ربما لا يتذكره، حتى من بين أهل المهنة فى مصر، وفى لبنان أيضًا – وسنقول لماذا لبنان بعد قليل – سوى قلة من الفنانين الذين من المؤكد أن عددًا قليلا منهم قد عرفه. كان اسمه فاروق عجرمة، وهو بدأ حياته الفنية والعملية شابًا وسيمًا، رياضيًا، خفيف الظل، متعدد اللغات. وكان ابنًا لعائلة مثقفة موسرة يملك ربها واحدة من المستشفيات المرموقة فى المحروسة. ومن هنا، حين اختار لنفسه دخول عالم الفن، لم يعترض أهله، فراح يتنقل بين اختيارات سينمائية عديدة، كما مثّل أدوارًا ثانوية فى بعض الأفلام لم تلفت النظر إليه حقًا، رغم وسامته. ومن هنا سرعان ما تزوج من سيدة من آل السرجانى الأثرياء بدورهم، وانتقل إلى أمريكا، وقد قرر أن يدرس الإخراج السينمائى «على أصوله»، كما كان يقول لى دائمًا بمرح وثقة، حين تعرّفت عليه فى بيروت بعد عودة من أمريكا، وقد أضحى محبًا للسينما فى تجلياتها الأكثر جدية وإبداعًا، فى سنوات الستينيات التى وصل فيها فن السينما إلى ذروة فنية كان هو يواكبها بانتباه مدهش.
قبل وصوله إلى لبنان، حقق عجرمة فى مصر فيلمًا واحدًا لفت الأنظار، لكنه سرعان ما وُسِم بالفيلم الأمريكى، فى وقت كانت فيه قد بدأت لوثة رجم كل ما هو أمريكى فى بلادنا. كان الفيلم «العنب المر»، الذى قامت ببطولته لبنى عبد العزيز، وأسعدنى ذات يوم، منذ سنوات قليلة، أن ألتقيها وقد عادت من أمريكا، فى سهرة مع الفنان الصديق محمود حميدة، لتحدثنى بشغف عن فاروق عجرمة الذى كان قد أضحى جارها فى هوليوود. وهو نفس الشغف الذى اكتشفته أيضًا لدى المخرج الشاب حينها، شريف البندارى، الذى تعرّف إلى سيرة عجرمة من خلال ما كتبته عنه، وأقسم أمامى أنه يومًا سوف يحقق فيلمًا عن ذلك الإنسان الاستثنائى. والحقيقة أننا حين عدنا وتحدثنا عن فاروق عجرمة قبل نحو عام ونيف من الآن، حين التقينا فى تونس هو وأنا، وجددنا الحديث عن فيلمه العتيد، لم نكن نعرف أن الرجل قد رحل عن عالمنا بعيدًا فى «منفاه» الأمريكى قبل شهور من لقائنا.
كل هذا لا يمكنه، على أية حال، أن يكون موضوعًا هنا. ففى النهاية، وعلى رغم أن عجرمة كان طوال العقود الأخيرة من حياته مثقفًا سينمائيًا كبيرًا وفنانًا يعيش أحلامًا إبداعية لم يحقق أيّا منها، إذ لا شك أن لا «العنب المر»، ولا دزينة الأفلام التى حققها خلال عقد من السنين عاشه فى لبنان، «يساهم» فى تحقيق سينما تجارية لم تتحقق فى وطن الأرز إلا بفضل التأميمات الناصرية «الاشتراكية» فى مجال السينما، ولا مداومته على مشاهدة تلك الأفلام المهمة التى كانت تُعرض فى صالات بيروت، و«يأمرنا» نحن - مساعديه - بحضورها لإصلاح ذائقتنا الفنية من «التلوث الذى يصيبها عملنا فى الأفلام التافهة التى كنا نشتغل عليها، بما فيها أفلامى أنا»، كما كان يقول لنا، ما من شىء من هذا كله قد يبرر الحديث عنه، هو الذى حتى فى هوليوود انصرف إلى إنتاج وإخراج جملة توافه سينمائية مخجلة! فما الحكاية إذًا؟
الحكاية هى أن هذا الفنان الحقيقى كان يخفى فى داخله ما يمكن أن نسميه «كرامة فنان حقيقية»، مكنته ذات لحظة من أن يلجأ إليها ليعلمنا، فى لبنان، درسًا أعتقد أننا لم ننسه أبدًا، وأحدث فى داخلنا، ومرة وإلى الأبد، شعورًا بأهمية كل أولئك الذين كانوا يمضون أيامهم ولياليهم واقفين وراء الكاميرا، وفى ظلام الاستديوهات، لمجرد أن يعتاشوا ويرتزقوا من خدمة «آلهة الشاشة الحقيقيين» من منتجين وموزعين ونجوم ومن شابههم. ففى عالم الإنتاج السينمائى كانت السلطة الحقيقية تراتبية بشكل مريع، حيث الموزع والمنتج فى أعلى الهرم، يتبعهما النجوم، ولا سيما «النجمات» اللواتى غالبًا ما تكون بطلة الفيلم من بينهن عشيقة المنتج أو «هديته» إلى الموزع، ودون أدنى اعتبار لمهاراتها الفنية، أو حتى لما إذا كان لها جمهور حقيقى أو عمر طرى يناسب الأدوار التى تنتزعها انتزاعًا لمجرد ارتباطها بصاحب المال والأعمال. وكانت التراتبية تشمل غالبًا مغنين ومغنيات على الموضة فى أفلام لا تُصنع إلا فى سبيل جمهور كان شعورنا أنه أرعن وأحمق، نخدمه نحن دون أن نتفق معه فى أى شىء.
فى خضم ذلك الوضع، كان المخرج – وفريقه التقنى – يعمل فى الفيلم، فى أى فيلم، دون أى اعتبار لرغباته السينمائية. مجرد مقاول همه أن يعيش دون أن يتخلى عن أحلام سينمائية غالبًا ما ينقضى عمره دون أن يحقق أيّا منها. كان ذلك النوع من العمل حياتنا وشكوانا وبؤسنا وغذاءنا. ولم نكن قادرين حتى على أن نتأفف. فالميثاق واضح، والطلب أكثر من العرض. ومن لا يعجبه الأمر، ما له إلا أن يتسكع فى المقاهى مستعرضًا بؤسه، منتظرًا من يحن عليه بساندويتش أو فنجان قهوة.
ولكن ذات يوم، وكان فى الحقيقة يوم التصوير الأول لفيلم عنوانه «القاهرون»، سيكون الأول الذى يحققه فاروق عجرمة فى لبنان، وكان اليوم الأول الذى تتعرف فيه الحياة السينمائية فى لبنان على ذلك «المصرى الآخر…». كان الفيلم من تمثيل سميرة توفيق إلى جانب نجم نجوم الغناء على امتداد العالم العربى فى ذلك الحين، فهد بلان. كان المشهد الذى يُصوَّر ضخمًا، يتحدث عن معركة تُصوَّر بالقرب من بلدة كفرنبرخ فى منطقة الباروك الجبلية اللبنانية، وفيه مئات الكومبارس، وعشرات الممثلين، وعدد كبير من التقنيين. كان الوضع مهيبًا. جهزنا اللقطة، وتمدد «القتلى» و«الجرحى» على أرض ممتدة بين عدة كاميرات تصور وتصور، بدءًا من اللحظة التى صرخ فيها المخرج عجرمة: «كاميرا». ولكن بعد مرور ثوانٍ، سمعنا من جانب آخر من المكان صرخة مختلفة تمامًا عن صرخة المخرج، تطلب إيقاف التصوير بسلطة قاطعة.
توقف التصوير، وذهل المخرج، ونظر إلى مصدر الصوت ليجد شخصًا جالسًا ينظر إليه مبتسمًا. زعق عجرمة: «أنت مين؟ وزعقت ليه؟» فقال الآخر بكل هدوء ما يعنى أن ثمة «قتيلًا» على الأرض «أخذ يتحرك وهو ينظر إلى الكاميرا». فصرخ به عجرمة: «وأنت إيه دخلك؟ أنت مين؟». كان الفاعل فهد بلان نفسه، والذى كان قد وصل منذ دقائق ولم يُقدَّم للمخرج بعد. وإذ قيل اسمه بتفخيم له دلالته، واصل المخرج النظر إليه بغضب، وصرخ به: «أنت تمشى من هنا وترجع لما أبعتلك». ذهل الجميع حقًا، وتقاطروا على عجرمة يشرحون ويفسرون، لكن هذا أوقف التصوير مستخدمًا كلمته التى أضحت شهيرة بعدها: «فركش». وتكهرب الجو تمامًا، وراح الموزع والمنتج يتدخلان، لكن عجرمة أصر على موقفه، وهو يصرخ: «أنا سيد المكان هنا، ما حدش له حق يتدخل. وكلمة تانية حانسحب من الفيلم».
صحيح أننا نحن - البسطاء العاملين - فى الفيلم ارتعبنا، وكنا مدركين أن عجرمة يقامر برزقنا، لكننا فى أعماقنا كنا، ولأول مرة خلال مسيرتنا المهنية، نشعر أنه قد رد لنا كرامتنا، ولا سيما فى اللحظة التى تبدى فيها فهد بلان من التهذيب والتعقل، بحيث إنه اعتذر بصدق وانسحب من ميدان التصوير، ليعود هادئًا مسالمًا فى اليوم التالى، ويصبح من أقرب أصدقاء فاروق عجرمة، الذى باتت شعبيته كبيرة عندنا، بالنظر إلى أنه المخرج الذى رد لنا كرامتنا المهدورة.