والمؤسسات البحثية وخوارزميات التعلم العميق، وأهم فعالياته تسريع الحداثة وأتمتة المهام الروتينية لرفع الكفاءة وخفض التكاليف.
أما سوق العمل فى إطاره الاجتماعى فمحله القوى البشرية، والأنظمة التعليمية التى تنتجها، والعقود الاجتماعية التى تضمن الاستقرار، وأهم فعالياته توفير فرص العمل المستدام والحفاظ على شبكات الأمان الاجتماعى. وهذا الفصل يعززه الخطاب الرائج الذى يختزل الذكاء الاصطناعى فى بعده الأداتى كقوة محايدة.
غير أن هذا الإصرار على تمايز الأدوات عن نتائجها الهيكلية يؤدى إلى تصوير تداعيات الذكاء الاصطناعى على أنها مجرد تحديات تنظيمية عابرة أو زيادة عادية فى نسب البطالة. بينما تشير الأرقام والتحولات البنيوية إلى أن لعبة الإنتاجية بذاتها هى مجال صراع على توزيع القوة والفرص؛ وهو ما يستدعى تفكيك الأثر العميق لهذه التقنيات على العمل والتوظيف فى عالمنا العربى.
تشير الدراسات التحليلية الصادرة عن مؤسسات عالمية إلى أن الوظائف فى قطاعات ذات كثافة عمالية مرتفعة، كقطاعات التصنيع، والزراعة، والخدمات، معرضة فى الأساس لخطر الأتمتة الشاملة، ما قد يترتب عليه موجات كبيرة وغير مسبوقة من فقدان الوظائف التقليدية.
هذا التحدى يزداد تعقيدا لدى النظر إلى النقص الهيكلى والمستمر فى الكوادر المؤهلة فى قطاعات حيوية لا يمكن الاستغناء عنها، ولاسيما قطاع الرعاية الصحية. وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أنه بحلول العام 2030، سيبلغ العجز العالمى فى الأطباء والممرضين والقابلات 9٫9 مليون شخص، وذلك على الرغم من توقعات إضافة 40 مليون وظيفة جديدة فى القطاع الصحى عالميا خلال الفترة نفسها.
يضع هذا التباين عبئًا مضاعفًا على الدول التى لا تستطيع تأهيل كوادرها بالشكل الكافى لمواكبة التطورات التقنية اللازمة حتى فى مجال الخدمات الأساسية كالصحة. وفى ضوء هذه الهشاشة البنيوية فى سوق العمل التقليدى، تطل التنبؤات الكمية لتأثير الذكاء الاصطناعى على سوق العمل العالمى بتداعيات قد تكون وخيمة بشكل خاص على العالم العربى. فبينما تشير تقديرات «جولدمان ساكس Goldman Sachs» إلى إمكانية فقدان ما يقارب 300 مليون وظيفة بدوام كامل على مستوى العالم، تؤكد دراسات أخرى صادرة عن مؤسسات مرموقة على تعرض قطاعات واسعة لخطر الأتمتة المتسارعة.
تحول جذرى فى بيئة العمل
وفى خضم هذه التحذيرات من البطالة البنيوية، يصبح التحول الديموغرافى الذى يشهده العالم العربى حاليا نقطة ارتكاز جدلية؛ إذ يحمل فى طياته فرصًا هائلة وتحديات كامنة فى آن واحد. فوفقا للأرقام الرسمية، بلغ عدد سكان المنطقة العربية حوالى 436 مليون نسمة فى العام 2020، مسجلًا زيادة قدرها 81 مليون نسمة عن العام 2010. وتشير توقعات الأمم المتحدة إلى أن عدد سكان العالم العربى قد يصل إلى حوالى 520 مليون نسمة بحلول العام 2030، بزيادة متوقعة قدرها 84 مليون نسمة.
ومع تزايد نسبة الشباب فى العديد من الدول العربية، يصبح تحقيق «العائد الديموغرافى» ممكنًا من الناحية النظرية؛ أى توظيف هذه الطاقة البشرية الهائلة فى دفع عجلة التنمية المستدامة، بخاصة فى المجالات التقنية الحديثة مثل الذكاء الاصطناعى التى تتطلب قوى عمل مؤهلة وقادرة على التفكير النقدى والابتكار. ومع ذلك، تشير نسبة بطالة الشباب فى العالم العربى، التى تعد الأعلى عالميا (حوالى 27%) إلى أحد أبرز تجليات فشل النظم التعليمية والاقتصادية القائمة فى استيعاب هذه الفئة. إن الفشل فى تأهيل الشباب سيحول «العائد الديموغرافى» إلى «عبء ديموغرافى» يفاقم مشكلات البطالة والفقر وعدم الاستقرار، الأمر الذى يهدد النسيج الاجتماعى بالتمزق ويدفع بالتوترات الداخلية نحو نقطة اللاعودة. وتتقاطع هذه المعالجة مع ما ذهب إليه سيمون جونسون ودارون أسيموجلو، الحائزان على جائزة نوبل فى الاقتصاد عن العام 2024، فى كتابهما «القوة والتقدم: صراعنا الممتد لألف عام حول التكنولوجيا والازدهار»؛ حيث يؤكدان أن مسار التطور التكنولوجى وأثره ليس حتميا مفروضا، بل هو خيار سياسى واجتماعى يخضع للتوجيه والمساءلة. وفى هذا الإطار، يحذران من خطورة أن تصبح هذه الأجندة التكنولوجية حكرًا على نخبة المبشرين بالتكنولوجيا والمستفيدين منها، ما يعمق من التفاوتات ويقوض الإمكانية الجماعية لتوجيه مسار التحول لمصلحة العدالة الاجتماعية والاستقرار.
وإذا كان مسار التطور التكنولوجى خيارًا سياسيًا لا حتمية، فما هى الآليات الرقابية والمساءلة المؤسسية التى يجب على الدول العربية إرساؤها لضمان ألا تخدم أتمتة الوظائف النخبة المنتفعة فقط، بل أن تصبح أداة لتوجيه العائد الديموغرافى نحو العدالة الاجتماعية واستدامة العقود الاجتماعية القائمة؟
لا يقف التحدى بعامة عند حدود إدارة الطاقات الشبابية، بل تتضاعف المخاوف عند النظر إلى التباين الهيكلى الكبير فى مستويات التنمية والتأهيل بين الدول العربية ذاتها. فبينما تسعى دول قليلة، مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، إلى تبنى استراتيجيات طموحة تهدف إلى ريادة مجال الذكاء الاصطناعى وربط اقتصاداتها باقتصاد المعرفة العالمي، تعانى دول أخرى من تخلف هيكلى فى البنية التحتية الرقمية يعيق قدرتها على مواكبة هذه الثورة التكنولوجية والتعامل مع تداعياتها.
هذا التباين ينذر بتعميق الفجوة التنموية بين الدول العربية ذاتها على نحو غير مسبوق، نتيجة تركز الثروة المعرفية فى جيوب جغرافية محددة. ولذلك، تصبح مسئولية الدول العربية المتقدمة فى هذا المجال مضاعفة؛ إذ يتوجب عليها تجاوز مفهوم التنافس الإقليمى إلى تقديم الدعم الاستراتيجى للدول الأقل نموا. هذا الدعم يجب أن يتمثل فى برامج شاملة لتعزيز القدرات ونقل المعرفة والتكنولوجيا، وذلك لضمان مشاركة فعالة لجميع الدول العربية فى بناء مستقبل اقتصادى مشترك يعتمد على الذكاء الاصطناعى.
ومع ذلك، فإن الإقرار بالتحديات الهيكلية والتباين التنموى ينبغى ألا يحجب حقيقة أن الذكاء الاصطناعى يقرن إلى جوار مخاطره، بوجود فرص هائلة للتحول من شأنها إيجاد أدوار عمل جديدة ذات قيمة مضافة فى مجالات التكنولوجيا المتقدمة، وتحليل البيانات المعقدة، والصناعات الإبداعية التى تتطلب مجموعة مختلفة من المهارات الإدراكية والتقنية. على الرغم من المخاوف بشأن فقدان الوظائف التقليدية، فمن المتوقع أن يوجد الذكاء الاصطناعى وظائف جديدة ومهنا لم تكن موجودة من قبل، ولاسيما فى الصناعات التى يقودها الذكاء الاصطناعى نفسه. وتشمل هذه الأدوار البحث والتطوير فى مجال الذكاء الاصطناعى، وهندسة التعلم الآلى، وعلوم البيانات، والمجال الناشئ لأخلاقيات الذكاء الاصطناعى وحوكمته؛ وهى كلها أدوار باتت مترسخة فى الدول الغربية بعد طفرة الذكاء الاصطناعى فى السنوات الماضية. وبالإضافة إلى خلق الأدوار المعرفية المختصة، يسهل الذكاء الاصطناعى أيضا نمو اقتصاد العمل الحر (Gig Economy) والعمل عن بعد فى العالم العربي؛ ما يمثل تحولا جذريا فى بيئة العمل. ويعد هذا الاتجاه مفيدا بشكل خاص فى البلدان التى تعانى من ارتفاع معدلات بطالة الشباب، حيث يوفر فرصًا بديلة لتوليد الدخل وتجاوز القيود الجغرافية.
اقتصاد يقوده الذكاء الاصطناعى
ومع استمرار الذكاء الاصطناعى فى تحويل سوق العمل، ثمة حاجة متزايدة لتحويل القوى العاملة وتطوير المهارات فى العالم العربى عبر استثمارات ضخمة ومستدامة. تستثمر البلدان بشكل متزايد فى برامج التعليم والتدريب التى تركز على الذكاء الاصطناعى والتقنيات ذات الصلة، ما يضمن تزويد القوى العاملة بالمهارات اللازمة للنجاح فى اقتصاد يقوده الذكاء الاصطناعى.
وفى الوقت الذى يتوقع فيه أن يسهم الذكاء الاصطناعى فى تعزيز أداء العمل البشرى فى بعض الحالات، فإن هذا التحول التكنولوجى قد يقود أيضا إلى استبدال عدد كبير من الوظائف، وبخاصة فى الاقتصادات المتقدمة التى يحتمل أن يتأثر فيها نحو 60% من الوظائف. وعلى النقيض، لا يعنى التخلف الظاهرى للاقتصادات الناشئة والدول ذات الدخل المنخفض، بمعدل تعرض يقدر بنحو 40% و26% على التوالى، حصانة من الأثر الهيكلى للتحول، بل يعنى تأخرًا فى استيعاب الفرص والانخراط الفاعل فى مسار التحول، وهو ما يكرس تهميش هذه الاقتصادات فى المستقبل على نحو أشد خطرا، لتبقى خارج حدود التنافس المعرفى الذى تقوده النخب التكنولوجية العالمية.
إجمالًا، إن مسار التطور التكنولوجى للمنطقة العربية ليس حتمية مفروضة، بل إنه خيار سياسى يتوقف على قدرة الأنظمة على إرساء المساءلة المؤسسية؛ وإلا سيتحول العائد الديموغرافى إلى عبء اجتماعى يكرس التهميش، لتبقى الأمة خارج حدود المنافسة المعرفية.