النفسية.. مع د. محمد طه | حاسس بالذنب - محمد طه - بوابة الشروق
الأربعاء 2 ديسمبر 2020 1:54 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد فرض غرامة فورية على عدم ارتداء الكمامات بوسائل النقل العام؟

النفسية.. مع د. محمد طه | حاسس بالذنب

نشر فى : السبت 31 أكتوبر 2020 - 8:40 م | آخر تحديث : السبت 31 أكتوبر 2020 - 8:40 م

فى هذا الباب الأسبوعى الذى يظهر كل يوم احد، يتواصل د. محمد طه أستاذ م. الطب النفسى، معكم، للإجابة على أسئلتكم واستفساراتكم فى كل ما يخص أحوال النفس، والطب النفسى، والعلاقات الإنسانية.

راسلونا على: http://m.me/mohamedtaha.net

●● كل الرسائل تخضع للسرية والخصوصية التامة، والإجابات عليها تكون بطلب المُرسل وبدون ذكر أية معلومات شخصية.

أعمل إيه فى جلد الذات وتأنيب الضمير ومحاسبة النفس؟ أنا بحاسب نفسى كأنى فى البرزخ.. مش قادر أعيش.. علما بأنى بقيت 35 سنة ومسئول عن أب كبير وأخت معاقة. هو ممكن من المسئوليات؟ ولا أنا باقصر معاهم؟ ولا باقصر مع نفسى؟ مبقتش فاهم.


ــ أخى العزيز..
الإحساس اللى بتوصفه هو من أصعب الأحاسيس على الإطلاق.. وجلد الذات غير تأنيب الضمير غير محاسبة النفس كأنك فى البرزخ.. أنا هخلى رسالتك مدخل للرد على موضوع الإحساس بالذنب.. اللى بتجيلى بخصوصه عشرات الرسائل بشكل يومى..
كل واحد فينا جواه كائن ضخم.. عملاق مخُيف.. وحش كاسر.. بيطلع لما تعمل حاجة غلط، أو عيب، أو حرام.. الكائن ده ساعات بيسموه الأنا الأعلى.. ساعات بيسموه الضمير.. ساعات بيسموه النفس اللوامة.
الجزء ده من تركيبنا النفسى، بيتكون فينا من سن ثلاث إلى خمس سنين تقريبا.. وبيكون أحد أهم مصادره طريقة تربية الأب والأم لينا، وقد إيه فيها حنية أو قسوة.. وعادات وتقاليد وموروثات المجتمع اللى بنتولد فيه، وقد إيه فيها تسامح وقبول أو ظلم ورفض.. وطبعا مُعتقدات وتعاليم ديننا (كما وصلنا)، وقد إيه اللى وصلهولنا شاف فيه عفو وغفران أو عقاب وانتقام.
مُشكلة الكائن ده جوانا هى أنه كائن مُسلح.. وسلاحه قوى جدا.. والسلاح ده بيديله سلطة، وقوة، وسيادة.. ويخليه يتحكم فيك وفى أفكارك ومشاعرك وكمان تصرفاتك.. زى ما يحب.. وقت ما يحب.. السلاح ده اسمه: الشعور بالذنب.
حجم الكائن ده جواك، ودرجة قوته، وعلاقتك الداخلية بيه هى اللى بتحدد ــ بشكل كبير ــ علاقتك بنفسك.
بمعنى إنه لو كانت طريقة تربيتك فيها قسوة شديدة، وعقاب بمناسبة وبدون مناسبة، أو لو انت عايش فى مجُتمع مليان تناقض ورفض للاختلاف، أو لو اللى وصلك من دينك هو فقط التخويف والتهويل والعذاب والوعيد.. وقتها هايكون حجم الجزء ده جواك كبير جدا، وتسليحه قوى جدا.. وهايحسسك بالذنب مع كل حركة وكل فعل وكل عاطفة، ويقولك ده عيب وده غلط وده حرام.. على كل حاجة.. فى كل وقت.. هايكون ضميرك قاسى جدا عليك وعلى الآخرين.. ونفسك مش هاتبطل تلومك ليل أو نهار.
أما لو كان اللى وصلك من التربية سعة الصدر والقبول غير المشروط، ووصلك من المجتمع الرحابة والمُساواة وقبول الآخر، ووصلك من الدين السماح والعفو والمغفرة والرحمة.. فوقتها هايكون حجم الجزء ده جواك متوسط ومعقول.. وعلاقته بيك فيها لُطف وهدوء وتفاهم.. ضميرك هايكون حى بس مش قاسى.. هاتدى مساحات للخطأ والصواب.. وفرص للعفو والسماح.. لنفسك قبل أى حد تانى.
أعتقد إنه ما فيش كلمة تم تشويه معناها، ولا شعور حصل فيه مغالاة.. ولا معنى أسيئ استخدامه زى (الشعور بالذنب).
عند بعض علماء الدين.. الشعور بالذنب ندم وتوبة..
عند بعض الآباء والأمهات.. الشعور بالذنب أدب وطاعة..
وعند كتير مننا.. الشعور بالذنب سجن وعذاب..
مش بس كده..
ده الشعور بالذنب.. هو أقوى سلاح فى تاريخ البشرية..
يعنى أقوى سلاح مُكن حد يستخدمه ضدك.. هو أنه يخليك تحس بالذنب تجاهه..
وأقوى سلاح مُكن تستخدمه ضد نفسك.. هو إنك تحسسها بالذنب بمناسبة وبدون مُناسبة..
وأقوى سلاح بيستخدمه الآباء والأمُهات علشان يسجنوا أطفالهم فى سجون حصينة من الطاعة العمياء والصوت الواطى والعين المكسورة.. هو أنهم يحسسوهم بالذنب.. أحيانا على مجرد وجودهم فى هذه الحياة.
طيب نحل المُعضلة دى إزاى بقى؟ إزاى أرحم نفسى وأحميها من الشعور بالذنب وفى نفس الوقت يكون ضميرى صاحي؟ إزاى أغلط من غير ما أعذب نفسى أو أخلى حد يعذبها؟ إزاى أفشل من غير ما أجلد نفسى أو أسمح لحد إنه يجلدها؟
شوف يا سيدى..
مهم نعرف الأول إن الشعور بالذنب ده نوعين.. نوع صحى ومفيد ومطلوب.. ونوع مَرضى ومؤذى ومدمر.. وبينهم فيه أنواع كتير تانية..
الشعور الصحى بالذنب هو إنك تغلط، وتكتشف إنك غلطت، فتراجع نفسك، وتتعلم من غلطك.. وما تكررهوش.. وتعتذر.. أو تتوب..
أما الشعور المرضى بالذنب فهو إنك تغلط، وتنصب لنفسك بعدها محكمة قاسية غير عادلة، تحس فيها إن الصح غلط، وإن الغلط مُصيبة، وإن المصيبة هى نهاية العالم.. فتعلِق لنفسك حبل المشنقة كل يوم.. وتجلدها وتعذبها كل ساعة..
الأول بتمارس فيه آدميتك بإنك تستخدم الحق اللى ربنا منحه ليك فى الخطأ والضعف والفشل.. فتتعلم من خطأك، وتقبل ضعفك وتحاول تانى بعد فشلك..
التانى بتجرد فيه نفسك من آدميتك وما تسمحش ليها بممارسة حقها الربانى اللى علشانه اسمك (إنسان)..
الأول فيه سماح وعفو وبداية جديدة فى كل مرة.. وفرصة جديدة مع كل خطأ..
التانى فيه عقاب داخلى قاسى وعنيف مع كل ضعف.. ويأس وقنوط وسواد مع كل فشل..
الأول.. مش هاتكرر فيه نفس الغلطة تانى (بقصد).. لكن هاتغلط غلطات غيرها.. وتتعلم منها برضه..
التانى.. هاتكرر فيه نفس الغلطة كل يوم.. بشكل قهرى سقيم لا ينتهى..
الأول هو النفس اللوامة (من غير قسوة)، والضمير الصاحى (من غير مغالاة)..
التانى هو النفس القاسية الغاشمة، والضمير المتكلف المغالى فى العقاب..
الأول فيه حركة وتغير ونمو.. ومسئولية.. وحياة..
التانى فيه جُود وثبات ونكوص.. ويأس.. وموت..
الأول هو الألم الإنسانى الواعى الشريف..
والتانى هو المُعاناة المريضة العمياء الساحقة..
طيب.. نعمل إيه؟
غلطت؟ سامح نفسك.. واتعلم من غلطك.. وابدأ من جديد.. هو إحنا بنتعلم من غير ما نغلط؟
ضعفت؟ اقبل ضعفك.. ماهو انت بشر.. والضعف جزء من بشريتك..
فشلت؟ وماله.. هو النجاح ليه طعم من غير الفشل؟ اقبل فشلك.. وحاول تانى..
ما ينفعش رسولنا صلى الله عليه وسلم يقولنا: «كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون»، وإحنا ما نقبلش أخطاءنا ونقف ونوقف الدنيا والحياة عندها..
ما ينفعش يقولنا: «لو لم تُذنبوا لذهبَ اللهُ بكم ولجاء بقومٍ يُذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم»، وإحنا مش بنحترم ضعفنا ومش بنقبل فشلنا..
ما ينفعش ربنا يعلمنا نكلمه ونقوله: «ربنا لا تُؤاخذنا إنْ نسِينا أو أخطأنا»، وإحنا ننصب لنفسنا المشانق كل يوم..
وأخيرا..
اعرف إن الشعور بالذنب بيكون فى أوقات كتير جدا عكس الشعور بالمسئولية..
المسئولية فيها اختيار وقرار وفرحة وسماح.. انما الشعور بالذنب فيه اجبار وقهر وهم وغم..
تحرر يا صديقى من شعورك المبالغ فيه بالذنب وجلد الذات..
هاتقوم بدورك ومسئولياتك بشكل واحساس مختلف تماما..
دعواتى معك..

محمد طه أستاذ مساعد الطب النفسي بكلية طب المنيا
التعليقات